أمثلة من هوميروس والمعري وشكسبير: هل ثمة أسبقية لموهبة الشاعر على ثقافته؟

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

مما لا جدال فيه أن الموهبة هي العامل الرئيس في إنتاج الشعر، ثم تأتي الثقافة لتزيد في قيمة القصيدة، وتمنحها عمقاً وتأثيراً، وبخاصة إذا كانت القصيدة غنائية الطابع. ولكن من أين تأتي ثقافة الشاعر إن لم تكن من القراءة والدراسة، على مستويات شتى؟ وهذه ليست المصدر الوحيد لثقافة الشاعر. فثمة العيش بين مثقفين، أو متعلمين على مستوى طيب. هنا تنتقل الثقافة بالتلاقح، إن صح التعبير بالمجاز. وهذا لا يمنع وجود شعر جميل طاغور البارع الجمال، الذي يتغنى بالطبيعة والحب. ففي مختارات بعنوان “أغانٍ وأشعار” نقلتُها إلى العربية، عن ترجمة إنكليزية قامت بها سيدة من البنكال عن النص الأصلي (نشر المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1995) نجد في هذه المختارات إشارات إلى أكثر من خمسين زهرة أو شجرة من البنغال، بلد الشاعر، اقتضتني كثيراً من الهوامش لتوضيح الصورة أو الفكرة. وهذه بدورها “ثقافة” تيسرت للشاعر، وبالقارئ حاجة كبيرة إليها، حتى لو كان من أهل البنكال، فما بالك بالقارئ بالعربية؟!

وللنظر في تراثنا الشعري العربي، بدءاً من الشعر الجاهلي. ليس لدينا ما يشير إلى أن شعراء المعلقات أو أغلبهم، كانوا يحسنون القراءة والكتابة. فقد كانت تلك نعمة كبرى، وإلا لما كُتبتْ القصائد الفائزة بالجوائز في سوق عكاظ بماء الذهب لتُعلق على أستار الكعبة. ونقرأ في تاريخ الوحي والنزول أن الرسول الكريم لما قال له الملاك: إقرأ، قال: لستُ بقارئ. وفي فتح مكة حدد الرسول الكريم لإطلاق سراح الأسرى فدية تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة. فهل ثمة من سبيل لمدى معرفة امرئ القيس، أو طرفة أو بقية العِشرة الطيبة، بالقراءة والكتابة؟ لكن ما في المعلقات مصادر كثيرة عن حياة الجاهلية هي أهم مصادرنا الثقافية عن تلك الفترة الموغلة في القِدم. فمن أين جاءت معرفة أولئك الشعراء في غياب القراءة، غالباً، إن لم تكن من العيش في مجتمعات ذات ثقافة بعينها؟

ورد في بعض التراث النقدي أن “أسوأ الشعر هو شعر العلماء” والعلماء في التراث هم علماء اللغة والدين والتاريخ، وليس أصحاب الكيمياء والفيزياء والهندسة. وإلا فمن أين جاءت حكمة زهير بن أبي سُلمى، أو طرفة أو سواه من شعراء الجاهلية؟ فالحكمة مبثوثة في معلقة زهير، وهي حِكمٌ تصح في كل زمان ومكان.

وتظهر في أعمال شعراء العصر العباسي على الخصوص آثار الثقافة وصنوف المعرفة بسبب شيوع القراءة التي كانت إحدى أسباب سعي الخلفاء لنقل المعرفة من بلاد غير عربية، وبخاصة الخليفة المأمون (786 ـ 833) صاحب “بيت الحكمة” الذي كان يضم 65 مترجماً من خمس لغات إلى العربية. هنا نُقلت كتب الفلسفة اليونانية على الخصوص، مما شجع على ظهور مجالس النقاش والجدل، وشجع على الاستزادة من القراءة وطلب المعرفة والثقافة. كما قد شجع هذا الوضع شعراء العصر، وعبروا عن ذلك بأساليب شتى. فهذا المتنبي يقول:

من مُبلغ الأعراب أني بعدها   جالستُ رسطا ليس والاسكندرا

وسمعتُ بطليموس دارس كُتبهِ      متملكاً متبدياً متحضراً

وأحسب أن هذا من باب “المنفخة” على غرار: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/وأسمعت كلماتي من به صممُ”. فحتى إذا كنا واثقين من براعة المتنبي في القراءة والكتابة، فلا أحسب أن “بيت الحكمة” ومكتباتها كانت في متناول يده، وهو جوّاب الآفاق بحثاً عن “في الكأس فضلاً أنا لهُ”. ولكن ذلك تعبير عن شغف شعراء العصر بالمعرفة الجديدة التي لم تكن ميسورة لأجيال سابقة من شعراء العربية. ويبقى التوكيد على أسبقية الموهبة عند الشاعر، وعلى حفظ أشعار السابقين هي مصادر ثقافة الشاعر العربي إلى الوقت الحاضر.

وعدم معرفة الشاعر القراءة والكتابة، أو عدم القدرة عليها، كأن يكون فاقد البصر مثل هوميروس كبير شعراء الإغريق، أو المعري كبير فلاسفة الشعراء العرب، لا يقف حائلاً دون ثقافة الشاعر أو القدرة على التزود بالثقافة من مصادر شتى. فشاعر الإغريق لا بد قد استمع الكثير من أخبار حروب الإغريق، وأبطالهم، وأربابهم، وأوصاف سفنهم مما صيرته موهبته الشعرية عالماً ينبض بالحياة في صورة الإلياذة والأوذيسا. مثل ذلك نراه عند المعري. فقدرة هذا الشاعر البصير، رهين المحبسين، على الحفظ واستيعاب ما يحفظ واستحضاره عند الحاجة هي المادة الثقافية التي تصوغها موهبته الشعرية قصائد فيها من روعة الوصف وضروب الحكمة ما يقصر عنه الشعراء المبصرون: “غير مجدٍ في ملتي واعتقادي/نوح باكٍ ولا ترنم شادِ. وشبيه صوت النعي إذا قيسَ بصوت البشير في كل نادِ”. ليس هذا تشاؤم مزاجي، بل “تفكرٌ في خلق الله” واستماع إلى أخبار الأولين، والتساؤل عن المصير في الحياة:

صاحِ هذي قبورنا تملأ الرُحبَ     فأين القبور من عهد عادِ؟

وأسبقية الموهبة الشعرية على الثقافة، وقدرتها على دفع الشاعر للبحث عن مصادر المعرفة والثقافة، تجد مثالاً بارزاً لها عند شكسبير (1564 ـ 1616). فهذا الفتى من ستراتفورد ـ أون. إيفن، البعيدة عن مراكز المعرفة والثقافة، مثل لندن والمدن الجامعية، لم يكمل حتى “المدرسة”. وكان “الأولاد” في القرن السادس عشر وما بعده يكملون المدرسة في الرابعة عشرة من العمر، ويذهب المتفوقون منهم، والأثرياء، إلى الجامعة في تلك السن المبكرة. خرج وليم شكسبير، إبن صانع القفازات الجلد، وحصيلته “قليل من اللاتينية وأقل من ذلك من الإغريقية” كما عاب عليه “الجامعيون” من المسرحيين من معاصريه، غيرةً وحسداً. لكن الفتى ذو الموهبة الشعرية استطاع أن يقرأ ما تيسر له من كتب بلغته الإنكليزية أو المترجمة إليها ما أكسبه معرفة وزاداً ثقافيا أقام عليها قصائد حب بديعة، ومسرحيات بالشعر المرسل، الموزون دون قافية، بلغت ستا وثلاثين مسرحية، وقيل أكثر. الموهبة الشعرية دفعت بهذا الفتى إلى قراءة كتاب بلوتارك الذي يسميه تراجمة المأمون “فلوطرخوس” أقرب صيغة إلى الإسم الإغريقي. هذا كتاب عن حياة مشاهير الإغريق والرومان، نقله توماس نورث (1535 ـ 1604) إلى الإنكليزية عن ترجمة فرنسية عن الأصل الإغريقي. يقول إليوت إن شكسبير “قد أفاد من كتاب نورث أكثر مما أفاد آخرون من جميع الكتب في المتحف البريطاني” (المكتبة البريطانية) بما أقام عليه من مسرحيات مثل: يوليوس قيصر، كوريولانس، آنتوني وكليوباترة. ففي هذه المسرحية نجد مقاطع كثيرة تكاد تكون نقلاً حرفيا من كتاب بلوتارك بصياغة موهبة شعرية فذة. هنا موهبة امتدت إلى الثقافة واكتملت بها. وحالة إليوت نفسه مثال آخر على تمدد الموهبة الشعرية إلى الاغتناء بالثقافة. كان الشاعر يقرأ بعدد من اللغات الأوروبية، وهو صاحب الرأي أن “الشاعر الذي يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر يجب أن يكتب وفي نخاع العظم منه أفضل ما كتبه الشعراء من هوميروس حتى الشعراء المعاصرين، وبلغات عديدة” وقد يكون هذا تعجيزاً وخلق مشكلات أمام ناشئة الشعراء، لكن الثقافة، عند إليوت، تكمل عمل الموهبة في إنتاج الشعر الجيد. غير أن الموهبة بقيت الأسبق من الثقافة عند شاعر مثل أبي نواس الذي يصيح: “فقُل لمن يدّعي في العِلم فلسفةً/حفظتَ شيئا وغابت عنك أشياء” هي الموهبة، التي تقصّر عنها الفلسفة والثقافة.

وعند الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897 ـ 1997) تكون المسألة مختلطة:

نأيتُ بشعري عن قديم ومحدثٍ

فشعري كروحي: جاهليّ مُثقفُ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية