يوسف شاهين… الباحث عن الخلود

بمناسبة عيد الفطر راودتني الرغبة في أن أكتب عن العيد الذي يأتي كل عام ونحن نفقد الكثير من أحلامنا، ويزداد حولنا الكلام عن المستقبل الجميل، بينما تنسحب الأرض الجميلة وفضاؤها الحر شيئا فشيئا. ليس أسهل من أن أردد بيت المتنبي،
عيد بأي حال عدت يا عيد .. بما مضي أم بأمر فيه تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم .. فليت دونك بيدًا بعدها بيد
لكنني وجدت ملاذي في السينما، وقلت يوسف شاهين. هي الإسكندرية – زمان من فضلك ـ تعطي أهلها نوعا كبيرا من الثقة بالنفس. فالمشي على أرضها يذكرك بماضٍ وتاريخ وحضارة وقصص للحب والموت عبر العصور القديمة. شاهين ولد وتعلم في الإسكندرية في النصف الأول من القرن الماضي ـ من مواليد 1926- حيث كانت الإسكندرية مدينة العالم، والجاليات الأجنبية فيها أكثرهم حاصلون على الجنسية المصرية، تقدم أمثلة في الحياة اليومية على الحرية والطموح.
طبيعي أن يكون طموح يوسف شاهين كبيرا يتجاوز صناعة الأفلام في مصر إلى العالم. لقد عاش وتعلم وسط العالم في مدينته هو المسيحي الأب اليوناني الأم ليكون مصريا سابقا للمصريين، لقد سافر حقا ليدرس المسرح في أمريكا، لكن في الإسكندرية أدرك معنى العالم من قبل. أعني التمرد على ما هو سائد، منذ فيلمه الأول «بابا أمين» عام 1950 وهو في الرابعة والعشرين من عمره بدا طموحه كبيرا. فيحمله فيلمه الثاني «ابن النيل» بعد عام واحد إلى مهرجان كان وتتوالى الأفلام . «ابن النيل» له أو «شباب امرأة» لصلاح أبو سيف كلاهما كان بطولة شكري سرحان وكلاهما كان عن أزمة الريفي القادم إلى القاهرة. والفيلمان في الخمسينيات من القرن الماضي الآن طبعا تم ترييف القاهرة وكل المدن الكبرى بالهجرة الرهيبة لأهل الريف، ترييفها شكلا وموضوعا، واصبحنا في حاجة إلى فيلم عن ابن القاهرة أو الإسكندرية التائه في مدينته. في كل فيلم يظهر طموحه الكبير لكن علامات فارقة كان لا بد لها في الظهور. أولها «صراع في الوادي» عام 1954، فظهرت ثقافته في فهمه للعدالة الضائعة بين الناس في الريف، والظلم الذي يقع على الفقراء. أفصح شاهين عن انتمائه الفكري بشكل كبير. ويأتي فيلم «صراع في الميناء» بعد عامين ليؤكد هذه الأفكار، ثم تتسع الرؤية بعد عامين أيضا في فيلم «جميلة بوحريد». لم يكن ذلك لموقف الثورة المصرية فقط من الفقراء أو الطبقة العاملة أو حرب التحرير الجزائرية، لكن شاهين الذي نضج في الأربعينيات كان حوله تيار من اليسار كبير في مصر، ويدرك أبعاد الظلم في الأوطان، ومعنى حركات التحرر من الاستعمار، بصرف النظر عن ثورة يوليو/تموز وشعاراتها. بعد هذا الفيلم مباشرة يأتي فيلم «باب الحديد» الذي كان تدشينا رائعا لقدراته ومواهبه في الإخراج والتأليف، وكيف صار يلعب الفن حتى إنه يقوم بدور كبير في الفيلم هو دور «قناوي». إن نهاية قناوي لا تزال يتمناها رواد التواصل الاجتماعي لكل ظالم أو طاغية.
يظهر يوسف شاهين في أكثر من فيلم من أفلامه بالمناسبة فهو جائع شره للفن، لا يكفيه الإخراج ولا التأليف ولا الموسيقى أحيانا. الآن صار يلعب بالفن وما أجمله من لعب. لا يلتزم في أفلامه بعد ذلك بالحكي المتواتر، بل يقوم بكثير من الفلاش باك وللمونتاج وتعاقب المشاهد أو توازيها معان كبيرة في أفلامه. يختصر الكثير من المعاني في زمن قليل جدا، مع متعة الصورة، حتى بدا ذلك صعبا على الجمهور العادي، لكنه لم يتخل عن الجمهور العادي في أفلامه مثل «بابا أمين» و«أنت حبيبي» و«نساء بلا رجال» وغيرها.

لا يلتزم في أفلامه بعد ذلك بالحكي المتواتر، بل يقوم بكثير من الفلاش باك وللمونتاج وتعاقب المشاهد أو توازيها معان كبيرة في أفلامه.

وفي فيلم كبير عن العقل في مواجهة الإرهاب مثل «المصير» الذي تدور أحداثه في الأندلس عن ابن رشد وأفكاره التنويرية، يعتمد اللهجة العامية في مغامرة كبيرة ورسالة في الحرب مع التخلف الفكري لاستقطاب هذا الجمهور إلى العقل في مواجهة الإرهاب، وما نشرته الوهابية من أفكار من قعر التاريخ. لقد صار يوسف شاهين في قلب مدرسة المخرج المؤلف، رغم أنه استعان ببعض المؤلفين غير العاديين مثله، من نوع لطفي الخولي في فيلم «العصفور» ويوسف إدريس في فيلم «الاختيار» وعبد الرحمن الشرقاوي في فيلم «الأرض» وغيرهم، لكن الكل يعرف أن البصمة الأخيرة له، هي السينما فن يتجاوز الزمن في الوقت الذي فيه تعالج قضايانا الصعبة لذلك يأتي فيلم «الأرض» في موعد رهيب في تاريخ السينما والوطن. يأتي بعد هزيمة 1967 فيبدو المشهد الأخير وهو من المشاهد الخالدة في تاريخ السينما، وأظن أنه أخذ مكانه في تاريخ السينما في العالم، ومحمود المليجي يمسك بالأرض بأظافره وجنود الهجانة يسحلونه على الأرض ليخرجوه منها. إنها ليست أرض زراعية يتمسك بها أصحابها أمام اللصوص أصحاب النفوذ لكنها أرض مصر، لن يفرط فيها المصريون أبدا رغم هزيمة 1967. وهكذا يبدو أن يوسف شاهين اخترق كل قضايانا الاجتماعية والوطنية، ويأتي الوقت لتتسع الرؤية للعالم ولم يكن غير مدينته الإسكندرية، فيقدمها في أربعة أفلام فيها سيرته أيضا، لكنها سيرة المدينة في قلب العالم والعالم في قلب المدينة. أفلام «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«إسكندرية كمان وكمان» وأخيرا «إسكندرية نيويورك». عندما تعرف إنه حين عرض عليه يوما في فرنسا أن يُخرج مسرحية في الكوميدي فرانسيز، اختار مسرحية «كاليجولا» لألبير كامو، فتعرف مفتاح هذا العظيم فهو يريد أن يأتي بالقمر ويحقق الخلود. إذن يوسف شاهين أكبر من كل الأفكار الاجتماعية والسياسية التي قدمها في أفلامه. ومن ثم تأتي خطوة أخرى فينتصر للعقل وسط توحش الجماعات الإسلامية بفيلم «المصير»، كما أوضحت من قبل وينتصر للبشرية بفيلمين مثل «المهاجر» و«الآخر». لقد صارت المغامرة عادة في أفلامه وموضوعاتها وقدراته على الإخراج، وتتجلى أيضا في اختياره دائما لممثلين لأول مرة فكان عمرالشريف في فيلم «صراع في الوادي «وهند رستم في فيلم «باب الحديد» وعلي الشريف في فيلم «الأرض» وسيف عبد الرحمن في فيلم «العصفور» وأحمد محرز وماجدة الرومي في فيلم «عودة الابن الضال» ومحسن محيي الدين في «إسكندرية ليه» وهكذا. ليس مهما من أكمل منهم العمل في السينما ومن لم يكمل، المهم أنه قدمهم لأول مرة فبدوا كممثلين مجيدين لهم تاريخ لا نعرفه. وهذه كانت مغامرة يوسف شاهين الذي كان يمتلك العالم ويلعب به كالأطفال في حريتهم. ويدرك أن حريته هي طريقه للخلود.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية