محافظ نينوى الجديد وتحديات إدارة المحافظة المنكوبة

خالد الخليل
حجم الخط
0

جاء محافظ نينوى الجديد منصور المرعيد، على أنقاض المشاكل المتراكمة على جميع المستويات التي ورِثها من الإدارة المحلية السابقة ومن الحالة الخاصة التي مرّت بها محافظة نينوى منذ 2014 حتى هزيمة تنظيم “الدولة” فيها في تموز/يوليو 2017. كما جاء انتخاب المرعيد في أجواء مشحونة وظروف سياسية معقدة واتهامات بصفقات فساد وشراء ذمم ونفس طَبَقي غير مسبوق بين المدينة وريفها.

“لا يهمنا من هو المحافظ، وما هي انتماءاته، ولا الأحزاب التي تدعمه، ولا الطبقة التي جاء منها؛ نريد فقط من يستطيع عمل شيء في اللاشيء، ومن يُقدّم خدمة حقيقية لمدينته، ومن يجعل مصلحة ناسه وأهله فوق أوامر الأحزاب ومصالحها الضيقة، فقد سئمنا من المهاترات الفارغة، والصراعات المصطنعة، والوعود الكاذبة” قال المواطن الموصلي أحمد غانم من أهالي حي الضبّاط أيسر الموصل لـ”القدس العربي”. وسألنا التدريسي في جامعة الموصل حسين الجرجري عن رأيه في المحافظ الجديد، فقال: “لم يَعُد لأهل الموصل ثقة كبيرة بإدارة محافظة نينوى المحلية بغض النظر عمن يُنَصَّب على رأس هرمها، لأن الأخير وسلفه -مثلا- جاؤوا بظروف مشبوهة وبأيدي متهمة بالفساد، كما أن ضغط الأحزاب المدعومة إيرانيا والتي تغولت في المدينة بعد التحرير، طالت حتى وصلت لكل دائرة ومركز قرار في المدينة، كان لها تأثيرا كبيرا على المحافظ السابق، حتى حوّلته إلى مجرّد سمسار اقتصادي لمكاتب الميلشيات الاقتصادية المنتشرة في المدينة، والتي تنهب ثرواتها من النفط والحديد، وتأخذ أتاوات من الأغنياء بحجج واهية وبغطاء الدولة، وهي تفعل ذلك منذ التحرير وحتى اليوم من دون رادع ولا محاسب، ولا أظن المحافظ الحالي والذي جاء بطريقة سابقه العاكوب، سيختلف كثيرا عن المذكور، خصوصا وأنه لا يوجد فانوس سحري في هذا المنصب قادر على حل المشاكل المستعصية، والتي هي جزء من منظومة بلد غارق بالفساد والمعضلات التي لم تجد حلّا رغم كل الوعود من المسؤولين بمختلف أشكالهم قبل تَسَنُّمِهم مناصبهم”.

وقد وُجِّهت انتقادات حادة ومواقف رافضة عقب إعلان انتخاب منصور المرعيد، كما كان هناك شد وجذب واتهامات تحدثت عن خضوع المنصب لتفاهمات سياسية وصفقات مالية، إذ قال عضو المكتب السياسي في تيار الحكمة فادي الشمري في بيان أن “ما يجري من صفقات مخزية في محافظة نينوى، وقضية انتخاب المحافظ فضيحة مدوية يقف خلفها أرباب الفساد وتجار السياسة المعروفين” مضيفا أن “ما تعانيه أكبر محافظتين بالعراق نينوى والبصرة من تسلط فاسدين وتجار سياسة يستدعي التوقف واتخاذ الإجراءات الواقعية لكسر شوكة الفساد، وعلى مجلس النواب ومجلس الوزراء اتخاذ القرارات السريعة للحد من هذه الظواهر التي فرّطت بمصالح الناس وتقدّم مدننا”.

وعن المشاكل والتحديات التي يواجهها المحافظ الجديد، سألنا الأستاذ المساعد في كلية العلوم السياسية/جامعة الموصل صفوان العلاف، فأجابنا بالقول: “الواقع الخدمي الضعيف جدا، وإعادة إعمار الجسور المهدمة والمستشفيات والدوائر، وعودة النازحين، وتعويض المتضررين من الحرب، ومواجهة سرطان الفساد المتفشي في جسد المدينة الإداري، وتوفير فرص عمل للشباب العاطل عن العمل، وجلب الاستثمارات. هي أبرز المشاكل والتحديات التي يتوجب على محافظ نينوى الجديد مواجهتها بشجاعة إن كان يريد أن يكون مختلفا عمّن سبقوه”. وأضاف “من دون تعاون مجتمعي، وتظافر جهود جماعي، وصلاحيات واسعة، وتسهيلات حكومية، وميزانية مالية قوية، وإرادة حقيقية مستقلة، لن يكون بمقدور المرعيد الخروج من بودقة الوعود الكلامية الجميلة البعيدة عن الواقع المزري والتي ردّدها العاكوب والخياط والجبوري”.
هجوم محافظ نينوى الجديد منصور المرعيد على محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي في أول ظهور إعلامي له أثار حفيظة بعض أهالي الموصل، وتساءل بعضهم عن الجدوى من الالتفات لمناكفات سياسية وصراعات هامشية في ظل واقع خدمي واجتماعي مهترئ في مدينة منكوبة لم تزل تلعق جراحاتها التي أصابتها في الحرب التي أتت على عمرانها واقتصادها، وقالوا أن الناس سئمت من التصفيات السياسية، والمهاترات والتسقيط الحزبي والطبقي، وأن ما يريدونه هو العمل الدؤوب والجهد الحثيث من أجل تحسين واقعهم الخدمي وحالهم المعاشي. وكان المرعيد قد اتّهم النجيفي من على منبر قناة “العهد” الفضائية التابعة لميليشيا “عصائب أهل الحق” بأنه ومن معه وراء سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة، وقد جاءت تصريحاته ردا على تصريح لمحافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي عندما تحدث لصحيفة محلية عن أن انتخاب المرعيد محافظا جديداً لن يغير من المسار الذي سار عليه سلفه نوفل العاكوب، وقال: “لا أعتقد أن هناك تغيير عن مسار نوفل العاكوب، فالجهة اليوم التي دعمت منصور المرعيد، نفسها كانت تدعم العاكوب في الوقت السابق” وأضاف أن “انتخاب المرعيد وفرضه على نينوى هو انعكاس للهيمنة الإيرانية وتغلغلها في المنطقة”.
“أهالي الموصل باتوا لا يبالون بمن يأتي، بل جُلّ همّهم أن يستطيع من يتسنّم ذلك المنصب إعادة الحياة إلى المدينة، وجلب استثمارات حقيقية لإعادة بناء المراكز الحيوية بأوقات قياسية، وأهمها الجسور، وأيضا عليه أن لا ينسى تعويض سكان المدينة القديمة التي دمّرتها الحرب، إذ يعيش أهلها إما في بيوت مهدمة، أو مناطق لم تصلها الخدمات الأساسية، أو في المخيمات” كانت هذه رسالة وجهها أحد سكان الموصل القديمة إبراهيم أركان/41 عاما عبر “القدس العربي” لمحافظها الجديد، بينما بدا جاره شاكر حمادي/49 عاما أكثر تشاؤما، حيث رفض توجيه رسالة للمحافظ، معتقدا أن كلامه سيذهب “أدراج الرياح” ورأى أن المحافظ مُكبّل بالمُحدّدات الحزبية، ومقيّد بمنظومة فساد استسلمت لسطوتها الحكومات العراقية المتعاقبة، ولم يستطع كل أصحاب الوعود الانتخابية الوردية تحقيق أو تطبيق أي وعد قطعوه. وأضاف “لا أظن المرعيد يملك عصا الحلول، فماذا عساه أن يفعل وسط فشل متكرر وعجز حكومي في إدارة مشاكل البلد: كالكهرباء والزراعة والخدمات والبطالة والأمن وغيرها، هذا هو الواقع المر في العراق”.

التمييز الطبقي

لقد ظهرت مشكلة قديمة جديدة مع استلام الدكتور مزاحم الخياط منصب رئيس خلية الأزمة التي تشكلت عقب إقالة المحافظ السابق نوفل العاكوب؛ وهي التمييز الطَبَقي على أساس المدينة والريف وعلى أساس اللهجة، إذ بدا النفس الطَبَقي هذه الأيّام في مستوى غير مسبوق على وسائل التواصل وفي سائر منصات التعبير عن الرأي والحوار، ولم يُخفي كل طرف كلماته الصريحة في هذه القضية، وصار طبيعيا أن يشاهد المرء مصطلحات تمييزية مثل “مصلاوي [يتحدث لهجة الموصل القديمة]، وجرياوي [يتحدث لهجة قرى محيط الموصل]”.

وفي هذا الصدد، قال أستاذ علم النفس صلاح الطائي وهو يجيب عن سؤالنا عن الأسباب التي يراها وراء عودة مثل هذه الأمور بعد أن خفت نجمها: “مشكلة التقسيم على أساس المدينة والريف، وعلى أساس اللهجة، قديمة جديدة داخل مدينة الموصل، وقد كانت في الماضي أشد وأكثر، خصوصا في الفترات التي كانت فيها الأرياف بعيدة نوعا ما عن العلم والتعليم، وتفشي الجهل داخلها، وصعوبة الانتقال إلى المدينة أو السفر إليها، لكنها قلّت وبشكل كبير منذ الثمانينات، عندما أقبل أبناء الريف بشكل كبير جدا على التعليم، ومع سهولة وسائل النقل، والهجرة من الريف إلى المدينة، والاختلاط الذي حصل داخل الجامعات. جميع هذه الأسباب قلّلت ظاهرة التمايز على أساس السكن أو اللهجة داخل محافظة نينوى، لكن هذه الظاهرة نراها تطل برأسها مع كل حادثة، وتتغذى على كل واقعة ذات علاقة” وأضاف “وسائل التواصل الاجتماعي وبسبب البطالة المستشرية، صارت تنبش في كل موضوع ولو كان صغيرا، وتُعيد إنتاج كل الأفكار والتفاهات التي عفا عليها الزمن، خصوصا وأن الإنسان في العالم الافتراضي يكون متحررا من بعض القيود المفروضة عليه في الواقع الحقيقي، فيقول فيها ما يراه محرّما في حاضره”. وتابع “إن أغلب القضايا الصغيرة أمست تكبُر فوق بسبب النفخ المستمر فيها على وسائل الميديا” وحذّر من “تفشي هذه الظاهرة، وخطرها على النسيج المجتمعي المهترئ أصلا بفعل عديد من القضايا الأخرى”.

مشاكل أخرى

يواجه المحافظ الجديد منصور المرعيد مشكلة انتهاء الفترة القانونية لمجلس محافظة نينوى، وبالتالي عدم دستورية أي قرار يصدر عن ذلك المجلس، بل علت أصوات تقول بعدم قانونية انتخابه أصلا، فكيف لمجلس انتهت فترته المحددة أن ينتخب محافظا جديدا، وقد قال في هذا السياق أستاذ القانون في كلية الحدباء حميدي صالح لـ”القدس العربي” أن “انتخاب المرعيد إجراء غير دستوري، وأن مجلس محافظة نينوى منتهي الصلاحية، فهو منذ سنتين بلا غطاء دستوري”. مضيفاً “أن أهالي نينوى انتخبوا المجلس لمدة (4) سنوات فقط، وقد انتهت هذه المدة منذ (2017)”. وعلى النقيض، سخر متابعون من هذا الرأي، قائلين متى كان الدستور الوضعي في العراق مرجعا للسياسيين؟ فهم لا يرجعون إليه إلا عندما يتوافق مع مصالحهم، وقد ضربوه عرض الحائط مرات عديدة عندما لم يجر حسب وجهة سياسييهم، و”ملّت أسماعنا” من كلمة (فراغ دستوري) التي باتوا يرددونها بلا خجل على كل منبر إعلامي.

الناشط خلدون صالح وضع للمحافظ خطوات قال إنه “يتوجب عليه السير بها إن كان يريد النجاح” وهي: “كشف الميليشيات التي تنهب النفط من حقول القيارة منذ التحرير وإلى اليوم، ووقف سرقة أطنان الحديد (الخردة) من الموصل” ودعاه إلى “إيجاد حلول لمشاكل عوائل عناصر تنظيم الدولة الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة في المخيمات” وطالبه بإطلاق “حملة لتعبيد وإصلاح الشوارع والطرق في الموصل ومحيطها، وبإعادة إعمار الجسور والدوائر”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية