الشاعرة الإنكَليزية إيدث سِتوِل سليلة عائلة أرستقراطية تعود جذورها إلى القرن الرابع عشر. ولدت في “سكاربورو ـ يوركشاير” عام 1887 وتوفيت في لندن عام 1964 بعد أن تحولت إلى كنيسة الكاثوليك. لم تلتحق الشاعرة بنظام مدرسي أو جامعي، بل اكتسبت ثقافة واسعة بقراءاتها وجهودها الخاصة. ولم تكن إيدث على علاقة طيبة مع والديها، فانتقلت للعيش مع مربيتها خارج بيت الأسرة الأرستقراطية. ظهرت على الفتاة علائم الموهبة الشعرية في حدود الخامسة عشرة من العمر. كانت شاعرة شاذة في مظهرها وتصرّفاتها، ترتدي ملابس غريبة من معطف فضفاض من الفراء النفيس، وغطاء رأس أشبه بعمامة ضخمة، وتتزين بقلائد وأساور ثقيلة الوزن، وتزدحم أصابعها النحيلة بخواتم ذات فصوص كبيرة من الحجارة الكريمة. وكان من شأن هذا المظهر أن يصفها المجتمع بالشذوذ، لكنها كانت تقول “أنا لستُ شاذّة، بل أكثر حيوية من أغلب الناس”. كانت تقدّم القراءات الشعرية بمصاحبة الموسيقى، وتولي ظهرها إلى الجمهور…
في آذار/مارس 1913 نُشِرت لها أول قصيدة بعنوان “الشموس الغاربة” فشجعها ذلك على الاستمرار في كتابة الشعر. يتميز شعر إيدث سِتول باستعارات غربية مثل “نهيق المطر” وبرموز شخصية جداً يصعب إدراك مغازيها، مع ايقاعات في كلمات مختارة، هي همّ الشاعرة الأول لتوفير الصفة الموسيقية في ما تكتب من شعر. وقد صدرت لها أول مجموعة شعرية عام 1915، وكانت ترى ضرورة ملحّة للتغيير في الصور الشعرية والإيقاعات، مبتعدة بذلك عن صيغ الشعراء الجورجيين (عهد الملك جورج الخامس، 1911 ـ 1926) وبخاصة في العقدين قبل الحرب العالمية الأولى. وراحت الشاعرة تدعو إلى تغيير الشعر بعد الحرب العالمية الأولى، بسبب خيبة الأمل والفراغ في الحياة، فاقتربت بذلك من ت.س. إليوت، وشاركته زعامة الشعر في القرن العشرين. وفي عام 1930 صدرت لها مجموعة شعرية تضم قصائدها بعد 1917، من أبرزها قصيدة “أنشودة الوردة” أو “ترنيمة الوردة”. كانت الشاعرة ترى أن قراءة الشعر يجب الاّ تبتعد عن الغناء، ومن هنا إصرارها على المصاحبة الموسيقية. فكانت تترنم في إنشاد شعرها مما يقترب من المفهوم التراثي العربي أن الشاعر “ينشد” قصيدته، وهو ما لم يعُد مقبولاً في العصور اللاحقة. ومن مظاهر “شذوذ” الشاعرة إعجابها الشديد بالممثلة مارلين مونرو إذ كانت تصرّح أنها فتاة ذكية، وقد أساء المجتمع معاملتها دون وجه حق!
في عقد الأربعينات من القرن الماضي، كان شعراء التجديد في بغداد يتحدثون بكثير من الحماسة عن شعر إليوت، بقدر طيب من الفهم، وعن إيدث سِتوِل إعجاب وقدر غير قليل من الرغبة في فهم شعرها بصورة أكبر. من أبرز شعراء الطليعة بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964) والعجيب أن سِتوِل قد توفيت قبل وفاة بدر باسبوعين، وإليوت بعد بدر بحوالي عشرة أيّام.
في أواسط الأربعينات استعار بدر، من المرحوم أستاذنا جبرا، مجموعة إيدث سِتوِل بعنوان “أنشودة الوردة” التي تضم مختارات من شعرها بين 1920 ـ 1947. يمكن أن نفهم اهتمام بدر بشعر إليوت من حيث الإشارات والإحالات الثقافية، وهذا الإلحاح على الأسطورة والرمز، لكن ذلك أشدّ وضوحاً عند إليوت، وأبعث على الخمول عند الشاعرة. لكن اهتمام بدر بشعر سِتوِل قد تزايد في حدود 1960 يوم ترجم من شعرها “ثلاث قصائد عن العصر الذرّي” مما يُعَدّ من قصائدها المهمّة. لكن أهمّ قصيدة في مجموعة “أنشودة الوردة” هي قصيدة “ما زال يهطل المطر” التي تصف مطر القنابل الألمانية على لندن عام 1940 في ما دعي “بلتْز”ْ بالألمانية، أي البرق الخاطف. وقد أوحت هذه القصيدة إلى بدر قصيدته الشهيرة: أنشودة المطر، التي جعلها عنوان مجموعته الشعرية الصادرة ببيروت عام 1960، مثل مجموعة سِتول بعنوان “أنشودة الوردة”. تتكون قصيدة سِتول من 33 بيتاً، قد تكون إشارة ضمنية إلى سنوات عمر المسيح، لأن القصيدة مسيحية الجوّ، تقارن مطر القنابل بمطر الدم الهاطل من المسيح على الصليب. ويزداد التوجّه الديني عند الشاعرة بعد ذلك، كما جرى مع إليوت، الذي انقلب إلى الكثلكة، كما فعلت سِتوِل. في قصيدة سِتوِل تتكرر عبارة “ما زال يهطل المطر” ست مرّات خلال الثلاثة والثلاثين بيتاً. وفي قصيدة بدر تتكرر كلمة “مطر” اثنتي عشرة مرة. وقد أخذ بدر عن سِتوِل الإفراط في المجاز و”حكاية الصوت” مثل الصَلصَلة والهَسهَسة والغَمغَمة والكَركَرة والدَغدَغة والهَدهَدة والجَلجلَة والوَسوَسة والقَعقَعة، مما تزخر به قصائد مثل “الأسلحة والأطفال”. وفي هذه جميعاً يستوحي بدر ما في شعر سِتوِل وإليوت من أساليب القول، لكنه يُخضع ذلك كله إلى ثقافته الشعرية العربية.
إفادة بدر من إليوت وسِتوِل في استعمال الأسطورة والإغراق أحياناً في نحت المجاز يبقى محكوماً بثقافته شاعراً عربياً. وبذلك يكون أبعد ما يمكن عن المحاكاة أو التقليد. فالأجواء المسيحية في قصيدة سِتوِل لا تجد صدى في شعر بدر، الاّ بالنظر إلى صورة المسيح على الصليب رمزاً للفداء في سبيل البشر، كما لا يجد في الأساطير الإغريقية أو المشرقية إلا رموزاً تدعم الفكرة أو الصورة في شعره.
الحديث عن الشاعرة البريطانية إيدث سِتوِل، أرستقراطية المنبت والمنشأ، يقودنا حتماً إلى تذكّر شعرائنا العرب، والمُحدَثين منهم بخاصة. صحيح أن بعض شعراء التراث كانوا ينعمون ببحبوحة مادية، لكونهم من الأمراء أو أبنائهم، أو بسبب أعطيات الخلفاء والأمراء. لكن حتى المشاهير منهم لم يترفّعوا عن طلب المزيد من الغنى. حتى المتنبي الكبير في عزة النفس، لم يتردد في مخاطبة ممدوحه بقوله “أمولاي هي في الكأس فضلٌ أنالُه!”. وسِتوِل الأرستقراطية لبّت دعوة من هوليوود للذهاب مع شقيقها، وهي في السادسة والستين من العمر، لكتابة سيناريو هناك “لنجمع شيئاً من المال”. فكيف حال شعرائنا العرب؟ ربما كان أحمد شوقي وحيداً بين شعراء العرب المُحدَثين في عدم الحاجة المادية، ولو أن صلاح عبد الصبور في حديثه عن “فقره المادي” لم يتورع عن توجيه “لكزة” إلى “أمير الشعراء” حول “ملعقةٍ من الذهب الصريح تُطِلُّ من فيهِ”. والشاعر العراقي المتشرِّد، أحمد الصافي النجفي (1897 ـ 1997) عندما انتهت به قدماه إلى إيران لم يجد سقفاً يؤويه سوى في أحد المساجد. لم يكن يملك ثمن قلم ليكتب به قصائده الكثيرة، فراح يلتقط عيدان الكبريت المحترقة يكتب بسوادها شعره “الجاهلي المثقف”.
أما السيّاب، وصمةُ العار في جبين مثقفي عصره وأولياء نعمة بعضهم، فكان يتألم في ملجأه بالكويت إذ “يبسط بالسؤال يداً ندية”. كان دائم الشكوى في حنينه إلى العراق والعودة إليه: “وهل يعود من كان تعوزه النقود؟” ويكاد الاستمرار في استعراض فقر غالبية شعرائنا أن يتوقف أمام لوحة من الغيوم تملأ الأجواء: “كاد الفقر أن يكون كُفراً”. ولكن، هل من الضروري أن يكون النبوغ قريناً للفقر والحاجة المادية؟ بعض الموسرين من الشعراء محظوظون بتلقي التكريم من كل حدبٍ وصوب. هذه إيدث سِتوِل تكرّم بشهادات دكتوراه فخرية عديدة وهي لم تدخل مدرسة ولا جامعة. ولم يكن لها كثير من المعجبين بشعرها حتى وقت متأخر من حياتها. بل إن ملكة بريطانيا أسبغت عليها في عام 1954 لقب “ديم Dame” ويقابله في تراثنا “العصملّي” لقب “خاتون” أو الهندي لقب “بيكَوم”.
قد يُكرَّم المبدعون بعد مماتهم، في أحيانٍ قليلة. هذا الشاعر الإنكليزي توماس كَراي (1716 ـ 1771) يصف لنا كيف أن الشاعر النابه لم يُكرَّم إلا بعد موته، حيث أقيم له في “مقبرة ريفية إنكَليزية” تمثال نصفي، ليتذكّره بعض من يزور قبور موتاهم، أحياناً. ولكن هل ثمة من يذكّرنا بأن السياب، أحسن من غنّى للعراق، على الرغم من قسوة الفراق، قد أقيم له تمثالٌ شاهق بعد وفاته، لكنه أقيم قبالة بنك كبير في مدينته، ليبقى، حتى بعد موته: تُعوزه النقود؟