مصر وفساد «الناس اللي تحت»

حجم الخط
2

■ جاء حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول الفساد وأنه أقل خطورة على الدولة من الدعم صادما للبعض، خاصة في ظل الفساد المتعدد الصور الذي تعرفه مصر، ولكن تعريف الرئيس للفساد وأسبابه هو الذي يربطه بفيلم «الناس اللي تحت» للكاتب نعمان عاشور، الذي يدور حول العلاقة بين الأغنياء والفقراء بعد ثورة يوليو 1952، في ظل مطالب العدالة الاجتماعية، وتطلعات الشباب الراغب في خلق حياة جديدة قائمة على تحدي الواقع مقابل الكبار الراغبين في تحسين محدود لظروف الحياة، من دون تغيير قواعدها. الفجوة بين صاحبة العقار وسكان البدروم يمكن النظر لها على عدة مستويات، فهناك الفجوة المجتمعية بين من يملك ومن لا يملك، والفجوة بين السلطة والناس. وكما حاولت صاحبة المنزل إخلاء البدروم من سكانه، بوصفهم سببا للمشاكل وتقييد الدخل المحتمل، فإن النظام لا يتوقف عن تحميل الشعب المسؤولية عن كل المشاكل، بما فيها الفساد. وقد جاء حديث السيسي عن خطورة الدعم مقارنة بالفساد في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف، طارحا للعديد من التساؤلات حول الأسباب والتوقيت. فكيفية تقديم الدعم يمكن أن تكون قضية مطروحة للنقاش، ولكنه ليس أخطر من الفساد. حديث اعتبره البعض تأجيلا لمواجهة الفساد لحين تأمين الدولة، ولكن تعريف الرئيس للفساد في اجتماع اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد بعد هذا بعدة أيام، قدم طرحا أشمل للهدف من التصريحات عندما تحدث عن الفقر بوصفه أهم أسباب الفساد، وما يترتب عليه من نتائج. فالدعم أخطر من الفساد، والفساد نتاج للفقر بما يعنى أن المواطن هو سبب المشكلات التي تواجه مصر، وأنه خطر على الدولة بوصفه جزءا من الفساد أو من الإرهاب.
أما سبل التصدى للفساد ومكافحته فتمثلت وفقا للرئيس في تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، ووضع الكفاءات في المناصب، من خلال اقتراحات الأجهزة الرقابية، والدعم الكامل لتلك الأجهزة. والغريب أنه في الوقت الذي تحدث عن دعم الأجهزة الرقابية، أكد من خلال تجربته في الجيش، على أنه سيتدخل في جميع مناقصات الحكومة تحت مقولة «عشان نعلم الناس». وهو ما يكرر فكرة احتكار المعرفة، وأن الأجهزة الرقابية لا تعلو على غيرها، ولكن الرموز تعلو عليها في تكرار لغياب المؤسسات وتعظيم الفرد. تصريحات تتسق مع الرؤية التي عبر عنها السيسي قبل انتخابه، والتي أكد فيها على أن الدين وفوائده، والدعم هي العناصر الرئيسية المقيدة للاقتصاد وليس الفساد الذي ربطه بالفقر والعوز. فالفساد – وفقا له – انتشر وزاد مع تآكل الطبقة المتوسطة وقلة الدخل، وأصبح ممارسة عادية للناس في ظل غياب المحاسبة والرقابة من مؤسسات الدولة ومن القيم الأخلاقية للأفراد. هذا في الوقت الذي رفض الحديث عن تطهير المؤسسات، معتبرا أن الكلمة جارحة للمؤسسات ولمن يعمل بها. فالمؤسسات تجرحها كلمة حقيقية لما يفترض القيام به، في حين أن الناس لا يجرحها الحديث المستمر عن فساد أخلاقها وحاجتها للزعيم الملهم المنظر للمجتمع وللقيم وللأخلاق وللدين. يدافع الرئيس عن أن الفساد نتاج للفقر والثقافة وليس للمؤسسات والنظم الحاكمة والأغنياء. وهو ما يتفق مع حديثه عن استمرارية ثورة يوليو، وضرورة عدم الحديث عن أخطاء، فالواقع خط متصل من السعي لتحقيق أهداف يوليو، بما يعني ضمنيا تكرار فكرة براءة مبارك ونظامه من الأوضاع التي عانت وتعاني منها مصر. أما الحلول من وجهة نظره فتتمثل في إقناع المواطن بالعيش من دون تجاوز. وهو ما يتماشى مع الشق الثاني من رؤيته التي قدمها للشعب وهي التقشف.
ولكن على أرض الواقع تختلف الأوضاع عن الصورة التي تبذل الجهود لترسيخها عن فساد الفقراء، أو قدرة الأفكار المقدمة على الحل. الرؤية المقدمة تعبر عن طبقية ترى الفقر بوصفه أصل المشكلات وتستبعد فساد الأغنياء، وهو أمر غير حقيقي في مصر وغيرها. والحديث عن الكفاءات لا يعني تحقيق إصلاح حقيقي بالنظر للخبرة المصرية التي يتم فيها استخدام تلك المقولات لتسهيل الواسطة والمحسوبية، خاصة ان أضيف لها فكرة الفقر كأصل للفساد. كما تتجاوز الفكرة العديد من التقارير والحقائق التي عبر عن جزء منها حديث رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة قبل الجدل الأخير بفترة قصيرة، حيث أشار لعرقلة بعض المؤسسات لعمل خبراء الجهاز بما يحول دون كشف وقائع الفساد في الجهاز الإداري للدولة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. مشيرا لوزارة الداخلية التي تمنع التفتيش على حساباتها، في الوقت الذي عبر فيه عن أمله بأن تستجيب الوزارة بعد جلسة عقدها رئيس الوزراء مع وزير الداخلية. وما قاله جنينة لا يتعلق بالفقر ولا فساد الأفراد، ولكنه تعبير واضح عن توازنات القوى داخل مؤسسات الدولة، وكيف يتضخم وضع الرئيس/المسؤول في ظل تلك الأوضاع التي تحتاج الأجهزة الرقابية فيها لوساطة ولموافقة الجهة التي يفترض أن تراقب عليها.
ما جاء في تصريحات الرئيس من رؤى حول الفساد والدعم لا تختلف عما سبق وأعلنه، إلا في المكانة التي يتحدث منها، والفارق بين حديث المرشح الرئاسي والرئيس. وهي الرؤي التي تجد من يدعمها ويدافع عنها في إطار المعركة الكبرى ضد الإرهاب والمؤامرة وحروب الجيل الرابع التي تدار على طريقة النسخة المصرية من مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلارى كلينتون. في حين أن الحديث عن فساد الشعب يتجاوز الحديث عن فساد النظم الحاكمة ورموزها، وعن المؤسسات وإصلاحها، وعن علاقات المال والسلطة التي سمحت بتخصيص أراض بأرخص الأسعار لمشروعات لم تنفذ، ولا إرجاع الأراضي التي سحبت بعد ثورة يناير/كانون الثاني لبعض رجال الأعمال، الذي تم الربط بينه وبين تبرعهم لصندوق تحيا مصر، الذي يفترض أن يعمل خارج موازنة الدولة والأجهزة الرقابية. وفي الوقت الذي يتبنى عدد متزايد من المسؤولين الحديث عن الفقر ومسؤوليته، نجد أنفسنا في مواجهة الكثير من صور الفساد الأخرى. فيبدأ الحديث عن مطالبات رسمية لتعديل الدستور لزيادة سلطات الرئيس، واستحضار رئيس الفترة الانتقالية لرئاسة البرلمان، بوصفه الأكثر توافقا معه. وهو ما يعني تغيير قواعد اللعب المعلنة وتركيز السلطات بشكل رسمي في الرئيس. فجأة تكتشف السلطة ان الدستور لا يتناسب مع المرحلة وتحدياتها، ويصبح من السهل إعادة النظر في دستور بعد أشهر من الاستفتاء عليه والاحتفال به بوصفه تفويضا ليونيو/حزيران. وضع لا يختلف عن أوضاع سابقة تم استنكارها، ولكنها تمر الآن باسم الحرب على الإرهاب والقيم المهدرة في سبيل الأمن، على طريقة قصة الجريمة لنجيب محفوظ، وان كان الواقع لم يشهد استتباب الأمن بما يعني أن كل القيم مهدرة في سبيل السلطة. أوضاع تتسق مع تأكيد الرئيس على هامش اللقاء مع رؤساء تحرير الصحف على ضرورة زيادة مناعة وممانعة وتماسك الدولة، من خلال أداء غير تقليدي للدولة وتفهم الإعلام، وتأكيده على أن المناخ ليس مناسبا لخروج تشريعات تتعلق بحرية الإعلام في ظل الحرب على الإرهاب. وهو ما يعني أن التماسك والممانعة الداخلية لا تختلف عن الخطاب العربي القائم على الممانعة عبر اخفاء الحقيقة، والتركيز على خطاب المؤامرة كبديل للعدالة، وخطاب الإرهاب كبديل للعيش والحرية. ويكفي الاشارة في كل أزمة إلى أوضاع دول الجوار وكأنه تهديد ضمني على طريقة مبارك «أنا أو الفوضى»، في حين أن تقوية الجبهة الداخلية يفترض أن يتم عبر الإصلاح وإعادة الهيكلة، وهو أمر لا يعني إسقاط المؤسسات ولكن معالجة ما تعانية من أمراض.
عندما يقف السكان وصاحبة العمارة أمام القاضي لمناقشة الإخلاء، يطالب البطل بتطبيق مبادئ قانون الانسانية، ويحكم القاضي برفض الدعوى، ولكن في الواقع لازالت المطالبة بقانون الانسانية قائمة، في ظل الكثير من القيم المهدرة باسم الحرب على الإرهاب، في وقت يضع النظام القوانين ويجد من يطالبه بتعديل الدستور للمزيد من إهدار القيم، ومن يتحدث عن فساد الناس اللي تحت بوصفه أصل المشكلات وإشكالية كل زعيم يرجو اختفاء الشعوب للتمتع بالحكم والأناشيد الحماسية كل صباح ومساء.

٭ كاتبة مصرية

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية