الأنبار ـ «القدس العربي»: تشهد منطقة الرطبة، الواقعة أقصى غرب محافظة الأنبار، هجرة عكسية بصورة يومية للأهالي العائدين بعد عمليات التحرير من تنظيم «الدولة الإسلامية»، نحو بغداد ومركز المحافظة الرمادي والأقضية المجاورة، بسبب ما يعانيه القضاء من سوء حاد في تقديم الخدمات الأساسية، وندرة في المياه الصالحة للشرب وانقطاع مستمر للتيار الكهربائي فضلاً عن تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وانعدام فرص العمل.
المواطن حسن صالح، يفضّل، حسب ما قال لـ«القدس العربي»، مغادرة قضاء الرطبة والتوجه صوب مدينة الرمادي والعيش فيها، نتيجة ما يتعرض له يوميا من معاناة إنسانية وسوء في الخدمات وغياب لأبسط مقومات الحياة الضرورية وقلّة الأعمال، بالإضافة إلى فقدان المراكز الطبية والمستشفيات الحكومية.
وأضاف: «قضاء الرطبة بات يشكو انعداماً كاملاً للخدمات، ويرزح تحت وضع إنساني خطير. العيش فيه، بمثابة الانتحار».
وأضطر صالح إلى حفر بئر وسط حديقة منزله للحصول على الماء، بسبب نقص المياه، وغالبا ما تكون المياه المستخرجة شديدة الملوحة وغير صالحة للشرب والاستخدام البشري، وفق ما أكد.
أما أبو وليد، الذي عاد إلى الرطبة منذ عام تقريبا، بعدما ذاق مرارة التهجير في مخيمات النزوح في مدينة الفلوجة، حاله ليس بأفضل من حسن، إذ يفكر بالرحيل والبحث عن مكان آخر تتوافر فيه مقومات العيش الكريم.
وقال لـ«القدس العربي»: عدت إلى القضاء مع أفراد أسرتي وصدمت بالواقع المرير، حيث ندرة المياه الصالحة للشرب، والكهرباء، والمراكز الصحية، وانتشار القمامة والأمراض».
وزاد: «كنا نعتقد أنها فترة مؤقتة، وستعمل الدوائر الحكومية لإعادة إعمار القضاء وتأهيل البنية التحتية خلال أشهر وتعويض العائلات التي تهدمت منازلها، حسب الوعود التي سمعناها من المسؤولين».
وتابع : «جزء من بيتي دمر جراء قصفه بالطائرات، وكذلك محلّي مصدر رزقي الوحيد تحول إلى كومة من الأحجار. تقدمت بطلب إلى لجنة التعويضات في محافظة الأنبار منذ تاريخ عودتي بهدف تعويضي لإعادة بناء محلّي ثانية، وترميم جزء من منزلي المهدم، لأنني لا أملك الأموال الكافية لإعادة ترميمه بأكمله، ولم أحصل على التعويض المالي، فقط الوعود، والآن أنا عاطل عن العمل، وأجد صعوبة للغاية في تأمين قوت أطفالي اليومي».
تدهور في الخدمات الأساسية وندرة في المياه الصالحة للشرب
ووفق للمصدر «العيش في مخيمات النزوح، هو أفضل بكثير من حياة الذّل والمعاناة التي نعشيها الآن في قضاء الرطبة. في المخيم كنا نحصل على المياه الصالحة للشرب والأدوية والمراكز الصحية الجيدة، ولا تتعرض حياتنا للخطر «.
وعبّر عن شعوره بالندم لأنه عاد، موضحاً أن «وضع القضاء مخيف، والعديد من الأهالي بدأوا بالرحيل، خاصة العوائل التي دمرت الحرب منازلهم، ولا يوجد أي تعويضات، الأمر الذي يجعلهم لا يفكرون بالعودة مطلقا، حكومة الأنبار المحلية لم تفِ بوعودها لسكان القضاء المنكوب «.
وعزا عضو مجلس محافظة الأنبار، كريم هلال الكربولي، في حديث مع «القدس العربي» الأسباب وراء هجرة المواطنين العكسية من الرطبة، إلى انعدام التيار الكهربائي، بسبب قلّة التخصيصات المالية المرصودة للأنبار»، مشيراً إلى أن «الميزانية المخصصة لا تكفي لسد احتياجات قضاء الرطبة الذي يعاني إهمالا بسبب تدمير معظم شبكات خطوط الناقلة للطاقة على يد مقاتلي تنظيم الدولة إبان فرض سيطرتهم على القضاء والعمليات العسكرية».
وبيّن أن «إعادة تأهيل محطات الكهرباء، وإصلاح شبكات الخطوط الناقلة يحتاجان إلى 10 مليارات دينارعراقي، هو رقم عال وميزانية محافظة عراقية، لذا فإن الحكومة المركزية ترفض دائماً إعطاءنا هذا المبلغ لحل مشكلة الرطبة وتتذرع بعدم توافر الأموال لدعمكم لوجود نقص في الموازنة».
وأضاف: «نحن منذ سنوات طالبنا رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي والآن نطالب عادل عبد المهدي، بتخصيص مبالغ مالية تكفي حاجة قضاء الرطبة على الأقل لتوفير محطات كهربائية إضافية لتوليد الطاقة وتشغيل مجمعات المياه وإيقاف عمليات النزوح للأهالي، لكن الجهات المركزية في بغداد لا تستمع لنا، وبالتالي فإن أزمة انقطاع المياه ستتفاقم يوماً بعد يوم في الرطبة، من دون أن تجد طريقها نحو الحل».