كثيرون يرحلون وهذه سنة الحياة. لكن ماذا تفعل وبين من يرحلون من ساهموا في اتساع الدنيا حولك، سنوات طويلة يمشون معك فيها في الصحو والمنام؟ هناك من بينهم من قرأته ومن بينهم من عرفته، وهذا أمر طبيعي أيضا، لكن وأنت ترضى بقضاء الله، هل يمكن أن لا تنظر حولك؟ في البلاد التي تعرف قيمة التفكير الإنساني يبدو الأمر طبيعيا. لا شيء بشريّ مقدس. ولو أن البشر مقدسون ما تقدمت البشرية بعد الإنسان الأول. ولظل الناس ينامون في الكهوف شبه عراة، يصطادون الحيوانات وتأكلهم الحيوانات. هذا التقدم كله من صنع البشر، ومن ثم أبشع نظم الدنيا هي التي تُوقف تفكير الآخرين، ويؤمن من بيدهم الأمر فيها أنهم فقط من يفكرون. كانت حيرة الإنسان في هذا الكون منبع الأديان. فالإنسان القديم وهو يرى التوحش حوله والكوارث فكّر أنه لابد من ضامن للحق والعدل لا نراه أو لا نعرفه. من هنا جاء التفكير في الله. ولأن الإنسان القديم كان تشخيصي التفكير، لم يستطع أن يرفع وجهه إلى الفضاء فاختار آلهة مما يراه حوله، وأقام لها المعابد والتماثيل، وصاغ لها وعنها الفكر الذي يميزها عن البشر، بينما هو واضعه. وهكذا حتى كان أخناتون في مصر أول من قال بالتوحيد. انقلبوا على فكرته بعد موته هو الحاكم الفرعون أمنحتب الرابع، وأصدر الكهنة بيانا نفعيا بكل معنى الكلمة قالوا فيه «لقد عاد العدل إلى الأرض، وعاد رع وآمون ـ وغيرهم طبعا ـ إلى معابدهم» والحقيقة أنهم كانوا يستفيدون من كونهم كهنة في هذه المعابد من الناس الذين يقدمون إليهم الأضاحي والمال، من أجل الرُقْيَة والفرار من الحساب يوم الحق، وكثير جدا من المنافع يطول فيها الكلام.
فكرة أخناتون عن الإله الواحد نقلت التفكير من التشخيص إلى التجريد. انتهت التجربة إلى الفشل حقا، لكن فكرة الإله الواحد استقرت في الأذهان، ومن ثم انفتح الطريق للأديان السماوية. لم تكن الفلسفة بعيدة عن ذلك ولا الفنون ولا الآداب. انطلق الفكر الفلسفي إلى رحاب الفضاء، وحلّق عاليا وصار له تاريخ طويل منذ اليونان حتى عصرنا الحاضر. لذلك صارت الفلسفة زادًا لكل من أراد أن يجيد مهنة العقل وتجلياته العملية. هل كان ذلك حظًا حسنًا أم سيئًا. هذا ما سألته للشاعر زين العابدين فؤاد، وأنا أجلس معه في عزاء إمام عبد الفتاح إمام، الذي توفي في الثامن عشر من يونيو/حزيران الماضي.
حدثته عن مقال كتبته هنا يوما بعنوان هل كنا أغبياء؟ وفحواه أننا كنا نريد تغيير العالم فانتهى إلى اليمين القاتل والديكتاتوريات العسكرية والدينية. كنت أعرف رد زين العابدين فؤاد، الذي عاش عمره مناضلا متفائلا، والذي صدحت الميادين بشعره دائما، والذي عرفته سجون مصر كثيرا «اتجمعوا العشاق في سجن القلعة.. اتجمعوا العشاق في باب الخلق. والشمس غنوة من الزنازن طالعة ومصر غنوة مفرعة في الحلق». الحقيقة إنني كنت حزينا وأنا أتذكر كيف جعلتني الإرادة اختار قسم الفلسفة حين التحقت بالجامعة في الإسكندرية. كنت أستطيع أن التحق بقسم اللغة العربية أو الإنكليزية، لكنني اخترت الفلسفة لأفهم ما وراء العالم، ولتكون لكتاباتي معان خفية غير مباشرة، ولأفهم ما وراء ما أقرأه من روائع الأدب. هذا ليس موضوعي لكن موضوعي هو تعرفي على أساتذة عظام وقراءاتي لهم. كتبت عن بعضهم أيضا، لكن كان الموت دائما هو موعد الكتابة. لماذا يكون الموت موعدا للكتابة حقا؟ ليس الأمر مقصودا، لكنه في لحظة العلم بنبأ الرحيل تكتشف أن هؤلاء العظماء حمَّلوك أكثر مما ينبغي.
ما ينقصنا هو إزالة إحساس المواطن بالغربة والدونية واللاجدوي وتنمية الإحساس بأنه هو الذي يزرع ويحصد وينتج ويدفع الضرائب، ويدافع عن هذا البلد إذا ألمَّ به مكروه. إذن هو الذي ينبغي أن يحكم.
فهم العالم سهل واليأس منه أحيانا رضا، لكن أن يكون حولك ما هو متناقض مع ما قرأت وأحببت، وما قدمه هؤلاء العظماء أمر محزن. بدءا من الحرية إلى الحالات الاجتماعية والاقتصادية. إمام عبد الفتاح إمام، الذي لم أقابله قط عرفته مبكرا في سن الشباب من مقالاته في مجلة «الفكر المعاصر» المصرية، التي كان يرأس تحريرها زكي نجيب محمود. كنت معجبًا ومازلت طبعا بكتاباته عن الفيسلوف الألماني هيغل، الذي عرفت من كل أساتذتي أنه صاحب لغة صعبة، وكون إمام عبد الفتاح إمام يكتب عنه، ثم يترجم له، فهذا أمر عظيم جدا. وهكذا قرأت كثيرا جدا من مقالاته، وكثيرا من كتبه المترجمة والمؤلفة. وعلى غير بعض المفكرين كان هو معتزلا الوجود الاجتماعي العملي، إلى حد كبير. اختار كعبته الفكر المطلق، وترك لمن يقرأ أن يختار أي كعبة يريدها فكرًا أو عملا. ومن يختار هيغل سيختار العقل في أروع تجلياته، ومن يختار كيركغارد سيختار الروح في أعظم قلقها الوجودي، وقد يبني سلما إلى السماء، ولا يكف عن الصعود رغم أنه لن يصل. اختار هو الاثنين العقل والروح. لذلك حفرت أعماله في عقلي وروحي قدرة كبيرة على المعرفة بالتأكيد، لكن قدرة كبيرة على التحمل فالذي يحدث حولك صغير تافه لأنه لا ينتهي إلي أي تغيير مريح وتظل روحك مشرقة بالرغبة في تغيير العالم. أنظر إلى عناوين بعض كتبه لتعرف كيف كان يفتح للعقول ممرات صعبة «تطور الجدل بعد هيغل»، «المرأة في الفلسفة» «الطاغية ـ دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، «الأخلاق والسياسة ـ دراسة في فلسفة الحكم»، «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، «مدخل إلى الميتافيزيقا» مع ترجمة الكتب الخمسة الأولى من «ميتافيزيقا أرسطو» وعشرات غيرها. كما ترجم كتبا مثل «فلسفة التاريخ»، «أصول فلسفة الحق»، «محاضرات في تاريخ الفلسفة» وكلها لهيغل وترجم «استعباد النساء» لجون ستيورات مل و«الوجودية» لجون ماكوري وغيرها كثير جدا. وأشرف على سلاسل فكرية مهمة، وقام بالتدريس في كثير من البلاد العربية ورحلته كبيرة منذ الميلاد عام 1934. لا يمكن تصنيف إمام، فهو يقف في قلب العقل الحر ويمنح العقول الحرية، لكنه إذا انتقل إلى ما حولك تعرف أنه رأى وآمن أن حُكما ما لا يستقيم أبدًا تحت مفهوم ديني، أو تحت مفهوم المستبد العادل، الذي أضاع أمتنا العربية عبر التاريخ. بالطبع سيكون كتابه «الطاغية « مرجع أي قارئ، وهو الكتاب الذي صدر في سلسلة عالم المعرفة منذ حوالي عشرين سنة، فبلغت شهرته السماء، وترى مما قدم ومما قال إنه لا سبيل إلى التقدم إلا بتربية أجيال قادرة على الفلسفة والتفكير النقدي، كمُنتج أساسي للفلسفة، وكان بالطبع يعرف أنه تم تكفير الفلاسفة منذ أبوحامد الغزالي، وأن هناك دولا كانت تمنعها في مدارسها، ومن ثم توقف التقدم. وأنه حتى في كثير من الدول التي تسمح بها لا يرى حكامها فكرا لغيرهم. ولننهي بشيء من كلامه «إن ما ينقصنا قبل العلم والتعليم هو الإحساس بالآدمية. شعور المواطن إنه إنسان له حقوق نصت عليها المواثيق الدولية، وأن التراب الذي يعيش عليه هو تراب وطنه، وليس بلدًا غريبا عنه، فلم يكن شعب أثينا الذي بدأت منه الديمقراطية المباشرة متعلما، إنما كان على وعي كامل بأن أثينا وطنه، وأن من حقه أن يحكمها. إن ما ينقصنا هو إزالة إحساس المواطن بالغربة والدونية واللاجدوي وتنمية الإحساس بأنه هو الذي يزرع ويحصد وينتج ويدفع الضرائب، ويدافع عن هذا البلد إذا ألمَّ به مكروه. إذن هو الذي ينبغي أن يحكم».
٭ روائي من مصر