الخميس التونسي الأسود: صراعات في الداخل ومنافسة خارجية للهيمنة على مناطق النفوذ

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس – “القدس العربي”: تعددت الآراء والتحليلات بشأن العمليات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت قلب العاصمة التونسية ومقر الشرطة العدلية حيث فرقة مكافحة الإرهاب، والتي أسفرت عن وفاة عنصر أمني وجرح عدد محدود من المواطنين والأمنيين. واختلفت التقييمات بشأن مدى تأثيرها على المشهد السياسي من جهة وعلى الاقتصاد الوطني الذي بدأت بوادر عافيته تظهر في الآونة الأخيرة بعد سنوات عجاف عاشها هذا الاقتصاد.

والتقت جل هذه الآراء واتفقت على أن ما حصل مثل ضربة قوية وموجعة للاقتصاد والأمن في تونس بعد جهود بذلت في هذا الإطار من قبل الدولة سواء مع حكومتي الحبيب الصيد أو مع الحكومة الأخيرة برئاسة يوسف الشاهد، وأن هناك عملا مضنيا ينتظر الحكومة الحالية والحكومة المقبلة لتجاوز مخلفات هذه العمليات التي فاجأت التونسيين خاصة وأنها تزامنت مع تدهور الحالة الصحية لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

تأجيل الانتخابات

وتتجه أصابع الاتهام إلى أطراف داخلية وأخرى خارجية في ظل هذا الغموض الذي حف بهذه العمليات خاصة وأن بعض الأطراف محليا ومن خارج الديار يهمها إجهاض التجربة التونسية وإعاقة نجاحها. ففي تونس أطراف سياسية مازالت لم تجهز بعد لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي المقبل المزمع إجراؤه في شهر أكتوبر/ تشرين الأول ولديها رغبة في تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى ما بعد هذا الموعد.

وتصطدم الأطراف الراغبة في التأجيل برفض تام من قبل الطرف المقابل الرافض لهذا التأجيل وهو ما يجعلها تجنح إلى الفوضى، برأي البعض، وإلى “حرق البلد” من أجل الوصول إلى مآربها. ويخشى أن يكون لهذه الأطراف مخطط فوضوي يتضمن عديد العمليات والأعمال الإرهابية ما يعني أن كارثة بكل المقاييس قد تحل بتونس خلال الأشهر القليلة المقبلة ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي.

تحويل وجهة

كما أن لبعض الأطراف الخارجية المنافسة لتونس في منوال التنمية مصلحة في حصول هذه التفجيرات الإرهابية وفي دخول البلد في “فوضى خلاقة” لا تبقي ولا تذر وذلك لتحويل وجهة السياح والمستثمرين الأجانب باتجاههم عوضا عن تونس. ولعل ما قد يدفع بهذه الجهات إلى الإقدام على القيام بهذه التفجيرات هو تحسن سعر صرف الدينار التونسي والإقبال السياحي القياسي على تونس في الأشهر الأخيرة والحديث عن تسجيل رقم قياسي هذه السنة في أعداد الوافدين على الخضراء من السياح الأجانب.

ووجهت أصابع الاتهام سابقا وفي الكواليس لهذه الدولة وتلك بالوقوف وراء عمليتي سوسة ومتحف باردو الإرهابيتين وعمليات أخرى بعد أن بات البلد مخترقا ممن هب ودب وترتع فيه أجهزة الاستخبارات التابعة لجهات لديها أجنداتها. كما توجه أصابع الاتهام لهذا الطرف الخارجي بالوقوف وراء الاحتجاجات التي تعطل باستمرار ومنذ ثماني سنوات إنتاج الفوسفات ذي الأهمية البالغة في الاقتصاد التونسي باعتبار تصديره إلى الخارج وجلبه للعملة الصعبة.

تونس الساحة

ويوجه البعض أصابع الاتهام إلى القوى الكبرى التي تتصارع على النفوذ في تونس، بوابة الهيمنة على ليبيا وثرواتها، فبعض هذه القوى تفقد نفوذها في “تونس الساحة” منذ مدة وبالتدريج لصالح قوة كبرى أخرى يبدو أن نفوذها سيتدعم لو أجريت الانتخابات في موعدها وذلك وفقا لأغلب استطلاعات الرأي. وبالتالي فإن تفجير الأوضاع في تونس لإعادة خلط الأوراق وتغيير نوايا التصويت للناخبين يعتبر حلا من الحلول المتاحة لهذه القوة الكبرى التي تتراجع ليس فقط في تونس وشمال إفريقيا بل أيضا في أماكن كثيرة من العالم.

لقد تحولت تونس في السنوات الأخيرة وعلى غرار الكثير من بلدان المنطقة إلى ساحة أو حلبة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى المتصارعة على الهيمنة على الشمال الإفريقي خاصة بعد أن أدخلت الترويكا الحاكمة السابقة التونسيين في صراعات المحاور. وتعتبر تونس حجر زاوية لهيمنة القوى الكبرى على ليبيا نظرا لقربها الجغرافي من العاصمة طرابلس واحتوائها على بنية تحتية مهمة تحتاجها لقوى الكبرى الطامعة في ليبيا وثرواتها، وبالتالي لا تبدو الخضراء بعيدة عما يحصل من تناحر في الميدان الليبي.

بين الداخل والخارج

يرى الناشط السياسي والحقوقي التونسي صبري الثابتي في حديثه لـ “القدس العربي” أنه من الخطأ النظر إلى ما حصل في تونس من زاوية واحدة أي صراعات الداخل أو المنافسة الخارجية على الهيمنة على مناطق النفوذ. إذ يجب وحسب محدثنا، النظر إلى المسألة من كل الزوايا لأن هناك ترابطا بين الداخل والخارج خلافا لما يتراءى للبعض، باعتبار أن للخارج المتنافس على الهيمنة لاعبين محليين ينفذون أجنداته في الداخل وينالون المنافع كمقابل عن الخدمات التي يقدمونها له. ويضيف الثابتي قائلا: “إن الراغبين في تأجيل الانتخابات محليا يدرك أسيادهم في الخارج عدم قدرتهم على الحسم في صناديق الاقتراع فيدفعونهم إلى إغراق البلاد في الفوضى لعل ذلك يساهم في خلط الأوراق من جديد. كما أن البلدان التي من مصلحتها أن تعيش تونس هذه الفوضى حتى تستحوذ على الاستثمارات والسياح الأجانب لديها عملاء في الداخل وبهم تعطل إنتاج الفوسفات، على سبيل المثال، والصناعات الكيميائية المرتبطة به والتي تحتاج الفوسفات الخام حتى تنتج ويذهب إنتاجها نحو التصدير لجلب العملة الصعبة التي تغطي عجز الميزان التجاري”.

لعبة المحاور

لذلك فإن تفجيرات شارل ديغول والقرجاني هي تفجيرات نفذتها بيادق تكفيرية مخترقة مخابراتيا بتحريض من أطراف داخلية تونسية تخدم أجندات خارجية سواء تعلق الأمر بقوى كبرى أو بمنافسين لمنوال التنمية تورطوا سابقا في زعزعة استقرار الخضراء. وبالتالي لا يمكن فصل الداخل عن الخارج خاصة بعد أن دخلت تونس منذ زمن حكم الترويكا في لعبة المحاور وتخندقت مع أطراف على حساب أخرى في أكثر من ملف إقليمي وهو ما جعلها تدفع الثمن غاليا.

ويختم الثابتي قائلا: “لقد قامت السياسة الخارجية لدولة الاستقلال التونسية على النأي بالنفس عن صراعات المحاور وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهو ما جنب تونس عديد الأزمات في عديد المراحل وحظيت باحترام الجميع خصوصا في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي. أما اليوم فقد باتت طرفا في الكثير من الخلافات والصراعات في المنطقة ومن الطبيعي أن تدفع الثمن غاليا خاصة وأن الدبلوماسية الحكيمة والرشيدة هي خط الدفاع الأول في أية استراتيجية دفاعية وهي القادرة على تجنيب الجيش وقوى الأمن كل هذا الجهد الذي يبذلونه في محاربة الإرهاب والذي أرهقهم كثيرا في السنوات الأخيرة وانعكس سلبا على تفرغهم للتكوين وتطوير المهارات والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه العلوم العسكرية”.

صحة الرئيس

ولعل ما زاد الطين بلة هو الصحة التي تدهورت فجأة لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وذلك بالتزامن مع هذه التفجيرات، وأيضا سريان خبر وفاته بسرعة سريان النار في الهشيم قبل أن يتم نفي خبر الوفاة من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية. ولم تكن وفاة الرئيس لتثير كل هذا القلق لو تم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية العليا المخولة دستوريا للحسم في حالة الشغور في قرطاج طبقا للدستور الجديد.

ففي صورة وفاة الرئيس يتولى رئيس مجلس النواب مهام الرئاسة وفي صورة مرضه وعجزه يتولى مهام الرئاسة رئيس الحكومة وفي الحالتين فإن المهمة محددة بأجل ينتهي بإجراء الانتخابات. لكن من سيحسم في مسألة الوفاة والعجز لساكن قرطاج هي المحكمة الدستورية العليا التي لم يتم انتخابها بعد وهو ما سيخلق أزمة دستورية في البلاد لن ينجو منها التونسيون إلا ببقاء الباجي قائد السبسي على قيد الحياة بصحة جيدة قادرا على إدارة شؤون البلاد.

لقد كان خميسا أسود في تونس بكل ما للكلمة من معنى ترك أسئلة غامضة في الأذهان تحتاج إلى أجوبة ولعل أهمها كيف تمكن الإرهابي من الوصول إلى شارع شارل ديغول بحزام ناسف في الصيف حيث يرتدي المرء لباسا خفيفا لا قدرة له على إخفاء هذا الحزام وفي منطقة تعج بالأمنيين يصعب اختراقها في الأوضاع العادية فما بالك في حالة الطوارئ؟ وهل أن الإعلان عن تدهور حالة الرئيس بالتزامن مع العمليات الإرهابية كان من باب الصدفة؟ أم أن هناك أياد خفية قررت في لحظة ما أن تأتي على الأخضر واليابس ثم تراجعت؟ أم أن الأمر يتعلق ببالون اختبار للمقبل الذي لن يسر التونسيين في كل الأحوال؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية