الحدث الأبرز في ليبيا هذه الأيام هو تراجع قوات حفتر عن مواقعها أمام الضربات الموجعة التي تلقتها من حكومة الوفاق الوطني وحلفائها المدافعين عن طرابلس من الميليشيات غير النظامية المسيطرة على المدينة. ولعل خسارة حفتر لمدينة غريان الاستراتيجية المهمة والضرورية للهجوم على طرابلس، هي أهم التطورات في سير المعارك بين الجانبين، وهي تنبئ بقرب هزيمة حفتر وعجزه عن تحقيق هدفه وهو السيطرة على العاصمة التي هي مفتاح السيطرة على البلد برمته.
رهان خاطئ
كما أن القوى الإقليمية والدولية التي راهنت على خليفة حفتر معتقدة أنه قادر على الحسم بسرعة البرق من خلال حرب خاطفة تنتهي بسيطرته على طرابلس الغرب، باتت اليوم مطالبة بمراجعة حساباتها. فالعودة من طرابلس بخفي حنين ستجعل أسهم اللواء المتقاعد تتراجع على الميدان الليبي وعلى الساحة الدولية وستجعل بعض الحلفاء ينفضون من حوله باحثين على الأقدر على ضمان مصالحهم في هذه الحرب المعقدة التي اختلط فيها الحابل بالنابل ولم يحن أوان حسمها.
فهل انبنت هذه الحرب منذ البداية على حسابات خاطئة من قبل حفتر وحلفائه ولم يكن في الحسبان أن يطول أمد المعركة إلى هذا الحد ويخلف ضحايا من المدنيين؟ أم أن حفتر قد زج به في معركة خاسرة معلومة نتائجها سلفا وذلك للتعجيل بنهايته والذهاب نحو المفاوضات بحثا عن مخرج سياسي من دونه، وهو الذي يعارض حكومة الوفاق المدعومة أمميا ومن قبل قوى أطلسية فاعلة؟
إن ما هو أكيد أن حفتر قد دخل هذه الحرب بنية الحسم السريع وإنهاء وجود حكومة الوفاق الوطني، لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه خاصة وأن الواقع مختلف تماما عن ما كان يدور في ذهن حفتر. فمثلا لم يقرأ اللواء الليبي المتقاعد حسابا لإمكانية تسلح خصومه، ولم يغلق المنافذ على العاصمة حتى لا يصل المدد إلى حكومة الوفاق والميليشيات المتحالفة معها سواء المنتمية إلى طرابلس أو القادمة من مدن أخرى على غرار مصراتة.
هجوم عبثي
يرى حسام باش إمام، عضو اللجنة التنفيذية للهيئة الطرابلسية في حديثه لـ”القدس العربي” أن ما يحصل اليوم في طرابلس، هو عدوان وهجوم عسكري من قوات حكومة شرق ليبيا بقيادة الجنرال خليفة حفتر، وهو يحمل صفة القائد العام لهذه الحكومة المتمردة، على الحكومة الشرعية في العاصمة طرابلس (حكومة الوفاق). ففي 4 نيسان/أبريل الماضي قامت القوات المعتدية، وحسب محدثنا، باحتلال مدينة غريان الجبلية والتي تبعد 80 كيلومترا جنوب طرابلس واتخذتها قاعدة للعدوان، وفي الوقت نفسه تحالفت قبيلة ترهونة القريبة من طرابلس مع قوات الشرق وقامت بالهجوم من جنوب طرابلس تم التصدي ورد العدوان وإبعاده عن المدينة. ومنذ ذلك التاريخ يرى السياسي الليبي “أن القوات المهاجمة بدأت تتراجع رويدا رويدا تحت هجمات من القوات المدافعة عن طرابلس أي قوات حكومة الوفاق الشرعية. لقد أرادوا الانتقام باستعمال السلاح الجوي، وقامت قواتهم بقصف مركز إيواء للهجرة غير الشرعية وقتل حوالي 33 شخصا وجرح أكثر من 70 ضحية من جنسيات أفريقية متعددة، كانت مجزرة بأتم معنى الكلمة وجريمة حرب غير مسبوقة سقط على إثرها مدنيون أبرياء من جنسيات أفريقية مختلفة”.
واعتبر محدثنا جوابا عن سؤال مفاده إن كان يرى أن حفتر بات اليوم في مأزق أم لا؟ أن الأخير قد أدرك منذ فشل هجومه الأول أنه لن يستطيع ان يدخل إلى طرابلس، وأن قواته أخذت في التراجع يوما بعد يوم تحت ضربات قوات الوفاق المدافعة عن المدينة مع وجود تأييد من رأي عام قوي من أهالي مدينة طرابلس ومدن رئيسية في الغرب الليبي مثل مصراتة التي ساهمت بقوات كبيرة بجيش حكومة الوفاق، ومدينة الزاوية وأغلب المدن الساحلية الكبيرة في الغرب الليبي مثل الخمس زليتن زوارة وغريان بعد تحررها. ويبقى أهم مأزق وقع فيه حفتر، حسب السياسي الليبي هو جريمة الحرب التي ارتكبها بحق مدنيين عزل من المهاجرين الأفارقة وهو ما سيجعله ملاحقا من العدالة الدولية.
أنصار الدولة المدنية
واعتبر محدثنا جوابا عن سؤال يتعلق بتداعيات معركة طرابلس على المشهد الليبي، أن هذه المعركة هي في الأساس هي صراع بين أنصار الدولة المدنية بقيادة حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دوليا والمؤيدة من أغلب أهالي طرابلس ومدن الغرب الليبي بالتحديد، إضافة لوجود مؤيدين لمشروع الدولة المدنية في شرق وجنوب ليبيا، وبين مشروع حفتر الفاشي. ويضيف: “للأسف هناك قوى قبلية في شرق ليبيا لعبت دور الحاضنة الاجتماعية لمشروع حفتر الفاشي، أما نحن في طرابلس نعتقد أننا نخوض معركة الديمقراطية ضد الفاشية العسكرية وهي جزء من التغيير الذي يشمل منطقتنا بعد ثورات الربيع العربي.
بالنسبة للمجزرة والجريمة التيً ارتكبها حفتر ستكون لها تداعيات كبيرة وستقنع العالم والدول المؤيدة له مثل دولة الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا، ستضعهم في موقف حرج أمام العالم، خصوصا دولة الإمارات التي أرسلت أسلحة أمريكية (صواريخ جوفلين الأمريكية) التي سقطت في أيدي قوات حكومة الوفاق بعد تحرير مدينة غريان، وهي سلاح صاروخي يحمل على الكتف متطور وموجه ضد الدروع ، حيث يطالب الكونغرس الأمريكي بفتح تحقيق بتورط الإمارات في تزويد حفتر بسلاح أمريكي بدون اذن الحكومة الأمريكية، والإمارات الآن في موقف صعب ومحرج أمام العالم وأمريكا تحاول تداركه بعد عدوانها على ليبيا.
ان مثلث الشر العربي الإمارات ومصر إضافة للسعودية، أصبح مكروها ومنبوذا من أهالي طرابلس وكل أنصار الدولة المدنية في ليبيا، هذه الدول تلعب أدوارا قذرة وتدعم الثورة المضادة ضد الدولة المدنية والديمقراطية التي تعتبر من طموحات الليبيين اليوم. معركة طرابلس معركة مفصلية لانتصار الربيع العربي خصوصا في المنطقة المغاربية ككل”.