الوطن بين الوهم والحقيقة

هذا الحلم الجميل لأبطال الملاحم القديمة «سنوحي في مصر» وأوديسيوس في اليونان وجلجامش في سومر والحلم الجميل في الأفلام الحديثة عن الحروب. وحتى عن غير الحروب، ففيلم مثل «إي تي» للمخرج ستيفن سبيلبرغ انتهى ببكاء هذا الكائن الفضائي قائلا للأطفال «هوم.. هوم» أي وطني وطني. فأطلقوا سراحه وارتفع في السماء. لم تعجبه الأرض رغم أنه محاط بالأطفال الجميلين، لكنه الحنين للوطن. وقد يتجلي حب الوطن في حب البيت فما أكثر ما شاهدت من أفلام يعود فيها التائه إلى بيته ويردد ما أجمل العودة إلى البيت. والبيوت أنواع. بيت يسكنه وحيد وهو أصعبها وبيت فيه زوجة حبيبة، وهذا بيت له سقف لا تصل إليه العواصف ولا يغرقه المطر، ففقد الزوجة الحبيبة يعني بيتا بلا سقف. هكذا قال لي رجل عجوز منذ عشرين سنة ولا أنسى ما قاله أبدا.
هذه كلها روايات كتبها أدباء وشعراء ونسي القراء أنهم أيضا كانوا يبحثون عن وطن. أجل.. كل رواية أو قصيدة حتى لو كانت عن الأرض الخراب فهي بحث عن وطن. هي وطن للكاتب ونهايتها تعني العودة إلى المنفى. هذا المنفى هو وطنه المحيط به، الذي نشأ وعاش فيه، لكن ما أن أدركته موهبة الكتابة حتى صار غريبا منفيا. قد لا يرى ما هو أجمل، لكنه يشعر بأن هناك دائما ما هو أجمل، حتى القبح والشخصيات الشريرة يقوم برسمها وصياغتها في إبداع يحاول أن يكون جميلا. الأجمل هو الخيال الذي يحاول كل ما حول الكاتب أن يبعده عنه. ويكون الانتهاء من قصة قصيرة أو رواية أو قصيدة عودة إلى الفراغ والعدم.
هل المنفى غير ذلك؟ كثيرا ما يفرح الكاتب بالإنجاز لكنه ما أن يدرك ما حوله حتى يشعر بالوحشة. على هذه الأرض ما يستحق الحياة. هكذا قال محمود درويش في إحدى قصائده لكن أي أرض؟ هو غريب باحث عن الاسقرار. أنساه المنفى كل الأوطان التي عاشها في قصائده. والحقيقة أنه لا الأرض أرضا ولا الفضاء فضاء. شعوب تقاوم سلميا باحثة عن أمل، فتجد أنظمة حاكمة قاتلة للأمل. حتى في المجتمعات الديمقراطية لا يهنأ الكتّاب بالوطن الذي يعيشون فيه فيكتبون إبداعا في انتظار جودو الذي لا يأتي أو يكتبون عن الأشياء باعتبارها الوجود الحقيقي لا البشر أو يكتبون أساطير وعجائب مستوحين أزمنة قديمة كان العالم فيها متسعا لا يعرف الإنسان إلى أين تنتهي ضفافه، وكان الخروج من المكان يعني التيه العظيم. الكتابة وطن ولو عرف الحكام ذلك ما قاموا بنفي الكتاب، لكن الحكام يريدون كتابة تليق بأفكارهم ويريدون للكاتب أن يعترف بالوطن الضيق بل الوهم.
هذه الكتابة الوطن الانتهاء منها أو التوقف عنها هو المنفى الحقيقي للكاتب، لذلك أندهش من فرحة البعض بانتهاء عمل أدبي ما وكتابة الخبر على الميديا، باعتباره إنجازا. هو حقا إنجاز لكنه عودة إلى المنفى. أيهما أجمل.. امرأة تفعل بها وتفعل بك ما تشاء؟ أم امرأة تحدثها فتجفل في الطريق وقد تعتبرك متحرشا؟ أيهما أجمل.. فنجان قهوة تحتسيه غائبا عما حولك؟ أم فنجان قهوة تحتسيه لتنتبه لما حولك؟ أيهما أجمل.. أن تنسى الطعام أم تبحث عنه؟ أقارن بين وقت الكتابة ووقت الحياة العادية. المنفى وأزيد..

لا أجد تفسيرا لانتحار كثير من الكتاب كما قالت الكتب أو الدراسات أو الصحف عنهم. قصص حب فاشلة أو تضييق عليهم في الحياة.

أنت في الكتابة إله مخلوقاتك لديها الحرية كما لديك، وإن كنت في النهاية تستطيع أن تختار لها البيت الأجمل. هم بشر آخرون ليس لهم مطالب من أي نوع غير أن تكون صادقا في كتابتهم فلا تضيف لهم لغة لا يتكلمونها ولا تحملهم فكرا لا يعرفونه، فلا يتحدث العالم كما تتحدث «العالْمة»! والمنفى حين يعود المبدع ويدخل عجلة الحياة التي لا ترحم والتي كان زاهدا فيها. منفى الحياة هذا هو العودة من الوطن وليس العودة إلى الوطن. وللمنفى تجلياته ففي الوقت الذي يمكن أن تسلم فيه بأن لا أمل في أهل الحكم تجد أيضا من أهل الثقافة من يستخدم طرقا منحطة لمعاداتك والوقوف في طريقك فيجسد لك القبح ويكون ذلك منفصلا عن كونه كاتبا لكنه في الحقيقة مرتبط بالأصل كما نقول. عليك أن تعرف هذا دائما. هذا النوع من الكتاب لا يدركون وربما لا يشعرون أن الكتابة وطن، ويريدون من الوطن الوهم الذي حولهم كل المكاسب والدخول معهم في المنافسة على هذا النحو يعني عودة إلى المنفى. ففي المنفى لا تجد فضائل الوطن الذي تكتبه. تجد تجليات للقبح أكثر من الجمال، هؤلاء هم المفسدون والفاسدون في الحياة الأدبية الذين يرتاحون في وطنهم بمضغ لحوم الموهوبين. يصبحون من أهل قاع الأرض وليس حتى الأرض. كيف يحسدون الموهوبين على وطن من وهم حقا؟ لأنه أثناء الكتابة يصبح الوطن حقيقيا ويكون الوهم هو الانتباه للواقع المحيط بالكاتب. هو وهم لأن كل من فيه زائلون. وفيه الخادعون الذين لا تعرف ماذا يفعلون إذا التفتوا بعد أن يبتسموا لك. سيعتبر البعض أن كلامي فيه كثير من المغالاة، والرحماء منهم سيعتبرون أن فيه شيئا من المغالاة، لكن أصحاب التجربة يعرفون.
أنا لا أجد تفسيرا لانتحار كثير من الكتاب كما قالت الكتب أو الدراسات أو الصحف عنهم. قصص حب فاشلة أو تضييق عليهم في الحياة. هي لحظة ينسى فيها الكاتب أن وطنه في يديه يستطيع أن يقيمه بسرعة حتى لو في عمل لا ينشره، لكن يتخلص به من أثقال الروح. كل الأسباب التي تُتَداول عن الانتحارغير أصيلة. حقا هي اللحظة التي لم يعد بعدها أحد من المنتحرين ليقول لنا حقيقتها. لكن ليس صعبا أن تدرك أن وطنا غير حقيقي هو ما حول الكاتب، أنساه وطنا حقيقيا، هو ما يقيمه ويبنيه فلم يعد للحياة معنى. لكن هل يعرف ذلك أعداء الكتّاب من الحكام، لا.. يظنون أن الكتّاب بنقدهم لما حولهم يعتدون على ما يسمونه الوطن. هم محتكرو الأوطان لا يتخيلون أن هناك أوطانا في الفضاء يصنعها المبدعون في الموسيقى وأوطانا في الصورة يصنعها المبدعون في السينما، وأوطانا في الألوان يصنعها الفنانون التشكيليون وهكذا. وللأسف لن يعرفوا ذلك، الذي يعرف هو الذي يدخل هذه الأوطان بقلمه أو ريشته أو آلة تصويره، حتى المجيدون من الممثلين تكون لهم أوطان في الشخصيات التي يتمثلونها، ورحم الله فنانا مثل أحمد زكي لم يكن يخرج من الشخصية التي يقوم بها إلا بعد وقت طويل يسبب له كثيرا من الألم لأنه يحملها في روحه بين وطن هو وهم زائل. لا نجاة من المنفى للمبدع إلا بصناعة وطن جديد مما يبدعه. كل المكاسب في الحياة الحقيقية وهم مثلها. ومهما ثقلت فترة المنفي بين عملين إبداعيين فالأمل في وطن جديد يظل قائما ويأتي. ومهما يكن نفي الكتاب والفنانين من بلادهم فهم يصنعون أوطانا ينتصرون فيها.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية