تونس-“القدس العربي”: تفيد آخر استطلاعات الرأي في تونس لمعرفة نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستجري في تشرين الأول/أكتوبر المقبل تقدم صاحب قناة “نسمة” التلفزيونية نبيل القروي على جميع منافسيه المفترضين في هذا الاستحقاق الديمقراطي. كما تفيد تقدم حزب نبيل القروي الجديد المسمى “قلب تونس” على الجميع بما في ذلك حركة النهضة التي بقيت لفترة طويلة تحتل الصدارة في نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية التي تجرى بالتوازي مع الرئاسية.
ولعل ما جعل القروي يحظى بهذه الشعبية التي فاجأت الكثيرين هو إصراره على الاعتناء بالمشاكل الاجتماعية في قناته التي يقبل التونسيون على مشاهدتها بأعداد كبيرة على مدار السنة. بل أكثر من ذلك فقد حول أحد برامجه إلى منبر لجمع التبرعات وتحويلها إلى فقراء وضعاف الحال وهو ما ساعده كثيرا على كسب قلوب المواطنين في الجهات الداخلية والفقيرة.
وتواصل بدورها عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر احتلال المراتب الأولى، حيث جاء حزبها في المركز الثالث بعد حركة النهضة بالنسبة للانتخابات التشريعية وهي التي تبنت خطابا راديكاليا إقصائيا للإسلاميين رافضا للتعاون معهم. وتمجد موسى زمن بن علي وتعتبره عهدا مزدهرا وأن بن علي قد أطيح به بفعل مؤامرة دولية وليس ثورة ولا بد في رأيها من محاكمة كل من كان طرفا في التآمر على أمن الدولة خدمة للأجندات الخارجية.
في المقابل فإن الدساترة “المعتدلين” الذين كان يمثلهم حزب المبادرة الدستورية الديمقراطية برئاسة كمال مرجان الذي اندمج مع حزب “تحيا تونس” الذي يرأسه رئيس الحكومة يوسف الشاهد يحتل المرتبة الرابعة في نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية. ويبدو أن خطاب الاعتدال والتوافق مع الإسلاميين لم يعد يستهوي الدستوريين مع تجربة الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي وحشر رئيس الجمهورية في الزاوية والانقلاب عليه بمعية رئيس الحكومة.
الحل في الإقصاء
ولعل مشروع تعديل القانون الانتخابي الذي صادق عليه مجلس النواب وينتظر ختم رئيس الجمهورية هو الحل الذي رآه من هم في الحكم صالحا لإقصاء كل من نبيل القروي وعبير موسى عن دائرة المنافسة في الانتخابات المقبلة. فالفصل 42 مكرر الجديد من هذا القانون الانتخابي المتعلق بإقصاء نبيل القروي ينص على أنه “لا يقبل الترشح للانتخابات التشريعية لكل شخص أو قائمة تبيّن للهيئة الانتخابية قيامه أو استفادته خلال الـ12 شهرا التي تسبق الانتخابات بأعمال تمنعها الفصول 18 و19 و20 من المرسوم عدد 87 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية” أو “تبيّن قيامه أو استفادته من الإشهار السياسي”.
أما الفصل المتعلق بإقصاء عبير موسى فقد نص تعديل القانون على أنه يمنع من الترشح للانتخابات من لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور والتداول السلمي على السلطة أو يدعو للعنف والتمييز والتباغض بين المواطنين أو يمجد سياسات الديكتاتورية وممارسات انتهاك حقوق الإنسان. حيث عرف عن عبير موسى تمجيدها لنظام بن علي وسخريتها من النظام الجديد ومن دستور سنة 2013 الذي أسس للجمهورية الثانية وبالتالي فقد سن القانون على مقاسها تماما مثلما كان يفعل بن علي نفسه لإقصاء خصومه على غرار أحمد نجيب الشابي وغيره.
وفي هذا الإطار يرى الناشط الحقوقي والسياسي التونسي صبري الثابتي في حديثه لـ”القدس العربي” أن حكام اليوم في تونس وفي نظام “ديمقراطي” يمارسون الممارسات ذاتها التي كان يمارسها سابقا نظام بن علي الذي يصفونه بأنه نظام ديكتاتوري. لا شيء تغير في تونس إذن، حسب الثابتي، لأن المتضررين من نظام بن علي يمارسون سياساته نفسها وهو ما يجعل معارضتهم لحكمه سابقا محل تساؤل، هل كانوا فعلا يعارضونه من أجل تكريس دولة الحق والقانون وتكريس نظام ديمقراطي حقيقي؟ أم كانت المعارضة فقط من أجل الحصول على السلطة أو على نصيب منها للاغتناء وتحقيق المنافع؟
ويضيف: “أن استطلاعات الرأي الأخيرة تثبت الفشل الذريع لمنظومة الحكم الجديدة في تونس التي ملت الناس شعاراتها السياسية الفضفاضة مقابل عجزها عن تحقيق الرفاه للمواطن. فما فائدة الديمقراطية والبطون خاوية والطبقة الوسطى مسحوقة والمواطن يعاني الأمرين من أجل معيشته اليومية؟ أتوقع شخصيا أن يتغير المشهد السياسي في تونس في الانتخابات المقبلة مع وجود مليون ونصف المليون ناخب جديد مسجلين أغلبهم من فئة الشباب الذي لم يعايش صراع بن علي مع الإسلاميين ولا يهمه بالمرة بقدر ما تهمه معيشته اليومية والحياة الكريمة التي يحلم بها”.
في المقابل تعتبر الناشطة الحقوقية التونسية آمنة الشابي في حديثها لـ”القدس العربي” أن نتائج استطلاعات الرأي وإن كانت فعلا انعكاسا لحالة اليأس من الطبقة السياسية الحالية إلا أن ما هو أكيد أن النتائج ستتغير مع اقترابنا من الموعد الانتخابي. إذ سيلعب المال السياسي، حسب محدثتنا، دورا بارزا في تغيير موازين القوى لصالح الأحزاب التي تتلقى تمويلات من الخارج والأحزاب المحاطة بحزام من كبار رجال الأعمال الذين يدفعون لها بسخاء دفاعا عن مصالحهم.
وتضيف: “تشهد الانتخابات التونسية عديد الاخلالات ولا تحترم المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة ومن ذلك العنف الذي سلط على بعض الأحزاب في 2011 و2014 لمنعها من عقد اجتماعاتها وكذلك المال السياسي الذي يأتي من الخارج والداخل ويمس مبدأ المساواة في الحصول على التمويل. وأخيرا تم تنقيح القانون الانتخابي قبيل فترة وجيزة من إجراء الانتخابات، وهذه الاخلالات هي نوع من أنواع التزوير الذي لا يقتصر فقط على التصريح بنتائج مخالفة لما تضمنه الصندوق”.