اتفاق أوسلو مات منذ زمن لكن الفلسطينيين لا يملكون رخصة دفنه

محمد أحمد
حجم الخط
0

لم تكن خطوة إسرائيل الأخيرة، هدم عشرات المباني في منطقة تخضع لإدارة السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو، من أراضي بلدة صور باهر المقدسية المحاذية لجدار الفصل، أول خرق إسرائيلي صارخ، والمؤكد أنه لن يكون الخرق الأخير، لهذا الاتفاق الذي يرى الكثيرون بانه مات منذ زمن، ولم يتبق سوى دفنه.

وصرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مناسبات عدة، آخرها أثناء لقائه مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، مطلع الشهر الجاري، في مقره في مدينة رام الله في الضفة الغربية، ان إسرائيل خرقت جميع الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين بدون استثناء. وقال عباس انه يحافظ على الاتفاق الأمني مع الدولة العبرية “لمصلحتنا”.

وبدأت إسرائيل عملية تدمير منهجي لاتفاق أوسلو والاتفاقات المتفرعة عنه، منذ وصول حزب “الليكود” اليميني بقيادة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو إلى الحكم في الانتخابات العامة التي جرت عام 1996 عقب اغتيال رئيس الوزراء الذي توصل إلى الاتفاق اسحق رابين، على الخلفية ذاتها.

ولم يخف هذا الحزب المتطرف معارضته الشديدة لاتفاق أوسلو وسعيه لإلغائه منذ اليوم الأول، انطلاقا من عقيدته السياسية القائمة على ما تسمى “وحدة أرض إسرائيل” ورفض تقسيمها.

وأخذت مساعي حزب “الليكود” الرامية للقضاء على أوسلو زخما كبيرا عقب انهيار محادثات “كامب ديفيد” عام 2000 وهو الفشل الذي قاد إلى تفجر الانتفاضة الثانية، وما نتج عنها من تداعيات كبيرة، ومنها عودة “الليكود” مجددا إلى الحكم بقيادة الزعيم المتطرف ارئيل شارون.

وشكل قيام إسرائيل بإعادة احتلال مناطق السلطة، وتدمير مقارها الأمنية أثناء الانتفاضة، الخطوة الأكبر في مسيرة التراجع عن اتفاق أوسلو والحقائق التي نتجت عنه.

وتبع إعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية التي تشكل 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، قيام إسرائيل بانسحاب احادي الجانب من قطاع غزة، بدون تنسيق مع السلطة، وهو ما قاد أخيراً إلى سيطرة حركة “حماس” على القطاع بالقوة المسلحة، وتاليا انفصال القطاع عن الضفة الغربية، وما نجم عنه من تداعيات سياسية في مقدمتها أضعاف الهدف الفلسطيني المركزي المتمثل في السعي لإقامة دولة مستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس.

وصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مرات عديدة، مؤخراً، بان أحد أهم أسباب التسهيلات التي يقدمها في قطاع غزة هو المحافظة على استمرار الانقسام بين الضفة والقطاع من أجل القضاء على هدف الفلسطينيين إقامة دولة مستقلة.

وعملت إسرائيل عقب انسحابها من غزة، على توسيع وتسريع مشاريع التوسع الاستيطاني والتهويد في الضفة الغربية، بهدف خلق حقائق طاغية على الأرض تحول دون نشوء فرص لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا في المستقبل.

وترافق ذلك مع وقف العمل في اتفاق أوسلو والاتفاقات والبروتوكولات المنبثقة عنه مثل بروتوكول باريس الاقتصادي والبروتوكول الأمني وغيره.

وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتور أحمد مجدلاني: “إسرائيل أوقفت العمل بجميع الاتفاقات الموقعة معنا بدون استثناء”. وأضاف: “وبهذا فإننا لن نكون الطرف الوحيد الذي يطبق هذه الاتفاقات”.

وبدأت منظمة التحرير عملية مراجعة لاتفاقات أوسلو منذ أكثر من أربع سنوات لكنها لم تتمكن من اتخاذ خطوات عملية لوقف العمل بهذه الاتفاقات.

ففي العام 2015 أوصى المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو البرلمان المصغر للمنظمة، اللجنة التنفيذية بوضع خطة لوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.

وفي العام 2018 قرر المجلس الوطني الفلسطيني، وهو برلمان المنظمة، وقف العمل بهذه الاتفاقات، ووقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، وطلب من اللجنة التنفيذية للمنظمة وضع آليات لتنفيذ القرار.

وشكلت قيادة المنظمة لجنة أوكلت إليها دراسة سبل وقف العمل بهذه الاتفاقات ووضع آليات وجدول زمني للتطبيق.

وأوصت اللجنة بوقف تدريجي للتنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف تطبيق بروتوكول باريس الاقتصادي وغيرها.

واقترحت خططا وآليات عمل للتنفيذ، منها وقف استيراد الوقود من إسرائيل، والبحث عن مصادر بديلة، مثل استيراد النفط الخام من العراق وتكريره في الاْردن.

ويشكل استيراد الوقود من إسرائيل عامل إرهاق لميزانية السلطة الفلسطينية التي تضطر لشرائه بأسعار مرتفعة وفق برتوكول باريس الاقتصادي.

وقال مسؤولون في السلطة ان وقف استيراد الوقود من إسرائيل سيشكل في حال تطبيقه، مصدرا لتوفير مبالغ مالية كبيرة لميزانية السلطة التي تعاني من عجز كبير متنام.

ومن بين الخطط الموضوعة وقف العمل بالعملة الإسرائيلية “الشيقل” ومنها أيضا طباعة جواز سفر فلسطيني وبطاقة هوية يحملان اسم دولة فلسطين، بدلا من السلطة الفلسطينية، ووقف تزويد إسرائيل بالسجلات المدنية الفلسطينية مثل المواليد والوفيات وغيرها.

وجدد الفلسطينيون تهديداتهم بوقف العمل باتفاقات أوسلو عقب قيام إسرائيل بهدم المباني في قرية صور باهر هذا الأسبوع.

لكن المرجح ان القرارات التي اتخذت بهذا الشأن، ولم تطبق في السابق، لن تجد طريقها إلى النور هذه المرة أيضا.

ويعزو المراقبون ذلك إلى عاملين هما، أولا، عدم قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ هذه القرارات بسبب سيطرة إسرائيل على المعابر الخارجية، وعلى الطرق الرئيسية بين التجمعات الفلسطينية، وثانيا، لما يسمونه عدم وجود رغبة لدى القيادة الفلسطينية في الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل خشية التأثير على استقرار النظام السياسي الفلسطيني الذي يتسم بالضعف.

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم المحاضر في جامعة بيرزيت: “السلطة الفلسطينية غير قادرة على وقف العمل بالاتفاقات دون قبول إسرائيلي”. وأضاف: “فعلى سبيل المثال فان استيراد الوقود من الخارج لا يمكن ان يتم بدون موافقة إسرائيل، وإلا فإنها لن تسمح بدخوله إلى البلاد”.

ويخشى صانع القرار الفلسطيني ان ترفض إسرائيل السماح لحملة الوثائق الشخصية، من جوازات سفر وبطاقات هوية، بالسفر خارج البلاد، أو الانتقال بين المدن في الضفة الغربية، في حال إصدارها من دون موافقة إسرائيلية.

والواضح ان قيام القيادة الفلسطينية بتطبيق قرارات من هذا النوع، سيقود إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل يصعب حصر تداعياتها ونتائجها.

 والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ترغب السلطة الفلسطينية في الذهاب إلى مواجهة مع إسرائيل تهدد بانهيارها وانهيار منظومة المصالح التي تديرها وتنتفع منها؟

المؤشرات تقول غير ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية