بطرس لبكي في “هجرة اللبنانيين (1850 ـ 2018) مسارات عولمة مبكرة”: المهاجرون ثلاثة أرباع اللبنانيين والتنمية تتطلب أبحاثاً مستمرة عنهم

سمير ناصيف
حجم الخط
0

ما هي أهمية دراسة قضية الهجرة في أي بلد لفهم أوضاعه السياسية حالياٍ وفي المستقبل؟

هذا سؤال يُطرح عموماً في معظم دول العالم، ولكنه يكتسب أهمية خاصة في بلد كلبنان يوازي عدد اللبنانيين المقيمين على أرضه حوالي ربع عددهم الإجمالي، فيما يعيش أكثر من ثلاثة أرباع أبنائه في بلدان الهجرة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وقد ازداد عددهم ونسبتهم في الهجرة بعد الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990.

الدكتور بطرس لبكي الذي احتل مناصب هامة في الإدارة العامة والجامعات البارزة في لبنان، وألّف كتباً عديدة عن التنمية، تطرق لهذا الموضوع في كتاب هو أشبه بموسوعة مستندة إلى الأبحاث والجداول الدقيقة تصلح كمرجع.

وبما ان الكتاب ضخم في عدد صفحاته وفصوله المتنوعة فسنركز في هذه المراجعة على هجرة اللبنانيين خلال وبعد الحرب الأهلية اللبنانية الأخيرة التي بدأت عام 1975 ويُقال انها انتهت عام 1990 ونترك الفصول والأجزاء الأولى إلى مناسبات أخرى.

أهم ما في الفصول الأخيرة مقاربة الكتاب الأساسية، والتي وردت في الفصل الختامي منه ألا وهي أن قضية الهجرة اللبنانية معقدة إلى درجة كبيرة، ومن الصعب على الباحث حولها ان يصل إلى مقاربات احادية ومبسطة. ولكن لبكي يقول أيضا إن “الهجرة اللبنانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع اللبناني والوضعين الإقليمي والعالمي، أي أن العوامل الديموغرافية فيه تتفاعل مع عوامل سياسية واقتصادية داخلية وخارجية تؤثر على أعداد المهاجرين. ومن غير الدقيق والعلمي في رأيه اعتماد تحليلات ترتكز على عوامل دوافع احادية كمذاهب المهاجرين الدينية أو المناطق التي هاجروا منها أو إليها أو الاعتبارات المهنية وحدها. ومن غير الصحيح في نظره الاستنتاج بأن الهجرة اللبنانية إلى الخارج كانت نهائية في الماضي وأصبحت مؤقتة حالياً. ففي بلد هجرة واحد (ككندا مثلا) تنوعت طبيعة الهجرة اللبنانية إليه حسب الظروف وكانت نهائية لفترة ثم أصبحت مؤقتة. ولكن هذا لا يمنع عملية رسم اتجاهات عامة وسلوكيات معيارية محتملة لهذه الهجرة.

يقول في الفصل الأخير، إن الهجرة بين منتصف القرن التاسع عشر وبداية الحرب العالمية الأولى (عام 1914) تعلقت بشكل رئيسي بالمسيحيين اللبنانيين الفلاحين من جبل لبنان. فحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانت نسبة المهاجرين المسيحيين أكبر من المسلمين ولكن بعد عام 1978 وحتى نهاية العام الماضي (2018) أصبحت الهجرة اللبنانية (في أكثريتها) من المسلمين والفلاحين ككل، ومن مناطق الشمال والبقاع والجنوب، وهذا الامر انطبق خاصة على الهجرة اللبنانية إلى أمريكا الشمالية وألمانيا وأمريكا الجنوبية وافريقيا وأستراليا.

وقد ازدادت، حسب قوله، نسبة المهاجرين من شيعة الجنوب اللبناني المسلمين وسنّة لبنان الشمالي والبقاع الغربي والأوسط والدروز بشكل عام. والأسباب هنا شبيهة بالتي دفعت إلى هجرة المسيحيين من جبل لبنان قبل قرن مع زيادة دور دوافع الوضع الأمني المتردي في هذه المناطق.

ويناقض لبكي الفكرة القائلة إن الهجرة من لبنان انحصرت بالفئات الفقيرة الأقل حظوةً، فغالباً ما شملت الهجرة إلى الدول النفطية العربية والخليجية، وتلك إلى أوروبا الغربية وأمريكا، أفراداً مدنيين مؤهلين علمياً ومن أبناء الطبقات المتوسطة، بالإضافة إلى الريفيين وأصحاب المهارات المتدنية نسبياً.

وقد استقر عدد أكبر من اللبنانيين المهاجرين في القرن العشرين إلى بلدان الهجرة، فيما عاد بعضهم إلى لبنان في العقود الأخيرة.

ويوضح المؤلف أن حالة اللبنانيين الذين هاجروا إلى افريقيا في مطلع ومنتصف القرن الماضي غير مستقرة في بعض هذه البلدان بسبب عدم الاستقرار الأمني في عدد منها والتطورات السلبية السياسية والحملات ضد بعض التجار والصناعيين اللبنانيين في افريقيا بتحريض من الخارج.

ويرى إيجابيات اقتصادية في وجود العدد الكبير من المهاجرين اللبنانيين في الخارج، وخصوصا في البلدان التي يستطيعون من خلالها إرسال تحويلات مالية إلى عائلاتهم تدعم هذه العائلات والخزينة اللبنانية، ولكن على المدى الطويل فاستمرار تدفق الهجرة اللبنانية إلى الخارج سلبي في رأيه ضار لأن لبنان يفقد طاقته الشبابية القادرة على الإنتاج والتنمية في المستقبل مما يدعم استمرار هيمنة قطاعي التجارة والخدمات الاقتصادية الريعية على حساب الصناعة والزراعة. ويطرح سؤالاً هاماً يصلح ان يكون عنوانا لأي مقال حول الهجرة اللبنانية وهو التالي: “هل ما زال المهاجرون اللبنانيون يشعرون بانهم مرتبطون ببلدهم الأم وهل هم مستعدون للاستثمار فيه في قطاعات إنتاجية وليس فقط في قطاعات مردوداتها قصيرة المدى؟”.

ومن أجل تحقيق هذا التوجه المطلوب (في رأيه) إجراء المزيد من الدراسات المعمقة والمرتكزة إلى الإحصاءات والتحاليل الدقيقة لتدعم الخطوات التي يمكن ان تقوم بها الحكومات اللبنانية لتحقيق هذا الهدف.

ومن الواضح ان لبكي، وفي بداية الجزء الثاني من الكتاب عن تأثير الحرب الأهلية لعام 1975 ـ 1990 يعتبر بأن المعارك التي لم تتوقف رحاها على الأراضي اللبنانية بين عامي 1975 ـ 1990 (ومنها ما استمر بعد ذلك إلى درجة أقل) كانت عاملاً أساسياً دفع الناس إلى الهرب والهجرة لأنهم رأوا في استمرارها من دون مخرج سبباً كافيا لمغادرة البلاد من اجل مستقبل أفضل لهم ولأولادهم. يضاف إلى ذلك دمار المؤسسات المنتجة صناعياً وزراعياً والمؤسسات المتوسطة الحجم التي تملكها الطبقات الوسطى والتأثير السلبي على قطاع البناء والإعمار. هذا بالإضافة على التهجير القسري للآلاف من السكان من قراهم ومدنهم وأحيائهم واحتلال بيوتهم وأراضيهم (ص 177 ـ 178).

ويقدر لبكي عدد السكان الذين ربما كانوا سيبقون في لبنان لولا الحرب الأهلية بين عامي 1975 ـ 1985 بحوالي نصف المليون نسمة. وقد هاجر ما يوازي الأربعمئة ألف منهم حسب احصاءاته في السنة الأولى للحرب (عام 1975). كما يقدر المؤلف (وهو خبير اقتصادي وديموغرافي وكان نائب مدير مجلس الانماء والاعمار اللبناني وصاحب مؤسسات أبحاث بارزة) العدد التراكمي للهجرة اللبنانية خلال سنوات الحرب من 1975 إلى 1990 بحوالي تسعمئة ألف نسمة، أي حوالي ثلث السكان المقيمين فيه عام 1975 (ص 184 ـ 187).

ويوضح لبكي ان الهجرة اللبنانية من الجنوب حديثة العهد ومرتبطة بالاجتياحات العسكرية الإسرائيلية للجنوب وللبنان في عام 1978 و1982. وقد استقبلت الدول العربية ما يقارب الأربعين في المئة من هؤلاء المهاجرين (خصوصا سوريا) وافريقيا (20 في المئة) وأوروبا (20 في المئة) وامريكا (17 في المئة). (ص 212 و213).

كما يشير إلى أن الهجرة اللبنانية في بعض القطاعات الزراعية والصناعية والبناء والخدمات أدت إلى الاستعانة باليد العاملة السورية، ثم المصرية، ثم الآسيوية والافريقية للتعويض عن العمال اللبنانيين وأصبحت المصانع في بيروت الشرقية وجبل لبنان بحاجة أكبر إلى يدٍ عاملة مؤهلة (ص 221 و226).

وفي الفصول ستة وسبعة وتسعة من الجزء الثاني من الكتاب، يتناول الكاتب الهجرة اللبنانية إلى كلٍ من بلدان الهجرة على حدة ذاكراً تفاصيل عن أعداد المهاجرين فيه وأدوارهم وعلاقاتهم بوطنهم الأم من هناك.

ومن الأمور اللافتة في الفصل السابع، قوله إن بعض الأحزاب اللبنانية التي ما زالت عاملة بنشاط في لبنان لها امتدادات في افريقيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا. فنجد مثلا مؤيدين ناشطين لحزب الكتائب وحزب القوات اللبنانيين والوطنيين الأحرار والأحزاب المرتبطة بها في أستراليا حيث ترتفع نسبة المهاجرين المسيحيين من طائفة الموارنة، ونجد بالمقابل تأييداً للحزب السوري القومي الاجتماعي في بلدان افريقية هاجر إليها اللبنانيون من سائر الطوائف، كما يتزايد عدد مؤيدي حركة “أمل” و”حزب الله” بين الشيعة اللبنانيين الذين هاجروا إلى منطقة ديترويت في ولاية ميتشغان في الولايات المتحدة بالإضافة إلى وجودهم القوي في دول افريقيا الغربية.

ويذكر لبكي ان المهاجرين اللبنانيين إلى أستراليا (في السنوات الأخيرة) هم أقل تأهيلاً ومعرفة باللغة الإنكليزية، ولذلك يجدون صعوبة في العمل وترتفع نسبة البطالة بينهم وهم يختلفون في بعض الأحيان مع اللبنانيين الذين تجذروا (إلى درجة أكبر) في المجتمع الأسترالي واقتصاده وحياته عموما.

في الجزء الثالث، يشير لبكي إلى أن الهجرة اللبنانية إلى الخارج استمرت بعد عام 1990 ولكنها غيرت وجهتها فانتقل مهاجرون لبنانيون إلى بعض بلدان أوروبا الشرقية (خصوصا رومانيا) وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق ذات الأكثرية المسلمة والغنية بالنفط والمعادن وفرص العمل وإلى الصين كما جرى توسع الهجرة اللبنانية إلى أمريكا اللاتينية وافريقيا الوسطى وذلك في إطار تسارع ظاهرة العولمة وانتقال هذه الدول إلى اقتصاد السوق (ص 327).

وقد عاودت الدولة اللبنانية الاهتمام بمغتربيها ودعوتهم للاستثمار في البلاد والمشاركة في الحياة الاقتصادية والسياسية وأعطتهم حق التصويت في الانتخابات التشريعية الأخيرة العام الماضي. وما زالت كندا، حسب الكاتب، الدولة الغربية التي يفضل اللبنانيون الهجرة إليها بسبب استقرارها السياسي والاقتصادي وتقديمها الخدمات الاجتماعية والتعليمية للمهاجرين عموما وللبنانيين خصوصاً (ص 352).

ويضم الفصل التاسع من الكتاب تفاصيل مفيدة جداً عن أعداد وأدوار اللبنانيين في 35 دولة في العالم يقطنها أكثر من 95 في المئة من اللبنانيين المهاجرين.

وهذا الفصل (رغم أهميته) في حاجة إلى المتابعة وإلى التحديث والتزويد بالمزيد من الأرقام والوقائع الجديدة لأن أرقامه تركز على فترة تسعينيات القرن الماضي. وهذا ما يدعو إليه الكاتب في إنجازه “الموسوعي” المفيد جداً.

بطرس لبكي: “هجرة اللبنانيين: 1850 ـ 2018 مسارات عولمة مبكرة”

دار سائر المشرق، بيروت 2019

559  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية