رغم تاريخ الترويج الفكري والسياسي التاريخي الطويل للعلمانية وتبيان فضائلها، فقد استقر اعتبار المصطلح ضمن أغلبية كبيرة في الجمهور العام العربي – الإسلامي، (بمن فيه المؤيد لها) على أن العلمانية، في صيغتها العربية، هي الاتجاه السياسي المعادي للحركات الإسلامية و/أو الإسلام نفسه، رغم محاولات مكثفة لشرح منافعها السياسية وتطبيقاتها الناجحة في العالم، فكيف ومن أين استقت النخب الفكرية العربية معنى العلمانية، وما هو السياق التاريخي لتطور هذا المصطلح وكيف آل إلى هذا المعنى؟
توضح كارين أرمسترونغ، في كتابها «حقول الدم: الدين وتاريخ العنف»، كيف ساهمت المؤسسات الدينية في النقلة إلى العلمنة والديمقراطية، خلال حركة «النهضة» Awakening الأمريكية التي زاوجت، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الثامن عشر، بين احتضانها لأفكار أقطاب العلم وحقوق الإنسان الحديثين كجون لوك وإسحق نيوتن من جهة، والإيمان الديني الجارف من جهة أخرى.
لقد حملت شعارات «إعلان الاستقلال» الأمريكي، المنادية بحقوق الإنسانية الطبيعية بالحرية والتعبير والملكية، شحنة دينية، وأدى ترافقها مع حرب المستوطنات الأمريكية ضد «الطغيان» البريطاني إلى شحنها أيضا بدفعة تحررية، إضافة إلى ذلك فقد حملت هذه الحركة أيضا مضمونا ديمقراطيا، وأفضى تواشج هذه المحمولات الثلاثة: الدفاع عن الحقوق الدينية لكافة الجماعات، والسعي للتحرر من الاحتلال، والديمقراطية، إلى مسار سلميّ وغير عنيف للتغيير الديمقراطي/ العلماني في أمريكا.

لم تندرج التجربة الأمريكية ضمن مرجعيات النخب السياسية العربية، فمعظم التنظيرات العربية للعلمانية ارتبطت بالثورة الفرنسية، التي أعلنت عام 1790 إلغاء كل المؤسسات الدينية، ما أدى إلى تداعيات رهيبة متلاحقة، فلم تدم أمجاد سقوط الباستيل طويلا قبل أن تبدأ مجازر سبتمبر/أيلول، ثم حقبة الإرهاب، ومرحلة الإبادات الجماعية ثم الديكتاتورية العسكرية وعودة الحروب إلى أوروبا بعد هدوء نسبي قارب 150 عاما. افتتح احتلال بونابرت لمصر كذلك باب التنازع الأوروبي على بلدان المنطقة العربية، وهو نفسه من أعاد مؤسسات الكنيسة، كما عادت الملكية بعد سقوطه (قبل أن تعود الجمهورية مجددا). لقد انقلبت بلاد الثورة انقلابا كاملا (وهذا الانقلاب التام هو أحد معاني كلمة Revolution طبعا)، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ أوروبا والعالم، ولكن كلفة ذلك كان مقتل أكثر من ربع مليون فرنسيّ، أما تداعيات هذا الانقلاب فلم تنته حتى الآن.
العلمانية العربية: إجهاض مبكر
باستثناء النخبة الليبرالية قصيرة العمر، التي أسهمت في بدايات تأسيس نظم ديمقراطية برلمانية، ثم انقصف عمرها بسرعة في مصر وسوريا والعراق مع الانقلابات العسكرية، فإن النخب العربية التي ستكتسح ساحات الصراع والتنافس على النفوذ والجماهير والسلطة، القوميّة والشيوعية والإسلامية، بدأت أو انتهت بتقديم أيديولوجيات ثورية تنظّر للاستيلاء على السلطة مع ديباجة طويلة طبعا عن تعبير هذه الحركات عن آمال الشعوب.
يكشف تفحص خطاب «العلمانية العربية» عن عطب متعدد الأسباب، وهو عطب لا يخص خطاب تلك العلمانية العربية وحدها، بل يمكن أيضا أن يعمم على أغلب الاتجاهات السياسية العربية.
أثرت الثورتان الفرنسية 1790 والروسية 1917 في مخيال وأدبيات القوى السياسية العربية، وكان كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» الصادر عام 1925 أحد الانتباهات المهمة الأولى في النظر لمسألة طبيعة النظام السياسي خارج مفهوم الخلافة والحكومة الدينية.
ولعل الكتاب ما كان سيلقى عنتا ونقدا كبيرين لولا صدوره بعد سنة من إحدى الانعطافات المهمة في نظرة الشعوب والنخب العربية والإسلامية إلى العلمانية، مع إلغاء مصطفى كمال لنظام الخلافة عام 1924، الذي شكّل جرحا نرجسيا كبيرا للشعور الإسلامي العام، وانضافت إليه ممارسات استئصالية شديدة التطرف ضد كل مظاهر الدين الإسلامي في تركيا لتصبح العلمانية عنوانا للعداء للإسلام.
الهزّة الكبيرة الثانية التي تعرّض لها الاجتماع السياسي العربي، وفكرة العلمانية فيه، كانت مع استلام جمال عبد الناصر للسلطة الفعلية عام 1954 الذي ترافق مع صراع تناحري مع جماعة «الإخوان» أفضى بآلاف منهم إلى السجون، وتابع ذلك نظام «البعث» السوري، وبطريقة أكثر عنفا ودموية، واختلطت فكرة عداء النظام للإسلام مع تفاقم في النزعة الطائفية لدى قادة البعث العسكريين، ما أدى إلى تذمر زعماء بعثيين كبار كمنيف الرزاز وسامي الجندي، ليدخل النظام بعد ذلك أطوارا من الانفلات والتوحّش مع نظام حافظ الأسد كانت مجزرة حماة عام 1982 إحدى علاماته، وليصل التغول وتمركز السلطة في يد حفنة صغيرة والحرب المعممة ضد الشعب إلى نهاياته القصوى مع مرحلة بشار الأسد، وكل ذلك تحت شعارات «العلمانية» وأخواتها.
شكل تأسيس دولة إسرائيل كدولة لليهود تقودها، آنذاك، نخبة علمانية متطرفة، تحديا كبيرا أيضا للفكر السياسي العربي، فقد قدمت تلك الدولة أسبابا جديدة للشعوب والنخب لرؤية سلبية للعلمانية، فقد كانت أنظمة المحتلين الأوروبيين علمانية أيضا، وجاءت بعدها أنظمة عسكرية تحمل لواء العلمانية لتتابع مهمة الطغيان مثل المستعمر الأوروبي والمستوطن الإسرائيلي.
الفريضة الغائبة
يكشف تفحص خطاب «العلمانية العربية» عن عطب متعدد الأسباب، وهو عطب لا يخص خطاب تلك العلمانية العربية وحدها، بل يمكن أيضا أن يعمم على أغلب الاتجاهات السياسية العربية. لقد تأثرت تلك الاتجاهات السياسية، من دون استثناء، بالمرجعيات الفكرية والسياسية الغربية، ولكنها استقرت كلها على فكر «ثوري» يطمح للسيطرة السريعة على الحكم واستخدامه لتغيير الواقع عنفيا وقسريا، بشكل يتجاهل ديناميات هذا الواقع، واستخدم هذه الاتجاهات، خصوصا القومية منها، ضباط الجيش للانقضاض على السلطة، فحولوا الدولة إلى ثكنة، والموظفين إلى مخبرين، والمواطنين إلى عبيد. لا يتفوق على ولع النخب ومثقفيها بالعلمانية غير كرهها للديمقراطية، وهي «الفريضة الغائبة» في أغلب الاتجاهات السياسية العربية. رغم أن مثقف النخبة عادة ما يوجه نقده، مموها، إلى الإسلاميين وحسب، ولكنه في حقيقة الأمر ينتقد جهل الشعوب العربية بـ»العلمانية» وفوائدها. وحين يتكلم المثقف عن «فصل الدين عن الدولة»، فهو يقصد فصل الدولة عن أولئك الجهلاء.
يشبه مثقف النخبة في ذلك، شخصية شايلوك، في مسرحية شكسبير الشهيرة، الذي لا يريد سوى اقتطاع رطل لحم من جسد أنطونيو، متجاهلا أن هذا الفعل سيؤدي إلى موت خصمه. المشكلة الأساسية في مسرحية شايلوك المثقف أن الشعوب العربية صارت تعتبر «العلمانية» الأصولية التي يقدمها هذا المثقف ليست غير تغول الدولة واستبدادها، وأن هدفها ليس احتكار السلطة وحسب، بل كذلك احتلال الفضاء العام الذي يمكن للدين أو للسياسة أن ينازعاها فيه.
يقدّم المثقف طبق العلمانية للجمهور قائلا إنه مهرجان للتسامح فلا يرى الجمهور غير التكاره المتبادل مع السلطة، وحين يقول لهم إنه دواء ناجع لا يتذكر الناس غير مخاطر السم الزعاف، وحين يتحدث عن احترام الأديان والطوائف لا يرى البشر غير الطائفيّة معلّبة بكراتين براقة وحروب الإبادة والاجتثاث والاستهانة بمعتقدات الناس وثقافاتهم. يقول شايلوك المثقف بفصل رطل العلمانية عن جسد الشعوب ولا يفهم كيف تنظر هذه الشعوب إلى دعوته كحفلة تعذيب ودعوة إلى الحرب الأهلية.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»