هل ما شهدته عدن مؤخراً من أحداث كان (انقلاباً) كما أسمته الحكومة الشرعية أم (أزمة) كما أسماها التحالف؟
على الرغم من اختلاف توصيف الجانبين لما حصل، وإن كان يجب إلا يحصل هذا الاختلاف، لكنه حصل، وكان في الحقيقة تحصيل حاصل لانقلابات سابقة من التحالف على الحكومة، لكن هذه المرة كانت الضربة أكبر، حيث كان الانقلاب مخزياً ومخجلاً للحكومة بدءاً من الرئيس ونائبه وأعضاء الحكومة الذين لم يمتلكوا الجرأة، هذه المرة، ويقولوا للتحالف (لا) واكتفوا باستئناف إقاماتهم الرغيدة في الرياض تاركين بلادهم، ككل مرة، لما يقرره التحالف، لكن هذه المرة أعلن التحالف البدء في تقسيم البلاد رسيماً، مستغلاً عجر الحكومة الشرعية.
تمثل قوات المجلس الانتقالي في عدن فيما يعرف بقوات “الحزام الأمني” جزءاً من أجهزة سلطة الحكومة أو يفترض أن تكون، وإن كانت تلك القوات منذ تشكيلها رسمياً لا تأتمر بأمر الحكومة أو وزارة الداخلية، لكنها كانت تسيطر على عدن، كما تسيطر بقية التشكيلات العسكرية المحلية المماثلة والتي انشأها التحالف، على الأوضاع في جميع محافظات جنوب البلاد. فقوات الحزام الأمني في عدن تتولى مهام حماية المطار والموانئ وغيرها من المرافق الحيوية، وتتمتع بسلطة ضبط وسجن وغيرها، وتمارس كل أعمالها بدون أن تقف أمامها أي قوة أخرى بما فيها قوات الحماية الرئاسية.
عقب إخراج قوات الحوثيين من عدن وغيرها من مناطق الجنوب، عمل التحالف على إنشاء تشكيلات محلية مسلحة تحت إدارته، وتولى مسؤولية تدريبها وتسليحها وتمويلها والاشراف عليها، وقد اتخذت هذه التشكيلات مسمى قوات الحزام الأمني وبعضها مسمى قوات النخبة.
تعاملت الحكومة الشرعية كعادتها بروح لا مسؤولة مع هذه التشكيلات التي صدر بتعيين قياداتها قرارات جمهورية موقعة من الرئيس هادي فيما كانت لا تخضع سوى لسلطة التحالف ومن ثم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي لا يقطع أمراً بدون الرجوع للتحالف. ومثل هذا التناقض في إدارة الرئيس هادي للبلاد هو واقع رافقه منذ جلوسه على كرسي رئيس الجمهورية عام 2012 حيث عُرف عنه كسله ولامبالاته بمسؤوليات منصبه وعزوفه عن مشاغل السلطة، وبالتالي لم يكن يهتم بمتابعة المشكلات هنا أو هناك أو دراسة أي قرار يتخذه، وهذا ليس كشفاً، بل يعرفه عنه كثير من اليمنيين من خلال مقربين منه، بدليل رضاه عما يقوم به في الرياض في ظل ما تعانيه البلاد من تشظ وفقر وجوع، بل إن تغافله عن مسؤوليات منصبه منذ تولى مهامه هو ما أدخل البلد في دوامة الحرب، وكان سبباً في تصاعد قوة “أنصار الله” (الحوثيين) وصولاً إلى اجتياح عمران ومن ثم صنعاء ومحاصرته في منزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، بينما كان حينها رئيساً بكل ما لرئيس الجمهورية من صلاحيات على كل مؤسسات الدولة وتشكيلات الجيش. وحتى عقب هروبه من صنعاء إلى عدن لم يفكر بالبقاء هناك وقيادة معركة الدفاع عن المدينة واستعادة سلطته، فبمجرد محاولة استهدافه من الحوثيين اختار الهرب مرة أخرى مغادراً عدن عبر عُمان إلى السعودية التي استنجد بها طالباً تدخلها العسكري لاستعادة سلطته، وهناك – أيضاً – تخلى عن مسؤوليته في متابعة عمليات التحالف، وارتضى بممارسة ما تبقى له من سلطة داخل قصر فخم، مكتفياً بإصدار قرارات تعيين فاقمت من فساد حكومته، التي فشلت في إدارة الوضع حتى على مستوى العاصمة المؤقتة.
بموازاة ذلك كانت القاعدة الشعبية للانفصال تتصاعد، وبخاصة عقب تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 والذي لقي دعماً من التحالف، وتم التعامل معه باعتباره ممثلاً سياسياً للقضية الجنوبية.
كان التحالف يعي ضرورة وجود مكون سياسي جنوبي مواز للتشكيلات المسلحة كخطوة هامة في طريق التقسيم الذي صار واضحاً أنه هدف للتحالف لاسيما بعد أن وصل إلى قناعة بتعقيد مسألة الحسم العسكري واهمية المضي في تقسيم البلاد تحت إدارة مكونات وتشكيلات تخضع له وتضمن استمرار سيطرته على هذه المناطق عقب مغادرته وايقاف عملياته، وهي سياسة لا تقتصر على الجنوب، حيث ربما نتفاجأ بسيناريوهات مماثلة في مناطق أخرى بما فيها المناطق الخاضعة للحكومة في الشمال، وصولاً إلى تسليم البلاد لملوك طوائف تدخل معهم اليمن في دوامة حروب أهلية، فيما يبقى التحالف من خلال كياناته مسيطراً على الموانئ والسواحل وغيرها من مراكز القوة والنفوذ.
لكن ما دامت قوات الحزام الأمني هي المسيطرة على عدن قبل الأحداث الأخيرة فلم قامت بما قامت به مؤخراً؟ كان من الضروري أن يعرف العالم بأنها تسيطر على المدينة كقوة أمر واقع وصولاً إلى الاعتراف بها كمكون شرعي للمكون السياسي ممثلاً في المجلس الانتقالي.
لم يكن استهداف معسكر الجلاء وتفجير أحد أقسام الشرطة في الشيخ عثمان بعدن في الأول من آب/أغسطس سوى مبرر، وإن لم يكن منطقياً لتبدأ هذه القوات بالاتجاه نحو التصعيد، وهو ما بدأ باستهداف الشماليين، ومن ثم اختيار مقبرة “القطيع” القريبة من معسكرات الحماية الرئاسية في المعاشيق لدفن ضحايا معسكر الجلاء بهدف الاستفزاز، وهو ما كان ونتج عنه المواجهة التي اندلعت في السابع من آب/أغسطس، وتحدث حينها المجلس الانتقالي عن إرهابيين ضمن ألوية الحماية الرئاسية ووجود خطة مبيتة تستهدف تصفية قياداته.
تصاعدت المواجهات وحصل ما لم يكن متوقعاً، حيث فوجئ المتابعون بسيطرة قوات الحزام الأمني على معسكرات الحماية الرئاسية وصولاً إلى قصر المعاشيق الرئاسي، حيت تتواجد قوات سعودية. وحسب مصادر فإن القوات السعودية قد طلبت من قوات الحماية الرئاسية أن تنسحب، كما أن القوات السعودية هي أيضاً من قامت بإخراج قيادات الحكومة من قصر المعاشيق ومن كانوا في منازلهم في عدن، وتم نقلهم إلى الرياض. وأعلنت عندها قوات الحزام الأمني سيطرتها على معسكرات الحماية الرئاسية وقصر المعاشيق. حينئذ غادر التحالف صمته مطالباً بوقف إطلاق النار وصولاً إلى دعوة ما أسماها (الأطراف) للاجتماع في المملكة لتسوية خلافات ما أسماها “أزمة عدن”.
الدعوة للاجتماع اعتراف من التحالف بالمجلس الانتقالي كقوة موازية للحكومة، وهذا الاعتراف هو بداية لموضعة هذا المجلس وتشكيلاته المسلحة والمدعومة من التحالف ضمن إطار (سياسي شرعي) وهو ما يحتاجه المجلس عقب خطوة فرض قوة الأمر الواقع. وقد كشف بيان لرئيسه عيدروس الزبيدي الهدف من وراء هذه الأحداث، حيث طالب فيما طالب أن يكون المجلس شريكاً في صناعة القرار ومشاورات التسوية. ومن المحتمل أن يخرج الاجتماع بهذه النتائج المتمثلة بشراكة المجلس في الحكومة الشرعية والتعامل معه باعتباره ممثلاً للجنوب ليس في الحكومة فقط وإنما أيضاً في مشاورات التسوية، وهذه خطوة في غاية الأهمية في طريق الانفصال، الذي من الطبيعي أنه يتطلب تفاهمات محلية وإقليمية وموافقة دولية، وبهذا سيكون الاتفاق على شراكة ومشاركة المجلس الانتقالي للقرار الحكومي، في حال تم، اعترافاً من الرئيس هادي، وهو الرئيس اليمني المعترف به دولياً، بقضية الانفصال، وهو اعتراف سيمثل تناقضاً واضحاً مع وثيقة الحوار الوطني التي يتعامل معها الرئيس هادي كمرجعية لمشروع الدولة الاتحادية التي يطالب بها.
لقد دمر التحالف وعطل وسيطر على كل رمزيات ومقدرات السيادة في اليمن وآخرها قصر المعاشيق ولم يتبق سوى رمزية الرئيس هادي، والتي يحافظ عليها التحالف ولو بشكل صوري باعتبارها ما تمنح الشرعية لوجوده في اليمن.
لن يكون وضع محافظات الجنوب مثلما كان قبل الأحداث الأخيرة، فستكون هناك قيادتان ورأسان لإدارة الوضع، وعما قريب ستظهر تطورات تتكشف معها تفاصيل أكبر لما يريده التحالف. لكن من المؤكد انه سيدعم الاستقرار الخدمي جنوباً، ولو بشكل مؤقت باعتباره سيعزز من القاعدة الشعبية لـ “الانتقالي الجنوبي” ضد الحكومة. لكن هل ستوافق جميع مناطق الجنوب لاحقاً على بقاء المجلس الانتقالي ممثلاً لها في ظل ما يظهر حالياً من نزعات مناطقية وجهوية كانت حاضرة قبل الاستقلال وغيرها من النزعات التي تولدت لاحقاً؟ هذا سؤال لا يمكن الإجابة عليه الآن، إلا أن من المؤكد أن التحالف يمضي باليمن جنوباً وشمالاً في طريق ملغوم وربما لا يدرك عواقب هذه المغامرة حتى عليه نفسه.