بيروت-“القدس العربي”: أيام مرّت على خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي توعّد إسرائيل بالرد على إرسالها طائرتين مسيّرتين إلى الضاحية الجنوبية لبيروت حيث معقله الأساسي، وعلى غارتها على شقة سكنية في سوريا سقط نتيجتها عنصران من الحزب.
وإذا كانت نبرة السيد نصر الله تميّزت بأنها عالية ومنفعلة وأوحت برد قاس وسريع ولاسيما عندما دعا الجيش الإسرائيلي على الحدود إلى الوقوف على الحائط على “إجر ونص” وانتظار الرد، فإن ما حملته الأيام التالية أعطت انطباعاً بأن حزب الله يتجه إلى رد متناسق ومدروس لا يؤدي إلى حرب كي لا يعود السيّد نصر الله إلى استخدام عبارته الشهيرة في حرب تموز “لو كنت أعلم”.
وبات واضحاً أن الحزب يريد من ردّه المحتّم بعث رسالة أنه يرفض تغيير قواعد الاشتباك المعمول بها منذ عام 2006 حيث كانت إسرائيل تمتنع عن شنّ هجمات عسكرية على لبنان وتكتفي بتحليق لطيرانها في الأجواء اللبنانية، وأنه عندما تغيّر إسرائيل قواعد الاشتباك فإن الحزب سيغيّر بالتالي هذه القواعد، ومن هنا جاء كلام الأمين العام للحزب أنه “سيرد في لبنان وليس في مزارع شبعا” في إشارة غير مباشرة إلى حصل في العام 2015 عندما أغارت إسرائيل على القنيطرة متسبّبة في مقتل جهاد مغنية حيث ردّ حزب الله حينها بعد 10 أيام باستهداف دورية إسرائيلية في مزارع شبعا، ما أدى إلى مقتل جنديين إسرائيليين.
وإذا كان حزب الله تأخّر حتى الآن في الرد، فإن المعلومات تربط هذا الأمر برغبة الثنائي الشيعي في تمرير الاحتفال الكبير بذكرى تغييب الإمام موسى الصدر في النبطية التي تشكّل مناسبة لإطلالة سنوية لرئيس حركة أمل نبيه بري على أن يبدأ العد العكسي للرد اعتباراً من اليوم أو في أحسن الأحوال بعد ذكرى عاشوراء حيث اتخذ الحزب إجراءات مشدّدة لحماية مجالس عاشوراء من أي استهداف محتمل وخصوصاً بالطائرات المسيّرة.
أما شكل الرد من قبل حزب الله فهو يحتمل عدة سيناريوهات أكثرها شيوعاً والتي ترغب ربما بها إسرائيل فهي إسقاط طائرة مسيّرة أو أكثر في سماء لبنان، وهذا ما فسّره البعض من خلال لجوء الدولة العبرية في الأيام التي تلت عملية الضاحية إلى ارسال العديد من هذه الطائرات فوق الجنوب وبعلبك حتى يقوم الحزب بإسقاطها وتنتهي المعادلة عند هذا الحد.
غير أن الحزب يبدو أنه يود الذهاب أبعد من هذا الأمر، وهو ترك أمر إعتراض الطائرات المسيّرة لعناصر الجيش اللبناني الذين أطلقوا النار من بنادقهم الحربية على طائرتين اخترقتا الحدود في منطقة العديسة.
ما هي السيناريوهات المحتملة إذا لردّ حزب الله؟
السيناريو الأول هو أن يرسل الحزب طائرة مسيّرة أو أكثر إلى داخل فلسطين المحتلة لاستهداف أحد الأهداف تماماً كما فعلت إسرائيل بإرسال طائرتين إلى الضاحية الجنوبية. وقد سبق له أن أرسل طائرة استطلاع قبل سنوات حلّقت لبعض الوقت فوق فلسطين المحتلة قبل أن تعود أدراجها بسلام إلى داخل الأراضي اللبنانية.
السيناريو الثاني هو زرع عبوة ناسفة بآلية عسكرية إسرائيلية أو استهداف إحداها بصاروخ موجّه ينتج عنه وقوع إصابات في صفوف الدورية الإسرائيلية كرد على مقتل عنصري الحزب في الشقة قرب دمشق. ومن هنا يُفهَم لماذا خفّف جيش العدو الإسرائيلي تحركاته على طول الحدود لعدم اتاحة أي فرصة لحزب الله للنيل من جنوده، حتى أنه لوحظ في اليومين الماضيين أن الجيش الإسرائيلي لجأ إلى خدعة وضع دمى داخل بعض آلياته كي لا يسقط له ضحايا عند استهدافها.
السيناريو الثالث هو استهداف إحدى الطائرات الحربية الإسرائيلية لإبراز قدرات الحزب وامتلاكه أنظمة مضادة للطائرات كتلك التي زوّدت بها طهران الحوثيين أو حتى إبراز قدرات الحزب وامتلاكه منظومة صواريخ موجّهة قادرة على مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي.
يبقى أن طبيعة ردّ حزب الله ستحدّد كيفية تعامل إسرائيل بحيث تمتنع عن التصعيد كما فعلت بعد عدم الرد على اغتيال جهاد مغنية في عملية في مزارع شبعا، أو تستغل طبيعة هذا الرد لتوجيه رسالة قوية ليس فقط إلى حزب الله من خلال قصف عدد من مواقعه بل إلى الدولة اللبنانية برمّتها عشية انتخابات بنيامين نتنياهو ولاسيما بعد المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون والمجلس الأعلى للدفاع التي شكّلت غطاء سياسياً لرد حزب الله من خلال التأكيد على حق اللبنانيين بالرد على العدوان الإسرائيلي.
وهذا الخلط في المواقف بين الدولة والمقاومة يتعارض مع سياسة ربط النزاع التي حاولت قوى 14 آذار تكريسها منذ ما بعد العام 2005 بين مشروع الدولة ومشروع دويلة حزب الله والقول للمجتمع الدولي إن موقف لبنان الرسمي متمسك بالقرارات الدولية ويختلف عن موقف حزب الله المدعوم من إيران. وهذا ما سعى منسّق الأمانة العامة السابق لقوى 14 آذار فارس سعيد إلى انتقاده من خلال قوله إن موقف رئيس الجمهورية “سيعرّض لبنان للدمار وبدلاً من إبقاء الدولة في موقع يخوّلها التفاوض مع الخارج في حال تطوّرت الأحداث
وضعت المؤسسات والمباني الرسميّة والأهم لبنان كل لبنان في دائرة واحدة”.