اجتاز أهالي قطاع غزة، الأسبوع الأخير، امتحانا آخر من امتحانات الموت والحياة التي تحيط بهم في هذا القطاع الصغير المحاصر من البر والبحر والسماء، ونجوا من حرب أخرى تتهدد حياتهم ووجودهم منذ سنين طويلة.
فبعد أن أطلقت عدة صواريخ من قطاع غزة على التجمعات الإسرائيلية المجاورة، في أجواء الانتخابات بالغة الحساسية في الدولة العبرية، ظهرت إشارات قوية على حرب أخرى، جديدة، على القطاع، منها قيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعقد اجتماع عاجل مع زعيم المعارضة البرلمانية بني غانتس و “اطلاعه على الأوضاع” وهو التعبير الذي عادة ما يستخدم في حالات الطوارئ القصوى التي تعقد فيها مثل هذه الاجتماعات النادرة.
وسارعت مصر إلى دعوة ممثلين عن حركة “حماس” التي تدير قطاع غزة، وحركة “الجهاد الإسلامي” وهي الحركة الثانية من حيث القوة العسكرية في القطاع، إلى القاهرة حيث عقدت معهم اجتماعات طارئة جرى فيها بحث حيثيات إطلاق الصواريخ وفرص تثبيت التهدئة في القطاع.
وفي ذروة البحث عن تثبيت هذه التهدئة الهشة في القطاع، قامت جماعات، يبدو انها تكفيرية، بهجمات انتحارية على رجال شرطة “حماس” أسفرت عن سقوط ثلاث ضحايا بينهم، ما صب كثيرا من الزيت على نيران القلق الحارقة التي تأكل أهل غزة المحاصرة منذ 12 عاما متواصلة.
وجاءت هذه التطورات في ذروة توتر إقليمي أعقب قيام إسرائيل بعمليات عسكرية في سوريا ولبنان والعراق، أثارت مخاوف بوقوع مواجهة شاملة في المنطقة يكون قطاع غزة جزءا منها.
وقالت مصادر مطلعة لـ”القدس العربي” إن التحرك المصري العاجل جاء على خلفية الخشية من وقوع مثل هذه المواجهة التي تطال حدود أمنها الإقليمي.
وقالت المصادر إن مصر أبلغت وفدي حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” ان لديها قلقا بالغا من احتمال وقوع حرب على حدودها ستكون تداعياتها وخيمة على الوضع الأمني بالغ الهشاشة في شبه جزيرة سيناء المصرية الحدودية مع غزة.
وقالت المصادر إن مصر استخدمت في هذه الاجتماعات أدواتها التي أظهرت في الفترات السابقة تأثيرا لافتا في التعامل مع الحركتين الإسلاميتين اللتين تقعان في المعسكر الخصم لمصر، وفي المقدمة منها معبر رفح الحدودي الذي يعد شريان الحياة الوحيد لقطاع غزة مع العالم الخارجي، بعد إغلاق المعابر الأخرى التي تسيطر عليها إسرائيل منذ الأيام الأولى للحصار.
وشنت إسرائيل ثلاثة حروب على قطاع غزة منذ سيطرة “حماس” على القطاع في العام 2007 آخرها كانت في العام 2014، وسقط فيها أكثر من خمسة آلاف فلسطيني، غالبيتهم العظمى من المدنيين، ودمر فيها أكثر من 130 ألف بيت ومنشأة، إضافة إلى معظم البنية التحية.
ولعبت مصر دورا مركزيا في التوصل إلى تفاهمات التهدئة بين “حماس” وإسرائيل في معظم جولات التوتر اللاحقة والتي وصلت إلى حافة حرب جديدة كبيرة على القطاع. ووافقت مصر على فتح معبر رفح مع قطاع غزة في أواخر العام 2017 كجزء من صفقة تفاهمات مع إسرائيل هدفت إلى نزع فتيل الحرب.
وأبلغت مصر السلطة الفلسطينية انها وافقت على فتح معبر رفح لتجنب حرب في القطاع سيكون لها كثير من التداعيات على مصر، وخاصة في الجانبين الأمني والإنساني.
لكن جميع تفاهمات التهدئة ووقف إطلاق النار في غزة كانت هشة وسرعان ما تدهورت الأوضاع من جديد منذرة بوقوع حرب إسرائيلية جديدة على القطاع الذي يضم أكثر من مليوني فلسطيني في بقعة صغيرة تبلغ مساحتها 360 كيلومترا مربعا.
ويقول مسؤولون في “حماس” والجهاد الإسلامي إن إسرائيل تتبع سياسة تقوم على تكييف الحصار على القطاع وليس رفعه.
ويعترف مسؤولون في الحركتين بأنهم يغضون الطرف، وأحيانا يستخدمون الهجمات الصاروخية من أجل الضغط على إسرائيل لرفع الحصار.
ويعترف المسؤولون في الجانبين، في إسرائيل وفي قطاع غزة، بانه لا يوجد لديهم مصلحة في حرب شاملة.
فمن جانبهم، يعترف قادة “حماس” بأن حربا إسرائيلية جديدة على قطاع غزة ستؤدي إلى نتائج كارثية، سياسية وإنسانية. لكنهم يعتبرون استمرار الحصار على ما هو عليه لا يقل كارثية عن الحرب، مطالبين برفع هذا الحصار، أو تخفيفه بدرجة كافية على أقل تقدير.
وفي الجانب الإسرائيلي، لا يخفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رغبته في عدم اللجوء إلى حرب مفتوحة مع غزة لأسباب أعلنها بلسانه، في مقدمتها إبقاء قطاع غزة منفصلا عن الضفة الغربية، وإبقاء “حماس” في حالة من القوة الداخلية تكفي لحفظ الأمن، وفي حالة من الضعف تحول دون قيامها بمحاربة إسرائيل.
وحافظت إسرائيل في الأعوام الأخيرة على سياسة تقوم على إبقاء قطاع غزة على الحافة، أو كما وصفها أحد المسؤولين في منظمات الإغاثة الدولية العاملة في القطاع “نظام الدايت” أي الحمية الغذائية.
وقال هذا المسؤول: “إسرائيل تبقي غزة في حالة دايت، لذلك فهي دائما في حالة جوع”.
وتشمل سياسة “الدايت” الإسرائيلية في غزة وضع قيود شديدة على كافة قطاعات الحياة من استيراد وتصدير وسفر وتنقل، وما يرتبط في ذلك من عمل وتعليم في الخارج وغيره.
وعملت إسرائيل على تكييف سياسة الحصار هذه في السنوات الماضية، في محاولة يبدو انها تهدف إلى منع حدوث حرب شاملة. ومن ذلك السماح بدخول المساعدات الخارجية مثل المنحة القطرية التي أدت إلى رفع ساعات الكهرباء في قطاع غزة من أربع إلى حوالي 15 ساعة يوميا، وتقديم دعم مالي شهري للعائلات الفقيرة قيمته مئة دولار لكل عائلة.
وقال مسؤولون في “حماس” إن دولة قطر تبدي استعدادا لزيادة الدعم الإنساني لقطاع غزة غير أن إسرائيل ترفض ذلك وتبقي على هذا الدعم في حدوده الدنيا التي تمنع المجاعة والانفجار.
لكن سياسة إسرائيل الرامية على إبقاء قطاع غزة على الحافة، تقابل من قبل حركتي “حماس” والجهاد الإسلامي بسياسة تهدف إلى كسر هذه الحالة ورفع الحصار، أو على الأقل تخفيفه بشكل مقبول، فتبادران إلى إطلاق الصواريخ، أو يغض أمن حركة “حماس” الطرف عن قيام مقاتلي حركة الجهاد أو غيرها من القوى بإطلاق الصواريخ، من أجل دفع الأطراف المهتمة إلى التحرك العاجل لمنع التدهور ووقوع الحرب.
ووصل التدهور الناجم عن ذلك في كثير من الحالات إلى حافة الحرب الشاملة.
ويعترف قادة “حماس” في اللقاءات الخاصة، بأن احتمالات التدهور والانزلاق إلى حرب جديدة (لا تبقي ولا تذر) أمر وارد. ومن ذلك احتمال وقوع أحد الصواريخ المطلقة من القطاع على تجمع سكاني إسرائيلي، ووقوع خسائر بشرية كبيرة، تصبح معها الحرب الشاملة أمرا لا مفر منه أمام المنافسة السياسية وضغط الرأي العام. لكنهم يقولون إن البديل عن ذلك هو قبول استمرار العيش على الحافة، أو حالة الـ”ستاتسكو” وهي حالة استنزاف شديدة على مواطن في قطاع غزة.
وإلى أن يتحقق رفع الحصار عن غزة، بأي شكل من الأشكال، فان أهالي القطاع يواصلون العيش على الحافة، حافة الحرب، حافة الجوع، حافة العطش، حافة العتمة، حافة السفر، حافة العمل، حافة الأمل وحافة الحياة، في انتظار وقوع الحرب التي ستكون الأكثر تدميرا والأكثر فتكا.