أصبحت العولمة الرقمية اليوم واقعا ملموسا في حياتنا اليومية بحيث غيرت في مختلف أنواع سلوكياتنا وأنماط أعمالنا. فمما لا شك فيه ساهمت تلك التكنولوجيات والتقنيات الحديثة في النهوض المباشر بمنظومة التعليم العالي وتشكيل سمات جيله الحالي. إذ في الماضي كان التعليم يعتمد على الوسائل البدائية من أجل إيصال الدروس العلمية للطلاب منها استخدام القاعات التقليدية والمدارج الجامعية والسبورة اللوحية بالطباشير أو بالقلم الحبري. كما كان البحث العلمي يعتمد على وسائل بسيطة منها الاقتصار فقط على البحث داخل المكتبات الجامعية ما يصعب عملية الوصول للمعلومة بحيث يضيع وقت طويل في التنقيب والبحث غير الناجع في طرقه.
فتح الفضاء الرقمي أبوابه على مصراعيه للباحثين من طلبة وأساتذة من خلال سهولة الولوج إلى تطبيقات المكتبات الإلكترونية الكاملة والشاملة من مقالات علمية في مختلف المجلات الجامعية إلى كتب علمية مرقمنة في شكل “بي دي اف” و”أي باب” وكذلك سرعة البحث والوصول إلى المعلومات العلمية بطرق فاعلة وناجعة. ففي هذا الصدد يصنف التعليم العالي والبحث العلمي في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية في المراتب الأولى عربيا نظرا للأشواط الطويلة التي قطعها على درب تحديث بنيته الرقمية والتكنولوجية داخل جل جامعاته مع إحداثه منصة خاصة للبحث العلمي التي تضم المئات من المجلات الجامعية في صلب بوابة جزائرية محكمة للمجلات العلمية معترف بها دوليا.
ويتمتع التعليم العالي الجزائري بمواصفات الجودة العالمية ويصنف ضمن التعليم العالي المتقدم نظرا لتقاربه في محتواه وأهدافه مع أرقى وأعرق الجامعات الأوروبية وخاصة منها الفرنسية. أما بقية المنظومات التعليمية في دول شمال افريقيا فهي ما زالت في مراحلها الأولى وتشكو من عديد المشاكل والعوائق قصد الالتحاق بركب الحداثة والانصهار في العولمة الرقمية واستغلال المنصات التكنولوجية للتعليم عن بعد، نذكر خاصة منها الجامعات الموريتانية والتونسية والليبية والمصرية. أما بالنسبة للجامعات المغربية فهي اعتمدت النظام الفرنسي في مناهج التعليم الجامعي وفي بوابتها البحثية بحيث شكل ذلك التعاون المباشر بين الجامعات الفرنسية والمغربية مكسبا هاما مستقبليا عبر ما يسمي “بفرنسة التعليم”.
تطبيقات التعليم عن بعد
تشمل تلك التطبيقات للتعليم عن بعد “أي ليرننغ” اليوم جل الجامعات الجزائرية وهي تعتبر جزءا لا يتجزأ من منظومة التعليم العالي التقليدي الحالي. لكن استخداماتها تبقى محتشمة نظرا لاقتصارها فقط على تنزيل المحاضرات الجامعية على تطبيق يسمى “موديل” وذلك في صيغة “PDF و PPT Vidéos”. ففي هذا الصدد تشكل تلك المنظومة التعليمية لبنة جديدة في التعليم الجامعي عن بعد في صلب منظومة التواصل عن بعد أو التدريس بالفيديوهات. أما بخصوص محتوى تلك التطبيقات فهو يعتبر محدودا مقارنة مع الجامعات الأوروبية وخاصة منها الفرنسية وما زالت بدورها تفتقر للتحديث في برامج التواصل بين الأساتذة والطلبة عبر ما يعرف بالقاعات الافتراضية.
وتمثل منظومة التعليم العالي عن بعد داخل الجامعات الجزائرية في محتواها مكملا للتعليم التقليدي الذي لا يمكن في أي حال من الأحوال الاستغناء عنه. لكن تلك المنظومة أيضا قابلة للتطوير والتجديد في محتواها منها إضافة تلك القاعات الافتراضية التي تجمع الأساتذة والطلاب خارج نطاق الجامعة وبدون الإلزام بالحضور الاجباري أو أيضا تخصيص في صلبها جميع الاختصاصات ونشر أكبر عدد ممكن من المحاضرات الجامعية صوتا وصورة.
مستقبل التعليم عن بعد
إن الرهان على التعليم عن بعد داخل جل الجامعات الجزائرية يعتبر مكسبا هاما بحيث يكون الطالب في وضعية تسمح له بتجاوز العوائق والصعوبات منها المادية والاجتماعية وتصبح المؤسسات الجامعية قادرة على دمج تلك المنظومة الرقمية في صلب التعليم الجامعي العالمي المفتوح على الجميع. فالتحديث في محتوى تلك التطبيقات المتوفرة حاليا على صفحات هي عبارة عن منتديات أو مدونات على تطبيق “موديل” بحيث يمكن لها أن تخلق مساحة من التعاون الجامعي مع المنظومة الفرنسية للتعليم الجامعي عن بعد وذلك بإضافة برمجيات التواصل عن بعد المسماة “بالقاعات الافتراضية”. فأهداف التعليم عن بعد تكمن في الأساس في توفير تحصيل علمي للطلاب أصحاب الحالات الخاصة منهم أصحاب الإعاقات الجسدية النساء الحوامل واللاتي تحتضن أطفال رضع، والسجناء، والمرضى في المستشفيات الذين لدينهم أعمال ويرغبون في الحصول على شهادة علمية تعزز من مسيرتهم المهنية، والكبار في السن والذين يرغبون في الحصول على شهادة الدكتوراه وغيرهم. بالتالي يمكن للجامعات الجزائرية تطوير محتوى تلك التطبيقات للتعليم عن بعد وتوفير صفحة خاصة للتسجيل في سنة جامعية برمتها مخصصة للتعليم عن بعد. عموما يمكن النسج على منوال التجربة الفرنسية التي أصبحت تخصص للطلاب الاختيار في كل سنة جامعية إما التسجيل لمتابعة المحاضرات والأشغال التطبيقية بالحضور الإجباري داخل القاعات التقليدية أو التسجيل في تطبيق التعليم عن بعد عبر متابعة المحاضرات والأشغال التطبيقية داخل القاعات الافتراضية وبدون الإلزام بالحضور الاجباري.
الانتدابات للأساتذة الجامعيين
تعاني أغلب الجامعات العربية وخاصة منها في دول شمال افريقيا من أزمة حقيقية داخل منظومتها الجامعية التقليدية خاصة من جانب الانتدابات للأساتذة. إذ في كل سنة جامعية تشهد أغلب تلك الجامعات فوضى عارمة ومقاطعة شاملة للاختبارات المرحلية واضراب عام خاصة من قبل الأساتذة الشبان المتعاقدين والتي طالت مدة تدريسهم في ظروف غير عادية منها التدريس وفق تسعيرة رخيصة للساعة الواحدة وعدم الترسيم والاقتصار على تقديم المساعدة بدون تسوية الوضعية المهنية. فالمناظرات الوطنية تبقى عقيمة بالنسبة لهم نظرا للعدد المحدود جدا للبقاع المزمع سد شغورها. أما بخصوص الانتداب بالترقية وتسوية وضعية بعضهم تعتبر هي أيضا غير ناجعة خاصة من جانب الكفاءة المهنية والعلمية لتلك النوعية من الأساتذة والتي غالبا ما تخفق في المناظرات الوطنية. ففي هذا السياق تعاني الجامعات الجزائرية مثل غيرها من الجامعات في منطقة شمال افريقيا من تراكم تلك الأزمات المهنية للأساتذة المتعاقدين أو للمترشحين الراغبين للانضمام إلى فريق التدريس والتأطير في تلك الجامعات. بالتالي تعتبر الانتدابات للأساتذة الجامعيين من أجل التدريس عن بعد تقدر بأقل تكلفة بكثير وهي تحد بشكل مباشر من جميع المشاكل بحيث توفر لأولئك الأساتذة وظيفة قارة على المدى البعيد وتمكنهم تلك المنظومة الخاصة للتدريس عن بعد من فرص حقيقية للعمل المستمر. بالإضافة إلى ذلك تعتبر الدرجات العلمية المطلوبة للأساتذة المنتدبين أقل درجة من المنظومة التقليدية. أما تسعيرة الساعة الواحدة لحصة التدريس عن بعد تشكل بدورها حلا لأزمة صرف الرواتب الشهرية للأساتذة بحيث تكون قادرة على تغطية جميع الحاجيات وفقا للميزانيات الجامعية المخصصة في الغرض.