هل يبذل زعماء وقادة الحزب الديمقراطي الأمريكي مجهوداً أكبر مما يفعله خصومهم من زعماء وقادة الحزب الجمهوري الأمريكي من أجل تحقيق السلام العادل للشعب الفلسطيني والإنصاف في القضايا العربية الأخرى، أم أن الأمر هو في القالب والشكل أكثر منه في المضمون؟
وهل كان الرؤساء الديمقراطيون جيمي كارتر وبيل كلينتون وباراك أوباما وغيرهم أفضل في رعايتهم وحمايتهم لحقوق الفلسطينيين من الرؤساء الجمهوريين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد ورونالد ريغان وجورج بوش الأب، والابن، وحاليا دونالد ترامب؟
هذه أسئلة تتبادر إلى الذهن في المرحلة الحالية من التاريخ حيث يترأس الولايات المتحدة الجمهوري المتشدد دونالد ترامب ويسعى إلى التجديد لولاية ثانية في عام 2020 بعد اتخاذه قرارات مجحفة بحق الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية عموماً، من أجل استقطاب الناخبين الأمريكيين غير المكترثين لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم كما وردت في القرارات الدولية وفي الشرائع الأخلاقية والإنسانية العالمية.

ولعل كتاب المذكرات الذي أصدره مؤخراً جون كيري المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية سابقا ووزير خارجية أمريكا في عهد الرئيس باراك أوباما بعنوان “كل يوم هو إضافة” قد يجيب على بعض الأسئلة في هذا المجال.
جون كيري هو من المحسوبين على الجناح الوسطي الليبرالي المنفتح في الحزب الديمقراطي الأمريكي الواسع النفوذ. وكان أحد الجنود الأمريكيين الذين قاتلوا في جيش بلادهم في حرب فيتنام. ولكن، بعد انتهاء هذه الحرب، أصبح من كبار مناوئي وخصوم الحروب الأمريكية غير المبررة ضد شعوب العالم الثالث. وهو كان صديقاً للرئيس الأمريكي جون كينيدي (الذي قضى اغتيالاً) ولعائلة آل كينيدي، التي دعمته في حملته الرئاسية الانتخابية عام 2004.
ومن الواضح، من الفصول الأولى للكتاب أنه كان من معارضي الغزو الأمريكي للعراق في عهد بوش الأبن عام 2003. ويؤكد في الفصلين (12) و(13) أن حرب بوش وأعوانه من المحافظين الجدد في العراق آنذاك ساهمت في نشر الإرهاب في الشرق الأوسط وفي الدول العربية بدلاً من القضاء عليه. ويضيف أن أمريكا خسرت حربها في أفغانستان بسبب اندفاع إدارة بوش الأبن وتسرعها لخوض حرب في العراق، وان أمريكا، آنذاك، لم تكن لديها خطة واضحة في العراق، ولا في أفغانستان، فخسرت الحربين وأساءت إلى علاقاتها مع باكستان وعدد من دول آسيا والشرق الأوسط.
ويعتبر الوزير السابق كيري ان الرئيس باراك أوباما، خلافا لبوش الأبن، آمن بأن الدبلوماسية تشكل حلا أفضل للخلافات والقضايا الدولية الخطيرة، خصوصاً ما مُورس في فترة أوباما الرئاسية الأولى، عندما كان كيري رئيسا للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، قبل أن يصبح وزيرا للخارجية (في 2013) في مكان هيلاري كلينتون في مطلع ولاية أوباما الثانية.
وفي الفصل (15) يتحدث كيري عن لقاءاته بالرئيس السوري بشار الأسد. ويعتبر ان الأسد كان مترددا في مواقفه بالنسبة إلى علاقته بأمريكا والسلام مع إسرائيل على حساب تحالفه مع إيران وحزب الله. ويقول إنه نصح الرئيس أوباما (قبل ان يُصبح وزيرا للخارجية) بإصدار موقف يدعو إلى إقصاء الرئيس بشار الأسد عن السلطة، منذ المراحل الأولى للثورة السورية (ص 448). ويقول إنه اضطر إلى معاودة مواجهة “هذه القضية السورية الصعبة” بعد احتلاله منصب وزارة الخارجية وانه حصل على نصائح في الشأن السوري آنذاك من أحد قادة الديمقراطيين ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جورج ميتشيل والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، ولكنه استمر في مواقفه في هذا المجال.
وفي الصفحة (499) يُظهر كيري حذراً إزاء مواقف روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط عموماً، وفي سوريا خصوصاً، وحول تدخله في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة التي أوصلت ترامب إلى الرئاسة.
أما مواقف أوباما وكيري في قضية فلسطين وإسرائيل، فتظهر بوضوح في الكتاب ابتداء من الفصل الـ(17) وفي الفصول التي تلته، وهي مواقف متغيرة ومتضاربة.
يقول كيري إن أوباما زار إسرائيل في آذار (مارس) 2013 أي في الفترة التي عينه خلالها وزيرا للخارجية، وأوضح الرئيس الأمريكي (آنذاك) لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هذا الموقف، استمر في عمليات الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وبالتالي، شعر كيري أنه “برغم محبته لإسرائيل وشعبها” ان “نتنياهو يناور حول نيته الحقيقية بالسلام مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس”.
ورغم هذه المواقف لكيري التي تبدو ناقدة ومتحفظة، وبالإضافة إلى انه زار قطاع غزة ليكون أول مسؤول أمريكي في هذا المستوى يزور القطاع منذ سنوات وتباحث مع القادة في غزة (في منظمة حماس) فإنه ألقى باللوم عليهم لاستمرارهم في إطلاق الصواريخ على إسرائيل! (ص 510).
وقد شكره الرئيس محمود عباس على هذه الزيارة الهامة دبلوماسيا لفلسطين (كما أورد كيري في الكتاب) وخصوصا أنه قام بها (خلافا للمجريات) برفقة زوجته. وقال له عباس آنذاك إن صورة هذه الزيارة أكثر قيمة من ألف تصريح أو بيان (ص 512).
ولكن مباشرة بعد وصف كيري لعباس في الكتاب بامتلاكه المزايا الحسنة، أغدق في المديح لشخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولصداقتهما الشخصية العميقة. وقال إنه توافق معه على أن “الحل الأساسي للقضية الفلسطينية يكمن في إعطاء الحوافز الاقتصادية والمادية للفلسطينيين”.
ويضيف أن الرئيس عباس أبلغه آنذاك (كما يفعل عباس الآن مع إدارة ترامب) بان الحوافز الاقتصادية وحدها غير كافية للحل العادل وانه سمع بهذه الطروحات الاقتصادية سابقا، ولم يقتنع بها، وأن المطلوب هو الحل السياسي العادل الذي يعيد للفلسطينيين دولتهم والأراضي التي سلبتها إسرائيل منهم والتي اقرت الاتفاقات والشرائع الدولية بضرورة عودتها، وهذا وحده قد يقنعه ويقنع الشعب الفلسطيني بصدق النيات.
وبدلا من ان يقتنع كيري بضرورة استمرار الضغوط على إسرائيل، اكتفى بالقول: “توصلت إلى نتيجة بان نتنياهو لن يُجمد الاستيطان، ولن يعود إلى حدود عام 1967”. (ص 520).
ومن هناك فصاعداً، يبدأ كيري في الكتاب بطرح أمور يقول إن الفلسطينيين قبلوا بها خلال محادثات سرية، كانت تجري في لندن في تلك الفترة، ومنها ان تبقى دولة فلسطين منزوعة السلاح إلا من شرطة مسلحة بأسلحة خفيفة، وأن ترضخ لحق إسرائيل بالعودة إلى الضفة بعد الانسحاب منها (في حال نشوب حال طوارئ) ولا مكان لاستقدام قوات مصرية ـ ويستشهد كيري بقول لنتنياهو له إن إسرائيل لن تنسحب من الضفة إلا عندما تقرر هي ذلك وأن وجود جيشها في الضفة الغربية طويل الأمد، وحتى تشعر بأنها آمنة. (ص 526).
أي أن كيري لم يغضب إزاء هذا الموقف، ولا نصح رئيسه أوباما بفرض عقوبات صارمة على إسرائيل، بل قال في الصفحات التالية:
“بدا لي أن الليكود (بقيادة بيبي) يخوض مفاوضات تُظهر تنافسه على مصلحة إسرائيل ويرغب بنتيجتها أن يكون هو من يتولى منصب رئيس وزراء إسرائيل لأطول فترة ممكنة عوضاً عن المخاطرة بكل شيء، كما فعل إسحق رابين (في أوسلو) ويحاول ان يقول إنه هو من حقق السلام بشروطه” (ص 532).
ويضيف: “نتنياهو أطال المفاوضات من دون نتيجة. مما ساهم في عودة العنف إلى غزة أوائل حزيران (يونيو) 2014 وتم الطلب من مصر ودول أخرى التوسط لوقف العنف هناك”. أي ان كيري كان يتخذ مواقف “واقعية” في غير محلها.
والمفارقة ان كيري ورغم إدراكه أن أوباما لم يكن راضياً عن تكتيكات نتنياهو في المفاوضات، ولا عن تفكيكه للأحزاب في إسرائيل من أجل الفوز في الانتخابات الإسرائيلية في آذار (مارس) 2015 فإنه يتجه في الكتاب عموما للوم ومعاتبة الرئيس عباس، أكثر من زعيم الليكود، على التأخير في المفاوضات وإفشالها!
وقد زار نتنياهو واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2015 وتحدى الرئيس أوباما في عقر داره، بالإضافة إلى قيامه بخطوات سلبية جداً إزاء اتفاقيات أوسلو ومقرراتها ومنع إقامة الدولتين، واختار كيري خيار “معاتبة” الرئيس عباس على تردده، بدلاً من معاقبة نتنياهو.
ولم يكتفِ بذلك، بل مهد بشكل غير مباشر لمواقف الرئيس ترامب الحالية عندما قال في الصفحة (539) “الكثير من حكام العرب والأوروبيين، كانوا مستعدين للقبول باتفاقية وضع نهائي تعالج مخاوف إسرائيل الرئيسية”.
وكأن إسرائيل ليست المعتدية وكأنها هي الضحية الخائفة على حقوقها ومصيرها.
ثم يزور كيري السعودية ودولة الإمارات (كما يقول في الكتاب) حيث “شعر وكأنهم مستعدون لتغيير علاقاتهم مع إسرائيل عن طريق الدبلوماسية”.
ويقول حرفياً في الصفحة (539):
“عقدتُ اجتماعا سريا في العقبة في كانون الثاني (يناير) 2017 مع بنيامين نتنياهو والملك الأردني عبد الله والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. كانت لحظة مهمة حيث كانت الدول المهمة في العالم العربي مستعدة لقبول مطالب إسرائيل الأساسية بما فيها الاعتراف بالدولة اليهودية وحل مخاوفها الأمنية”. ويضيف “أبدت السعودية والآخرون استعدادا لاتخاذ إجراءات للوفاء بوعد مبادرة السلام لتطبيع العلاقات مع إسرائيل”. وفي المقطع السابق في الصفحة ذاتها، يقول “كان التركيز الأساسي على السعوديين إذ لديهم تأثير كبير في العالم العربي، كانت الدبلوماسية وراء الكواليس ضرورية للتقدم. قمت بعدة رحلات إلى السعودية واستضفت الكثير من الاجتماعات مع دول الخليج، لا سيما الإماراتيين، الذين اعتقدت أنهم مستعدون لتغيير علاقتهم مع إسرائيل إذا استطاعوا إدارة السياسات”. ويوجه كيري نصيحة إلى القيادة الفلسطينية أن تكون “حازمة ضد العنف والتحريض إذا أرادت الحصول على حقوق الشعب الفلسطيني” ويقول إن المطلوب قرارات صعبة من الطرفين، ويتعهد بالمساعدة الأمريكية في هذا المجال (ص 545). وبالتالي، فالمساعدة الأمريكية برأيه تبدو وكأنها الرضوخ لمشيئة متطرفي إسرائيل (الليكود وأمثاله) وقبول نظرياتهم بأن اسحق رابين “خاطر وبالغ في تنازلاته خلال مفاوضاته للسلام مع الفلسطينيين”. وهنا يُطرحُ السؤال ثانية عن الفارق الفعلي والحقيقي بين سياسات معظم أرباب الحزب الديمقراطي الأمريكي وكبار قياداته عن سياسات غلاة الحزب الجمهوري الأمريكي في فلسطين والمنطقة؟
جون كيري: “كل يوم هو إضافة”
ترجمة الناشر
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2019
658 صفحة.