“المعرفة ليست ملء سَطل، بل هي إيقاد نار”:وليم بتلر ييتس شاعر القومية الإيرلندية

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

وليم بتلر يَيتس (1865 ـ 1939) شاعر مسرحي يعتزّ به الإيرلنديون. فقد ولد في دبلن، وفي شبابه صار يتنقل في دراسته وخبراته بين “سليكَو” القريبة من دبلن، وبين لندن. نشر أول مجموعة شعرية له عام 1887، مما تُظهر بجلاء تأثره بالأجواء الأدبية الشائعة يومها، مما يدعى بروحية “نهاية العصر” أي نهايات القرن التاسع عشر، وهي الآداب الفرنسية المتميزة بالتوكيد على الجمالية في الموضوع وفي شكل القصيدة، بكثير من العاطفية والميوعة في شعر الفرنسيين، كما في الكتابات الروائية، وأبرزها في أعمال تيوفيل غوتييه (1811 ـ 1872) في روايته بعنوان “مدموازيل ده موبان” التي تنقل القارئ إلى أجواء المخادع في القلاع الفرنسية، حيث الإغراق في الحب والإثارة. وفي هذه الأثناء كان المسرحي الشاعر يبحث عن أسلوب وموضوعات أبعد مما وجده في آداب “نهاية العصر” الفرنسية، فوجد ضالته في حياة الفلاحين والقرويين في إيرلندا، بما فيها من بساطة وعفوية، وقصص عن الجنّ والعوالم غير المنظورة، فتطوّر لديه مَيلٌ إلى ما يشبه النورانية أو المشاعر الصوفية، وإلى الروحانية، وذلك تعويضاً عن عدم قناعته بالعقيدة المسيحية التقليدية. وفي حدود عام 1889 جمعته الظروف مع ليدي غريغوري الأرستقراطية الإيرلندية المتحمّسة للتراث الإيرلندي، والتي رغبت في تأسيس “المسرح الإيرلندي” لإنعاش ذلك التراث، وقد أعانها الشاعر في ذلك وصار يؤلف المسرحيات التي تستقي من التراث الشعبي ولغة أهل البلاد. وقد أدّى به نشاطه المسرحي إلى نيل جائزة نوبل في الآداب عام 1923. وقبل ذلك بسنة، عُيِّن عضواً في مجلس الشيوخ في “دولة إيرلندا الحرة” حديثة التكوين، وبقي في ذلك المنصب حتى عام 1928، وكان اهتمامه بالتراث الإيرلندي قد شجّع لديه النشاط السياسي إلى جانب تزايد اهتمامه بالشعر، على حساب المسرحيات التي كان قد ارتوى من إبداعها وانتشارها.

كان اهتمام يَيتس بالشعر وبحثه عن أسلوب وموضوعات تبتعد عن مذهب الجمالية الفرنسية، ومذهب “الفن للفن”، إلى جانب نزوعه نحو النورانية والروحانية، قد أدت به إلى “فلسفة خاصة” في الحياة. فصار يقول “إن المعرفة ليست ملء سَطل، بل هي إيقاد نار” وإن “الحياة رحلة صعود في درج لولبي، ونحن إذ نتقدم في السنّ نسير على الطريق التي قطعناها من قبل، ولو أنها الآن طريق أعلى من سابقتها، وإذ ننظر إلى ما تحتنا من الدرج اللولبي فإننا نقيس تقدمنا بعدد الأماكن التي كنّا فيها، ولكننا لم نعُد فيها الآن. فرحلة الحياة تتكرر وتتقدم معاً، ونحن في دوران وصعود معاً”. وعن طريق هذه الصور الرمزية يَستَغوِر الشاعر تناقضات الزمن والتغير، النمو والشخصية، الحب والعُمر، الحياة والفن، الجنون والعقل.

واهتمام الشاعر بالتراث الإيرلندي، وعمله في مجلس الشيوخ دفعاه إلى الاهتمام بمزيد من السياسة. ولكنه كان يكره للشعر أن يكون في خدمة مذهب سياسي معين، أو حزب أو فئة الناس دون غيرها. فاهتمامه الثقافي، ومن بعده السياسي، يتصل بالبلد الإيرلندي جميعاً لا انتقائيّا ولا تحزبيّاً. لذلك. نجده يلحّ في شعره السياسي إلى نوع من المعاتبة المرّة لرجال انتفاضة 1916، لأن تنظيمهم الناقص واستعدادهم غير المكتمل، واندفاعهم الحماسي جعل الانتفاضة ضد الحكم البريطاني فريسة للدولة الأقوى، على الرغم من انشغالها بالحرب ضد المانيا. ومما زاد في نقمة الإنكَليز على انتفاضة 1916 في دبلن ما تردّد يومها من أن المانيا كانت تدعم الإيرلنديين وتزودهم بالسلاح، في سعيهم للاستقلال عن بريطانيا وحكومة لندن. نجد هذا على الخصوص في قصيدة “عيد الفصح 1916”. يقول الشاعر فيها إنه كان يعرف رجال الانتفاضة شخصياً، ومن المحزن أن اندفاعهم القومي، المفهوم، عاطفياً، قد أدّى بكثير منهم إلى الإعدام، على يد الإنكَليز، عند إخماد الانتفاضة:

كنتُ ألاقيهم عند ختام النهار

قادمين بوجوه مشرقة

من مناضد الحساب أو المكاتب

في بنايات كالحة من القرن الثامن عشر.

كنت أمرّ بهم مع انحناءة بالرأس

أو بكلمات مؤدّبة لا معنى لها،

أو أتريّث قليلاً وأنطق

بكلمات مؤدّبة لا معنى لها.

وكنتُ أفكِّر قبل النطق بها

بحكاية طريفة أو نادرة،

لتسلية رفيق

حول نار المدفأة في النادي

واثقاً من أنهم وأنا

كنا نعيش حيث الملابس متنوعة الألوان:

كل ذلك قد تغيّر، تغيّر تماماً

فقد وُلدَ جمالٌ مُريع.

ثم تتكرّر العبارة الأخيرة في ختام المقطع الثاني والرابع من القصيدة التي تستمر بنغمة حزينة، بذكر أسماء بعض رجال الانتفاضة الذين لقوا حتفهم، لأنهم كانوا يحلمون بإفراط أدّى بهم إلى الموت، فقد تغيّر كل شيء، ووِلدَ جمالٌ مُريع.

وتستمر النغمة الحزينة في شعر يَيتس بعد ما لمسناه في قصيدة “عيد الفصح 1916″، التي يبدو أنه نقّحها عام 1920، فتصير نغمة من الخيبة في عالم الطبيعة من النشاط الحياتي في الولادة والنمو، وتنقلب مع تقدّمه في العمر إلى عالم الفن غير المحدود بزمان. ففي قصيدة “الإبحار إلى بيزنطة” 1927، نراه يصيح في أول سطر من قصيدة بأربعة مقاطع، ثُمانية السطور، مُحكَمَةُ نظام القافية: “ليس هذا بِبَلَدٍ لكبارِ السنّ. هنا الشباب يتعانقون، والطيور تغرّد على الأشجار، والبحار تزدحم بالأسماك، والجميع يحتفل بما يَلِد ويولَد ويموت. وفي انشغالهم بتلك الموسيقى الحسّية، يهمل الجميع تماثيلَ عقلٍ لا يشيخ”. وفي المقطع الثاني يصف كبير السن بعديم الأهمية، إلا إذا استطاعت الروح أن تُصفّق وتُغنّي. من أجل ذلك ركبتُ البحار وجئتُ إلى بيزنطة، طالباً من صور المغنّين النزول لتعليم روحه الغناء، واستهلاك قلبه المرتبط بكيان فانٍ لا يدري ماهيّته، لكي يربطوه بتمثال الخلود. وفي المقطع الرابع يقول الشاعر: “إذا ما تخلصتُ من إسار الطبيعة، فلن يتخذ جسدي بعدها أية صورة طبيعية، بل شكلاً مما يصنعه الصاغة الإغريق ليُعينوا الإمبراطور على البقاء يقظاً، أو عصفوراً من ذهب على غصن من ذهب، لينشد لسادة الإغريق ونسائها عن كل ما جرى، ويجري، أو سوف يجري”.

هذا إغراق في خيال الهرب من عالم المحسوس الذي يحيط بالشاعر. وفي قصيدة “المجيء الثاني”، 1920 ـ 1921 نجد برَمَ الشاعر من عالمه المعاصر وخوفه من مجيء الأسوأ يتخذ صورة الصقر الدائر في الأعالي، غير شاعر بتوجيهات الصقّار الواقف على الأرض يحاول توجيهه في الطيران، ولا يلبث الصقر أن يطير بعيداً، لأن “الأشياء تتناثر، والمركز لا يستطيع الإمساك بها” وقد يوحي هذا بالخوف من تطور الثورة الروسية عام 1917، أو من صعود الفاشية. لأن “الفوضى العارمة قد انطلقت في العالم”، لأن “الأفضلين تعوزهم القناعة، والأرذلين مُترَعون بالحماسة”. فلا شك أن المجيء الثاني قد اقترب، أي ظهور المسيح من جديد مع اقتراب يوم القيامة، لأن عشرين قرناً من النوم الحجري قد أقلقَ كابوسها اهتزازُ مهدٍ، أي مولد المسيح المخلّص من شرور العالم. ليست هذه مشاعر مسيحية بالمعنى الكنسي، بل هي صورة مفزعة عن العالم الذي يراه الشاعر.

في جميع ما كتب يَيتس من مسرحيات وقصائد، كانت إيرلندا، تاريخاً، وتراثا وحضارة، ماثلة أمام عينيه، على ما في كتاباته من حزن وإشفاق، لكنها جميعاً شديدة الارتباط بالوطن: إيرلندا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية