تونس-“القدس العربي”: اليوم يتوجه التونسيون إلى مراكز الاقتراع لانتخاب رئيسهم القادم من بين المرشحين الذين تسابقوا طيلة أسبوع ونيف على ابراز أفضل ما لديهم من امكانيات في محاولة لإقناع ناخبيهم ببرامجهم الانتخابية ولكسب أكبر قدر ممكن من الأصوات. فبعد حملة محمومة ومناظرات تلفزيونية بين مختلف المترشحين، عرف التونسيون تقريبا ماذا يخفي المترشحون للتربع على عرش قرطاج في جرابهم وبدأوا يدلون بآرائهم حول هذا المرشح وذاك. وبطبيعة الحال اختلفت التقييمات بشأن كل مرشح باختلاف الأشخاص وانتماءاتهم الفكرية والحزبية وحتى الجهوية، إذ يبدو، أن كثيرا من التونسيين لم يتخلصوا بعد من الانتماء الجهوي عند تحديد هوية مرشحهم.
توظيف الانتماءات
واللافت في هذه الحملات الانتخابية هو توظيف الانتماء السياسي أو الايديولوجي أو الفكري لدى المرشحين من أجل استقطاب أكبر عدد ممكن من الشرائح التونسية. فتحت مظلة “المدرسة البورقيبية أو التيار الحداثي” تجمع عدد كبير من المرشحين من بينهم عبد الكريم الزبيدي ومحسن مرزوق. وكذلك الأمر بالنسبة للمرشحة عبير موسى التي رفعت شعار التيار الدستوري (حزب التجمع المنحل) من أجل كسب هذه الفئة.
فيما عرف بعض المرشحين سواء الحزبيين أو المستقلين بانتمائهم للتيار المحافظ وذلك فيما يتعلق بعديد الملفات الجدلية التي أثيرت خلال الفترة الماضية مثل الحريات الفردية والمساواة في الإرث. في حين بدا المرشحون الآخرون غير معنيين بإثارة مثل هذه القضايا معتبرين بان ما يهم التونسي اليوم هو معيشته ووضعه الاقتصادي والاجتماعي الذي شهد تراجعا غير مسبوق. فمن عالم الاقتصاد والمال وتحت شعار الإصلاح الاقتصادي تركزت الحملات الانتخابية للمرشحين رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة ووزير المالية المستقيل الياس الفخفاخ على وضع رؤى اقتصادية لتونس المستقبلية بعيدا عن التجاذبات الأيديولوجية.
اضافة إلى ذلك، ظل الانتماء الجهوي عاملا رئيسيا في عديد الحملات الانتخابية، فرغم قيام المرشحين بزيارة مختلف مناطق وولايات الجمهورية، لكن ظل الانتماء المناطقي حاضرا بقوة من خلال محاولة عديد المرشحين استقطاب أبناء مناطقهم.
آلاف المراقبين
وقد حظيت الانتخابات التونسية باهتمام دولي غير مسبوق فالمجتمع الدولي ينظر إلى تونس باعتبارها نموذجا للديمقراطية الوليدة التي تنمو وتترعرع في خضم بيئة اقتصادية واجتماعية هشة ووضع أمني إقليمي صعب. وظل التخوف من المخالفات التي يمكن ان تسجلها الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها مخيما على الأجواء. فقد سجلت هيئة الانتخابات خلال الحملة أكثر من 1200 مخالفة وسط توقعات بان يرتفع هذا الرقم يوم الاقتراع. وقد وضعت المنظمات الوطنية والدولية المعنية بمراقبة حسن سير عملية الانتخاب مثل هيئة مراقبة الانتخابات والاتحاد العام التونسي للشغل وكذلك البعثات الأوروبية كل استعدادها اللوجستي والبشري من أجل رصد المخالفات. كما خصصت هيئة الانتخابات أكثر من 10 آلاف مراقب لرصد المخالفات إلى جانب تأمين حراسة امنية مشددة على جميع مراكز الاقتراع بإشراف وزارة الداخلية. كما يتوقع ان يكون لمنظمات المجتمع المدني التونسية دور كبير في مراقبة الانتخابات مثل منظمات “عتيد” و”أنا يقظ” و”مراقبون” التي أعلنت عن نشر ثلاثة آلاف مراقب متطوع داخل تونس وخارجها. كما تم الإعلان عن تأسيس ائتلاف من أجل مراقبة شفافية الانتخابات يضم حوالي 28 منظمة محلية.
وتتولى كل من وزارة الدفاع ووزارة الداخلية عملية تأمين الانتخابات وقد أعلنت المؤسسة العسكرية انها ستقوم اليوم بتأمين أكثر من 4000 مركز اقتراع موزعة على مختلف ولايات الجمهورية وذلك بالتعاون مع وزارة الداخلية. وقد انطلقت عملية الاقتراع في الخارج منذ يوم الجمعة في 49 دولة في العالم. وتم تسجيل حوالي 387 ألف ناخب في حين خصصت هيئة الانتخابات 310 مكتب اقتراع. وقد أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن جهوزيتها التامة ليوم الحسم وعن افتتاح مكاتب الاقتراع أمام سبعة ملايين ناخب مسجلين سواء في داخل البلاد وخارجها. ولعل اللافت هو الإبقاء على المرشح نبيل القروي مسجونا بشبهة تبييض الأموال وهو ما يعد بنظر عديد المتابعين نقطة سوداء في هذه الانتخابات وسط اتهامات للحكومة ولخصوم المترشح بتسييس هذه التهم وذلك بسبب حصوله على مراتب متقدمة في استطلاعات الرأي المنشورة مؤخرا. وظل نبيل القروي أكثر ملف يثير الجدل في تونس وألقى بثقله على أجواء الحملة الانتخابية، فقد كان حاضرا بقوة رغم غيابه عن المناظرات التلفزيونية التي أعدت للمرشحين من أجل تقديم برامجهم مباشرة أمام الراي العام المحلي.
بازار سياسي
وطوال الأيام الماضية تحولت شوارع البلاد إلى ساحات للحملات الانتخابية فقد انتصبت خيام المرشحين في الساحات الرئيسية في المدن التونسية وتعالت منها أصوات الأغاني الوطنية التي يحاول خلالها المرشحون استقطاب الناخبين وإثارة عواطفهم الوطنية. في هذا السياق يقول الناشط السياسي مروان السراي لـ “القدس العربي” إن المرشح عبد الكريم الزبيدي يحاول استقطاب أبناء التيار البورقيبي والحداثي ولا يخفي إعجابه بقدرة الزعيم بورقيبة على التواصل مع الجماهير، لكن ذلك لا يمنع من القول إن عدم القدرة على الخطابة ليس سببا لإقصاء هذا المرشح الرئاسي أو ذاك.
وعن اتهامات البعض له بشأن عدم قدرته على الخطابة يضيف: “أن عددا كبيرا من الرؤساء والزعماء برعوا في مهامهم، رغم أنهم لم يكونوا خطباء وليس أدل على ذلك من الزعيم الجزائري الراحل هواري بومدين الذي نجح في بناء جزائر قوية ومنيعة مهابة من الجميع، مساندة لقضاياها القومية تلعب الأدوار الدبلوماسية البارزة من خلال الوساطات وفض النزاعات بالطرق السلمية.
وبالتالي فإن الحكم على عبد الكريم الزبيدي من خلال هذا المعطى فقط وتضخيمه، فيه تجن وظلم كبير له وهو المطلع على ملف الدفاع الوطني المرتبط شديد الارتباط بملف السياسة الخارجية وهو المطلوب من رئيس الجمهورية وفقا للدستور الجديد”.
انسحابات يوم الصمت الانتخابي
وما لفت النظر أيضا خلال يوم الصمت الانتخابي أمس هو انسحاب عدد من المرشحين لفائدة مرشحين آخرين، فمثلا أكد حزب “حركة مشروع تونس” انسحاب مرشحه محسن مرزوق من سباق الانتخابات الرئاسية المبكرة بشكل رسمي في خطوة لدعم المرشح المستقل عبد الكريم الزبيدي عقب مفاوضات ليل أول أمس. وقد سبق ان أعلن أيضا السياسي ورجل الأعمال سليم الرياحي الملاحق قضائيا والمتواجد خارج البلاد انسحابه من السباق الرئاسي بهدف دعم المرشح المستقل عبد الكريم الزبيدي. ويبدو أن الخماسي عبد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو ونبيل القروي ويوسف الشاهد ومهدي جمعة هم الأوفر حظا للمرور إلى الدور الثاني.
ويحظى الزبيدي وزير الدفاع الحالي، بدعم صريح من حزبي “آفاق تونس” و”حركة نداء تونس” الليبراليين إلى جانب “حركة مشروع تونس” وعدد من السياسيين المستقلين. في المقابل ينظر عديد المتابعين إلى مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو باعتباره من المرشحين الأوفر حظا للمرور للدور الثاني. فالمعروف عن حركة النهضة تقيد قواعدها والتزامها بمواقف وقرارات قياداتها، وهذا الالتزام الحزبي هو عامل مؤثر في عملية التصويت للمرشح مورو وهو ما يفتقده باقي المرشحين الحزبيين باعتبار أن باقي الأحزاب التونسية والتي تضع نفسها في خانة “الحداثية” تبدو مشتتة بين أكثر من مرشح رغم لجوء البعض إلى الانسحاب لصالح مرشحين آخرين في خطوة لتوحيد الأصوات في التيار الحداثي في اللحظات الأخيرة. كما يتمتع مورو بنظر الكثيرين بكاريزما وسمعة جيدة في مهنة المحاماة عدا عن نشاطه السياسي وتجربته العريقة في الميدان السياسي. وهذا ما يجعله من المنافسين الأقوياء.
ويقول هشام الحاجي الناشط السياسي لـ”القدس العربي” أنه “بقراءة متأنية للمشهد الانتخابي بعيدا عن العواطف بدا لي أن الشاهد يمكن أن يصل إلى قصر قرطاج شرط المرور إلى الدور الثاني .فلو فرضنا أنه مر إلى الدور الثاني مع مورو فإن القاعدة الانتخابية التي صوتت للباجي قائد السبسي في 2014 ستصوت للشاهد وقد سبق وانتصرت للرئيس الراحل في مواجهة المرزوقي.
ولو فرضنا أن الشاهد وصل إلى الدور الثاني مع مرشح آخر من التيار “الوسطي” أو “الحداثي” فإنه سينال أصوات عدد هام من مساندي هذا التيار تضاف إليهم أصوات النهضويين وهو ما سيرجح كفته. وهناك فرضية وحيدة لا يصل بمقتضاها الشاهد إلى قصر قرطاج وهي خروجه من الدور الأول”.
حظوظ المرأة
وترى الناشطة المدنية آمنة الشابي في حديثها لـ”القدس العربي” أن من الظواهر في الساحة السياسية التونسية أن يؤتى بشخص من التكنوقراط لم يمارس نشاطا سياسيا في السابق ولم يتمرس على العمل الحزبي فيتم تعيينه وزيرا أو في منصب أرفع. ثم تسعى طائفة من المتزلفين إلى إيهامه أنه زعيم فيؤسس حزبا يجد له التمويل من الجهة التي دفعت به إلى السياسة ومن رجال أعمال لديهم تجاوزات يسعون للاحتماء به في حال وصل إلى الحكم. ثم يلقون به في المحرقة أي الانتخابات الرئاسية”.
وتضيف: “أتمنى وصول امرأة يوما ما إلى قرطاج” وتابعت: “المهم أن يتجرد رئيس تونس القادم من أي انتماء سياسي أو فكري أو جهوي ويصبح رئيسا لجميع التونسيين دون استثناء خاصة وأن منصب رئيس الجمهورية بات سلطة معنوية وعنوانا لوحدة أبناء الخضراء لا غير”.
صعود الشعبوية
لقد بدا صعود الشعبوية لافتا خلال الحملات الانتخابية وهي حسب الناشط السياسي والحقوقي صبري الثابتي من الظواهر السلبية التي لفتت انتباهه خلال هذه الحملة الرئاسية ويقول لـ “القدس العربي”: “إن بعض المرشحين الشعبويين المجهولين من عموم التونسيين ارتأوا التعريف بأنفسهم من خلال خوض معارك وهمية دونكيشوتية”. ويضيف: “من الظواهر السلبية التي لفتت انتباهي أيضا خلال هذه الحملة كثرة تهجم مساندي مرشح رئاسي ما على باقي المترشحين والسعي إلى تشويه الخصوم بشتى السبل. المشكلة أن هؤلاء قد يضطرون في الدور الثاني إلى دعم من شتموهم وقذفوهم في الدور الأول وحينها لن يصبح لدعمهم أي مصداقية فمن شكر وذم فقد كذب مرتين”.
يوم 15 ايلول/سبتمبر سيظل عالقا في ذاكرة التونسيين بانتظار ما ستبوح به صناديق الاقتراع الليلة بشأن هوية حاكم قرطاج، ومعه شكل المشهد السياسي في البلاد خلال الأعوام الخمسة المقبلة.