صنعاء ـ «القدس العربي»: هل ارتباط الكتابة بالبيئة المحلية مسألة مهمة للكاتب، وما طبيعة هذه الأهمية، وكيف ينظر إليها الكاتب، وهل يستطيع الإفلات منها، متماهياً ببيئة وثقافة أخرى؟ أسئلة استطلعت من خلالها «القدس العربي» آراء عددٍ من الأدباء اليمنيين في الداخل والخارج؛ لعلنا نتعرّف عن قرب إلى طبيعة علاقة الكاتب ببيئته المحلية.
أحياناً حين يبتعد الكاتب عن بيئته المحلية قد يراها من زاوية نظر مختلفة. وهذا ما حدث معي، حين مكثت أربعين يوماً في مدينة آن آربور الأمريكية، ضمن منحة إقامة أدبية؛ فهذه النقلة من بيئة ثقافية محدودة إلى بيئة ثقافية متطورة، جعلتني أعيد حساباتي، وأفكر ما الذي يمكن مثلاً لكاتب مغمور جاء من الشرق أن يضيفه إلى الأدب، وما الجديد الذي لم يقله أدباء الغرب، ويمكن لكاتب شرقي أن يضيفه، وكيف يمكن التميز عن التيار العريض للأدب العالمي.. وهل يمكن بناء تقاليد أدبية مختلفة شرقية ـ إذا جاز التعبير- تُعبر عن هوية تلك الجغرافيا المختلفة.. كل هذه التساؤلات طرحتها على نفسي بوضوح وأنا منعزل في كوخ يبعد عن بلدي مسافة آلاف الكيلومترات.
لم تلح عليّ هذه التساؤلات بتلك الكثافة من قبل، فقد كنت أكتب داخل سياق أدبي معين ـ حداثي- بدون التفكير في السياق نفسه ومحاولة الخروج عنه.. وهذه مسألة دقيقة جداً، وقد يلتبس المعنى، لأن الابتعاد عن البيئة المحلية ـ اليمن- جعلني أكتشف أن الكتابة الأدبية الحداثية لا تعنيني، وأن هذا المعمار الغربي قد بلغ كماله الفني، وأن لا طائل من تقليده، لأن هذا يؤدي لأن يقول المثقف الغربي «هذه بضاعتنا رُدت إلينا» عندما يقرأ أدباً يمنياً حداثياً مكتوباً على منوال أساليب جيمس جويس وبروست وفوكنر. ولذلك توصلتُ إلى أن البيئة المحلية للكاتب تمتلك بداخلها منهجها الكتابي الخاص، ولكن هذا الوعي لم يكن ممكناً الوصول إليه وأنا داخل هذه البيئة المحلية، فالقُرب حجاب كما يُقال، لذلك كان لخروجي من هذه البيئة إلى بيئة مغايرة دور أساسي في فتح عينيّ على حقائق كانت غائبة عني، وفهم أنه من التناقض أن أكتب عن بيئة محلية لم تدخل العصر الصناعي بعد، بأدوات فنية متطورة جاءت في سياق التطور الصناعي للمجتمع الغربي. وهذا الاكتشاف المذهل – أن البيئة المحلية للكاتب هي سر تميزه- هو الجواب الذي لم أفصح عنه للأصدقاء الذين سألوني لماذا عدت لليمن التي تمزقها الصراعات، ولم أبق في الولايات المتحدة، لأن هذه الإجابة لن تفهمها سوى الأسماك التي ستكتفي بالصمت إذا ما سُئلت لماذا لا تعيش على اليابسة؟
الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه هو مجموعة كبيرة من المعاني التي تولد معنا وتكبر فينا، لذلك تظل أماكن الطفولة أهم بواعث الكتابة، فهي أكبر مخازن القلب، فيها تتخلق (النوستالجيا)، وتتوالد متواليات الحنين. جزء كبير من اشتغالاتي في الشعر أو توثيق التراث الشفاهي أو التصوف أو النقد الثقافي مصدرها زمن الطفولة الأولى في الجيلانية (قرية الكاتب) خاصة، وتهامة بشكل عام ، حيث سبقت طفولتي بداية الجناية الكبرى على المنظومة الثقافية اليمنية، تلك الجناية التي دُشنت عند مطلع الثمانينيات، بإطلاق أياد التيارات الدينية الطارئة كي تهدم وتدمر أجمل ما في حياتنا، كانت البيئة التهامية وقتذاك حاضنة ثرية لوجوه كثيرة من المظاهر الثقافية، لفنون تعرض نفسها كل يوم، ومشاهد لتجليات الثقافة الشعبية ومظاهر التدين الصوفي وطريقة تماهي الإنسان في البيئة وجيران فيها من طير وحيوان وشجر وحجر، كل ذلك فرض نفسه على اشتغالاتي وكان نبعاً يغذيها باستمرار.
عند مطلع التسعينيات جئتُ إلى صنعاء؛ فتحولتْ كلية الآداب ثم المشهد الثقافي بمنابره وفعالياته، التي ربما كنت الأكثر عيشاً فيها، إلى مورد آخر؛ ما شكل بيئة مماثلة لرفد التجربة والاشتغالات الكتابية التي مارستها، صنعاء حاضنة لتجارب الحب والزواج والأولاد، وهي مكان الكتابة والإنتاج والنضج، مكان الصحبة الأدبية والتفتح المعرفي الحقيقي، لذلك أقول إن وجدان الكاتب يظل مرتبطاً ببيئاته الأولى، وعندما يبتعد عن الوطن تظل اشتغالاته تدور في مدار البيئات التي شكلته داخل الوطن، حتى أحلامه ومناماته التي لا يملك الهيمنة عليها تظل رغم توالي سنوات البعد تدور في الوطن. الفارق أن الكتابة في حال البعد تأتي مشوبة بحنين أكثر، ثمة معنى مختلف للأماكن والبشر والفنون وسائر ما يمكن أن أكتب عنه، التوق والشوق يضيفان كثيراً، كمثال بسيط تجربة ديواني «أحمد نشم أزمنة الفارس ومآثره» كانت ستختلف كثيراً لو كنت بقرب أبي عند موته، وجع البعد جعل استحضاره قوياً ومشعاً، وجعل كتابتي عنه أكثر جمالاً وأكثر احتفالاً بأشيائه، وبكل ما يرتبط به في البيئة التهامية. بالتأكيد يستطيع الكاتب المحترف أن يكتب بعيداً عن بيئته والمواضيع المرتبطة بها، لكن سياق كتابته سيظل حافلاً بروائح تلك البيئات الأولى، وسيظل الوطن حاضراً بين حروفه بشكل دائم.
الوطن ومكان الولادة والبيئة المحلية تحديداً هما مفتاح الكتابة بكل ما يدور فيها، ولا يوجد كاتب خاض تجربة الكتابة إلا كانت بيئته المحلية هي الحاضر نصب عينيه، سواء كان هذا الكاتب داخل الوطن أو خارجه
الوطن، بالنسبة للكاتب، ليس ما هو مدون في بطاقة الهُوية؛ فهذه مسألة فيها نظر، لاسيما عندما يتحول الوطن إلى سجن كبير وملكية للمتسلطين وأمراء الحروب. وطني هو مجتمع عشته، وأفهمه، مجتمع يلهمني ما أكتب، أشعر بما يعانيه، أعبر عن آماله، وبالمعنى التقليدي لي أكثر من وطن. لكن أكثر سنوات عمري عشتها في اليمن؛ ولهذا اليمن كثقافة وبيئة وأحلام وتطلعات حاضر في جل كتاباتي. ومن الطبيعي أن يحضر اليمن في كتاباتي؛ فالكاتب ابن بيئته، واليمن يلهمني، وبيئة الكاتب لابد أن تكون حاضرة في ما يكتب، كما أجد من المهم أن أكتب عما يعانيه، وما يجب أن يتجاوزه هذا البلد من مشاكل، هذا البلد الذي عشت معه وفيه، وبه وعنه أكتب، ولهذا سيجد المتابع لما أكتب، اليمن بتاريخه حاضراً في رواية « ظلمة يائيل» ورواية «مملكة الجواري»، بل سيجد وقائع الأمس القريب في رواية «الثائر» ورواية «مُصحف أحمر».. و«حصن الزيدي» من حكم الأئمة إلى الاحتلال البريطاني والثورة، إلى ما نعيشه من تنكيل وتجويع وحروب، في عمل تحت الطبع بعنوان «بر الدناكل» ، وآخر في طور الكتابة عن مجتمع اليمن المعاصر.
تلك الرايات والأناشيد والحدود إقطاعات لوطن يخصهم. للكاتب وطن آخر هو المجتمع الذي عاش فيه ويلهمه، وطن فعلي يتجلى من خلال البيئة التي ولد وترعرع فيها صغيراً وتشكل فيها وعيه واستوعب فيها معاناته ومشاكله، ليس الوطن تلك البيانات المدونة على جواز السفر. ولدتُ في محافظة ذمار/ اليمن، في قرية جبلية، في مجتمع زراعي، ثم عشت سنوات من طفولتي في السودان، وسنوات من شبابي في السعودية، وأخيرا تنقلت بين عدة بلدان، فأي منها وطني وأنا أشعر بأنني أنتمي إلى تلك المجتمعات بنسب متفاوتة، وأي منها أقرب إلى وجداني، وإن كانت كلها. ولو وجه السؤال إلى محمد عبد الولي أو باكثير وحبيب السروري وأحمد عايض، وغيرهم ممن توزعت حيواتهم في أكثر من مجتمع، ماذا سيقولون عن تجاربهم الإبداعية وعلاقة كتاباتهم بالبيئة المحلية، وأجزم بأن ما سيقولوه سيختلف عمن عاش عمره في مجتمع واحد.
الوطن ومكان الولادة والبيئة المحلية تحديداً هما مفتاح الكتابة بكل ما يدور فيها، ولا يوجد كاتب خاض تجربة الكتابة إلا كانت بيئته المحلية هي الحاضر نصب عينيه، سواء كان هذا الكاتب داخل الوطن أو خارجه، فالوطن يظل يلاحق مخيلته وملكاته أينما ذهب، إلى جانب الاحتكاك في ما بعد وقراءة تجارب الآخرين. بالنسبة للإنتاج الكتابي خارج الوطن يعتمد على طبيعة حياة الكاتب، من واقع تجربتي في رواية «عقلان» الصادرة مؤخراً، أستطيع التأكيد على أنني لم أكتب منها هنا خلال أقل من عامين خارج اليمن حتى صفحة واحدة، كل الذي قمت به بعض الغربلة والحذف؛ لأن العمل جاهز بشكل كامل منذ عام 2016. اليوم أنا خارج الوطن بالكاد أكتب بعض التقارير والأخبار للصحافة والمواقع الإلكترونية، بمعنى أن لقمة العيش في المجتمعات العربية باستثناء قليل من الدول تظل هاجسا يؤرق الكاتب أينما ذهب. مدينة كالقاهرة ملهمة للكاتب القادم من خارجها بلا شك، لكن المعيشة بحاجة لمساحة ووقت كبيرين، ومع ذلك تظل محطة مهمة واجبارية. إجمالا البيئة الأولى هي بوابة الكتابة مهما كان، والكتابة خارج الوطن أمر مرتبط بالحالة النفسية والمعيشية بدرجة ثانية للكاتب، لأنه من غير الممكن التوقف إلا في حالات نادرة، فهي تظل حافزا جديدا لابد أن يستغلها الكاتب.
والكتابة عموماً خارج الوطن مَهمة ليست سهلة؛ لأن الكاتب إنسان في نهاية الأمر له مشاعره الخاصة، لذا تبقى أفكاره مختطفة وفكره شاردا هناك في بيئته ووطنه، خاصة إذا كان الوطن يمر بمنعطف مخيف ومعتم كالذي في اليمن.