إن قول (جلجامش) وهو يخاطب الإلهة (ننسون) قبل سفره إلى غابة الأرز «سأقضي على كل شر في الأرض، يمقته الإله شمش» والذي يوازي قول (أنكيدو) «لأصرخ وسط أوروك أنا الأقوى، وأنا الذي أغيّر المصائر». وهذا قد أحال الصراع بين جلجامش وأنكيدو بتحويله إلى الحياد، بعد دخول أنكيدو أوروك مع (شمخت) ومحاول دخول الملك إلى بيت العرائس كما تعود أن يفعل. كذلك الصراع بين أنكيدو والمعبد، وبين عشتار وأنكيدو من جهة أُخرى، خاصة بعد قتل الثور السماوي، لذا شكلت الإلهة موقفاً مضاداً منه وتضامناً مع آلهة المعبد، وهي ردة فعل لربها بفخذ الثور الأيمن، كذلك يُعد موقفاً مبدئياً ينصب فعله ضمن حقل الفكر والفكر المضاد في حاضرة أوروك. ممثلاً لصوت الألوهة المؤنثة، بعد قتل (خمبابا) في غابة الأرز. إن هذا الصراع لم تمس نتائجه جلجامش بقدر ما ألحق الضرر بأنكيدو، ولأسباب سياسية وفكرية بحتة ومعـرفية خالصة، ونعني بذلك تأثير البنية الذهنية على الملك بعـد التقائه بأنكيدو، فعشتار لم تستطع التأثير كمختلف بالملك سلبا أو إيجابا، باستثناء استجابة الآلهة في إنزال الثور السماوي، وهو آخر معاقل السلطة الأنثوية ـ كما ذكرنا.
ولعـل ما أبقى السلطة الأنثوية بقاء رمزيا أو معـنويا؛ هو (عـشبة الخلود) فالنص تعـامل مع هذا المـُغـيـّر المثالي بدقة وحذر، من أجل استبداله بخلود من نوع آخر. فبعـد الخلود المعـنوي حصل الخلود المادي. وهو نوع من تحييد الصراع أيضا مع رعايا الحاضرة من لدن جلجامش؛ بسبب تفتق الوعـي ومعـرفة السبيل المحقق للخلود. لكن سرقة الأفعى للعشبة كان نوعـا من الاكتفاء بالهيمنة المعـنوية من قبل سلطة الأنوثة المتمثلة بالأفعى بديلا عـن عـشتار. وهو مسعاها لسرقة النواميس. إن هذه الحيازة هي إرضاء معـنوي فحسب، أي هو نوع من التقهقر والقبول بالأمر الواقع من قبلها، وقبول ما حصل في البنية الموضوعـية لكل محركات الحياة في أوروك.
إننا إزاء جمــــلة صراعات هي محمولات الملحمـــة، سوف تجتــــهد القـــراءات اللاحقـــة في تشـــخيصها، لأن الملحمة نص غـــني وحامل لبنـــية مولدة للاجتهاد، وفي مساس في المتغيرات في كل زمان. منطلقة من تأثير التاريخ في كل مراحله على الآتي من الأزمنة .
فالآلهة عشتار عانت أيضا من الندم الذي سبّبه الفشل والهزيمة المعنوية، لذا فإنها أسفرت عن ندمها:
«وعشتار تصرخ مثل امرأة في المخاض/كانت سيدة الأرباب ذات الصوت الشجي تنحب/ حقا لقد رجعت الأيام إلى الطين/ لأنني نطقت بالشر في مجلس الأرباب/ فكيف أنطق أنا بالشر في مجلس الأرباب/ كيف أنطق بالحرب بتدمير أمتي/ أنا الذي ألد أمتي/مثل سرئان السمك يملئون البحر».
فالتضاد واضح من نتائج أفعال الأطراف، سواء من قبل عشتار، أو من خلال حكم الموت الذي أصدره مجلس الآلهة بحق أنكيدو، في عدم قبول وجود اثنين متكافئين في أوروك. والحقيقة استحالة وجود فاعل معرفي متمثلاً في أنكيدو الوافد إلى الحاضرة .وعلى العكس، أستمر خط سير الملك الذي اكتسب المعرفة الصحيحة المنعكس فعلها في إعـادة بناء المدينة وسورها المتين، ونبذ العادات التي تلحق الأذى بالرعايا، وتحسين العـلاقات مع دول الجوار. وغـير ذلك، ما أضفى عـلى هذا الصراع بين جلجامش وعـشتار أو سواهما؛ نوعـا ً من التأجيل أو القبول بالأمر الواقع .
لقد أسفرت الملحمة عـن جملة صراعات، شكلت أقطابها من ذوات مغيرة وفكر آخر مضاد ومجابه، وله محاولات الإحاطة بالمتقدم نحوه وإحباطه، لكن لاحظنا ثمة حسما نمّ عـن ذهن مخلق للنص، تميز بالحذر والتحوط في قول كل الحقائق، لاسيما وأنه إزاء مسألة سياسية واجتماعية وميثولوجية معـقدة، تحكم المنظومة في أوروك. ونقصد بها منظومة المعبد ومجلس الآلهة، وذلك واضح من التحفظ والتحوط اللذين يتحكمان بداخل النص وخارجه. ولعـل تغـييب اسم منشئ النص لدلالة قاطعـة عـلى مثل هذا الحذر، الذي يشير إلى تعـقيد الوضع السياسي حصرا، وانحسار الديمقراطية في الحوار، فالمنتج استخدم كل الوسائل المعـنية بإنشاء الملحمة، كالرموز، واستخدام العـلامات اللغـوية، والاختفاء وراء الأساطير والسـّير، وإضمار نصف الحقائق، والاكتفاء بالإيحاء ومشاركة المتلقي في فهم النص، وتأويل ثيماته وخفاياه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاعتماد عـلى أكثر من راو، واستخدام أساليب ومستويات متعـددة في السرد .
لعل الصراع بين الأضداد قد تشعب وشمل الكثير من حراك البنية القارّة للحاضرة، أي أنه حرّك البنية الساكنة، خاصة بنية رعايا أوروك الذي شكل موقفا ضد جوّر الملك وانتهاكه لنواميسهم، ما أوعز إلى الآلهة المخلقة (أورور) لخلق أنكيدو مركز الصراعات كلها في الملحمة، والتي كان لـ(سيدوري) صاحبة الحانة، رأي فيه.
إننا إزاء جمــــلة صراعات هي محمولات الملحمـــة، سوف تجتــــهد القـــراءات اللاحقـــة في تشـــخيصها، لأن الملحمة نص غـــني وحامل لبنـــية مولدة للاجتهاد، وفي مساس في المتغيرات في كل زمان. منطلقة من تأثير التاريخ في كل مراحله على الآتي من الأزمنة .
٭ ناقد عراقي