الشاعر الأمريكي إزرايا باوند المولود في مدينة صغيرة في ولاية آيداهو عام 1885 والمتوفي في فينسيا في إيطاليا عام 1972، قد شغل الناس من المعنييّن بالشعر الحديث في أمريكا وأوروبا، وقليلاً في بلادنا العربية في ستينات القرن الماضي، حتماً لم يملأ الدنيا. كان بعض الأدباء في بلادنا يحاذرون الحديث عنه كثيراً، تحسّباً أن يكون يهودياً، لأن أسمه يذكر في “العهد القديم” في أخبار الأيام كما يشكل عنوان سفر كامل من أسفاره. لكن الواقع أن الشاعر من أسرة مسيحية من أتباع “الكنيسة المسيحية” وهي فرقة من كنيسة البروتستانت، ترجع أصولها إلى المهاجرين البيوريتان من بريطانيا في القرن السابع عشر.
درس إزرا في عدد من الكليات الجامعية ومنها جامعة بنسلفانيا، لكنه لم يثبت على حال في دراساته، إذ توزع بين دراسة اللغات الكلاسية وآدابها، إلى جانب الأدب الإنكليزي والتاريخ الأمريكي. وتمكن من تسع لغات يقرأ بها ويترجم عنها، مثل الإنكليزية القديمة (الإنكلوسكسونية) التي ترجم عنها قصيدة “جواب البحار”. وقد درس لغة بروفنس، لغة الشعراء التروبادور (الجوّالين) في القرن الثاني عشر، وكتب عن أبرز شعرائها آرنو دانيال المفضل عند إليوت.
في عام 1908 غادر الشاعر بلاده ليقيم في لندن وبعدها في إيطاليا، قائلا إن لا ضمان لاستقرار الفنون والآداب في أمريكا، وأن أوروبا هي الملاذ لتطور الفنون والآداب. وقد سبقه إلى ذلك أدباء كبار جاءوا من أمريكا إلى أوروبا في بدايات القرن العشرين، مثل همنغواي، وت.س.إليوت وآخرين. كان الشاعر يهوى التعليم كثيراً، فدرس في لندن وراح ينشر قصائد ودراسات نقدية سرعان ما جعلت منه أبرز أمريكي بين أدباء عصره من الإنكليز. لكنه إلى جانب هذا كلّه كان يحمل أفكاراً يصرح بها في العلن، وهي انتقاده الشديد للرأسمالية العالمية، والأمريكية بشكل خاص، ويرى أن الحرب العالمية الأولى التي تورطت بها بلاده سببها “الربا” الذي يراه في صورة اليهودي من نسل “شايلوك” في مسرحية شكسبير. وكان يصّرح أن شرور العالم كله مصدرها اليهود. وقد أدّى استمراره في هذا الطريق أن وجهت إليه تهمة “اللاسامية” إلى جانب تهمة “الخيانة” بسبب انتقاداته اللاذعة لرئيس الولايات المتحدة روزفلت مع جميع الرؤساء الذين دعموا الحروب، ومُشعليها اليهود بأموالهم، كما كان يصرّح عن تلك القناعات التي تسببت في سجنه والإقامة في مستشفى الأمراض العقلية في واشنطن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقيام الجيش الأمريكي بإلقاء القبض عليه في إيطاليا، ونقله ليحاكم في واشنطن بتهمة الخيانة، ولا يستبعَدُ أن المحرّك وراء ذلك كله هو موقفه من اليهود. إضافة إلى هذه التُهم، كانت تصرفات الشاعر في إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية تؤلّب الرأي العام الأمريكي عليه، فقد كان مُعجباً بالزعيم الفاشستي موسوليني ويراه فنّاناً وشاعراً قبل أن يكون زعيماً سياسياً. فقد تعاون مع الحكومة بإذاعة أحاديث من راديو روما تمجدّ بالزعيم موسوليني، ولا تقتصرّ في مديح هتلر. كل هذا قاد الشاعر إلى اثنتي عشرة سنة في مستشفى الأمراض العقلية، إلى أن استطاع أصدقاؤه من الأدباء التوسط لإطلاق سراحه. لكنه في محبسه في “قفص حديدي في العراء” في إيطاليا، كما في محبسه في واشنطن، لم يتوقف عن كتابة الشعر، وإطلاق الأحكام النقدية عن الشعر والشعراء. من ذلك قوله: “الكتّاب الجيدون هم أولئك الذين يُبقون على تأثير لغتهم، أي يُبقون دقيقة وواضحة” ومنه كذلك قوله: “ليس بمقدور امرىء أن يفهم كتاباً بعمق ما لم يكن قد رأى أو عاش شيئاً من محتواه”.
وفي لندن، في بدايات القرن العشرين كان باوند يُعين الشعراء ويدافع عن الأدباء بحماسة وصدق. فقد كان يعين الشاعر الإيرلندي بيتس في نشر أعماله، كما كان يعين همنغواي الذي كان معجبا بشعر باوند وبخاصة “الأناشيد” التي بلغت 46 قصيدة طويلة بين 1916-1969، وقال إنها “ستبقى ما بقي في العالم شيء اسمه الأدب”. وكان من ساعد إليوت في نشر أولى قصائده في مجلة “شعر” الأمريكية. أما مساعدته في مراجعة وتنقيح قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب” فقد دفعت بصاحبها أن يهدي صورتها المنقّحة إلى “إزرا باوند، الصانع الأمهر” وهي عبارة دانتي في مديح الشاعر البروفنسي آرنو دانيال.
من غرائب هذا الشاعر أنه، إلى جانب القصائد الطوال مثل “الأناشيد” نجده يحتفظ “بالقصائد” ذات السطرين وحسب، ويحتفظ بتاريخها بين 1913،1916 مثل:
خيال هذه الوجوه في الزحام
أوراق وردٍ، على غصنٍ أسود بليل.
وهي صورة من “مترو باريس” في محطة ليلية كما تبدو من خلف النافذة. أو كما في “قصيدة” من سطرين بعنوان فرنسي “الفن 1910” ويحتفظ بتاريخها، من دون تغيير ولا تنقيح: 1914-1916:
زرنيخ أخضر يلوّث قماشة بيضاء كالبيضة
وتوت أحمر معصور
تعال لنُمتّع عيوننا.
ولا يمكن تجاوز مسعى الشاعر في إيجاد وتطوير أسلوب “الصوَريّة” وليس التصويرية، كما شاع خطأ. كان هذا بالتعاون مع الشاعرة الأمريكية هيلدا دولتل التي قدمت إلى لندن وتعاونت مع الشاعر في تطوير فكرة مؤدّاها أن الصورة يجب أن تقدم مقام الفكرة والعبارات الإنشائية والصفات. ونجد هذا على أوضح في شعر إليوت، بدءاً من “بروفروك” و”مقدمات” تلك القصائد الأربع القصيرة التي تشبه المقدمات الموسيقية، التي سوف تتطور لاحقاً في “الأرض اليباب”.
هذا مثال من شعر باوند المبكّر، في قصيدة بعنوان “ممثّل” يعود تاريخها إلى 1909:
لم يجرؤ أحد أن يكتب هذا الشيء حتى الآن،
ومع ذلك فأنا أعلم كيف أن أرواح جميع الرجال العظام
تمرّ من خلالنا أحياناً،
ونحن ذهبٌ نُنصَهِرٌ فيهم، ولسنا
من أرواحهم سوى تأملاً.
وهكذا أكون دانتي لبعض الوقت
وأكون فرانسوا فيّون سيد الغناء القصصي، واللصّ،
أو أكون مثل أحد المقدسين الذين لن أذكرهم
خشية أن يلتصق التجديف بإسمي،
وهذا لبُرهة ثم يغيب اللهيب.
برزت فكرة الصورية في الأساس عند باوند من دراسته الشعر الصيني والياباني حيث تكون الكلمة تحوي معانيها. وبعد إليوت انتشر الأسلوب الصوري في الشعر الحديث، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1948 نشُرت “الأناشيد” فترسخت سمعة باوند شاعراً، وكرمته مكتبة الكونغرس بجائزة أثارت كثيراً من اللغط حول منحها للشاعر. لكن شعر باوند صار يصدر طبعات متلاحقة، ويزداد الحديث النقدي عن أعمال شاعر شغل الناس وكاد أن يملأ دنيا الأدب.
وفي شعرنا العربي الحديث نجد السياب يكثر من استعمال الصورية حدّ الإفراط:
عصافير أم صبية تمرحُ/ عليها سناً من غدٍ يلمح…
ومثل ذلك نجده في شعر البياتي الذي إضافة إلى الإفراط في الصورية نجد أبيات شعره المتطاولة المفعمة بالإحالات، تكسبُ الصورية لمسةً من الأصالة.