الباحث التونسي في الفكر والحضارة بسام الجمل: نتائج الانتخابات الرئاسيّة التونسية تعكس فشل النخبة في إقناع جمهور الناخبين ببرامجها السياسيّة

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
0

بسّام الجمل، هو أستاذ في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة (جامعة صفاقس) وعضو عامل في المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”. مهتمّ بقضايا علوم القرآن والمتخيّل الديني والدراسات القرآنيّة. ويرى في حديثه لـ “القدس العربي” ان نتائج الانتخابات الرئاسيّة تعكس حقيقة المشهد السياسي السائد اليوم في تونس. والذي تميّز بفشل النخبة السياسيّة، في إقناع جمهور الناخبين ببرامجها السياسيّة. معتبرا ان الديمقراطية التونسية الناشئة عرضة اليوم لتحديات عديدة. ويشدد على ضرورة تجديد الفكر الديني ولكن من خارج المؤسّسة الدينيّة التقليديّة الممجّدة للتراث عموما. يشار إلى أن الجمل لديه عدة مؤلفات في مجال الفكر والإسلاميات والمجتمع والتراث والهوية وانشغل بدراسة المتخيّل الديني.

*ما قراءتكم لنتائج الانتخابات الرئاسية، هل نحن أمام مشهد سياسي جديد وثورة شعبية جديدة لكن من خلال التصويت وما ستكون نتائجها وانعكاساتها؟

**تعكس نتائج الانتخابات الرئاسيّة حقيقة المشهد السياسي السائد اليوم في تونس. هذا المشهد تميّز بفشل النخبة السياسيّة، خاصّة منها من مارس الفعل السياسي في الحكومات المتعاقبة منذ ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011، في إقناع جمهور الناخبين ببرامجها السياسيّة. لقد أفاقت تلك النخبة على صدمة مدويّة أصابتها في مقتل. فكانت نتيجة التصويب مخيّبة لآمالها العريضة ولما روّجته من وعود في الاقتصاد والتنمية والسياسة الخارجيّة والأمن القومي. وهذا الوضع تداخلت عدّة عوامل في حدوثه، منها النرجسيّة الطاغية على عموم المترشّحين، فكلّ واحد منهم يرى نفسه جديرا بتولّي منصب رئاسة الجمهوريّة التونسيّة حتّى وإن انتسب أكثر من مترشّح إلى نفس العائلة السياسيّة سواء أكانت يساريّة أم تقدّميّة “وسطيّة” أم إسلاميّة سياسيّة. ثمّ إنّ المترشّحين بالغوا في مناوراتهم السياسيّة وغالطوا الناخبين وذلك بأن نسبوا إلى صلاحيّاتهم الرئاسيّة ما لا يسمح به الدستور التونسي وما لم ينطق به أبدا من قبيل الادعاء بأنّ الأمن القومي يشمل الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن السِيبِرْني والأمن الاجتماعي… إلخ. ومثل هذه المغالطات لم تنطل، فيما اعتقد، على الناخبين وخاصّة منهم القطاع غير المنتمي إلى أيّ حزب من الأحزاب السياسيّة الموجودة اليوم في تونس. وفضلا عن ذلك، فإنّ شريحة مهمّة من الناخبين هم جيل الشباب الذي كان سنّه عند قيام الثورة التونسيّة في حدود عشر سنوات. وهذا الجيل، الذي يجيد التعامل مع الوسائط الرقميّة ويعوّل كثيرا على الذكاء الاصطناعي في بناء علاقاته وتواصله الاجتماعي، لا تعنيه السياسة بمفهومها الكلاسيكي والتقليدي الذي يقوم على البرامج العريضة من جهة وعلى إجراء حوارات مطوّلة مع المترشّحين من جهة أخرى. إنّه جيل يبحث عن الفعاليّة السياسيّة وعلى المنجز البراغماتي من الشأن السياسي. كلّ ذلك يفسّر لماذا اختار حوالي ستّمئة ألف ناخب من الشباب (عمره بين 18 و25 سنة) المترشّح قيس سعيّد للمرور إلى الدور الثاني من الانتخابات. فهذا المترشّح لم يعتمد على ماكينة حزبيّة ولا على تمويلات كبيرة، ولكنّه اعتمد على شبكة التواصل الاجتماعي حين دعّمته مجموعة كبيرة من الشباب وصوّتت لصالحه. والرأي عندي أنّ قيس سعيّد ربّما كان يدرك أنّ هامش الفعل السياسي بمعناه التقليدي قد تقلّص وهو في طريقة ربّما إلى الاندثار، فهذا الفعل انتهى وجوده مع سياسييّن كبار مثل فرانسوا ميتران ومارغريت تاتشر ونيكسون وبورقيبة وغيرهم. أمّا المترشّح الآخر الذي مرّ إلى الدور الثاني، وهو نبيل القروي، فقد استفاد من الأعمال الخيريّة التي قام بها من خلال القناة التلفزيّونية التي يملكها، إذ كان يتّصل على امتداد سنوات بالفئات المهمّشة اجتماعيّا في الداخل التونسي (خاصّة في الشمال الغربي وفي الجنوب الغربي) أي إنّه قام بالدور الذي من المفروض أن تقوم به الدولة ممثّلة في الحكومات المتعاقبة منذ الثورة وما قبلها. وهذا ما يفسّر أنّ الذين صوّتوا لفائدته هم من سكّان تلك المناطق وهم من فئة عمريّة متقدّمة في السنّ (من خمسين سنة فما فوق) ولم يحصّلوا أيّ مستوى تعليمي، فهم أمّيون بالمعنى التقليدي القديم للأميّة (المفهوم الجديد للأميّة اليوم هو الذي لا يتقن إلاّ اللغة الأصليّة التي نشأ عليها).

ومهما يكن من أمر، فأنا لا أعتقد أنّنا أمام ثورة شعبيّة جديدة حدثت عن طريق التصويت. فنتائج الانتخابات الرئاسيّة سبق أن توقّعتها مراكز سبر الآراء قبل مدّة من وقوع الانتخابات. ولئن حقّقت الثورة التونسيّة بعض المكاسب المهمّة في مجالات الحرّيات والإعلام والعمل السياسي، إذ نجحت الهيئة العليا للانتخابات التونسيّة في أن تجرى الانتخابات الأخيرة بكلّ شفافيّة ونزاهة وحريّة، فإنّ الدرس الذي يمكن استخلاصه هو إلى أيّ مدى يمكن أن تفيد الحريّة والديمقراطيّة في مجتمع لا يزال قطاع مهمّ منه محافظا ولا يحسن قراءة ما وراء الخطابات السياسيّة المصرّح بها. فحين يريد هذا القطاع معاقبة النخبة السياسيّة فإنّه ربّما يدفع الثمن باهظا لاحقا حين يتيح الفرصة لمن لم يختبر الشأن السياسي كي يمارسه من دون أن نعرف جيّدا برنامجه الانتخابي ومن يقف وراءه داعما ومع من سيتحالف. فهناك الآن على الأقل استشعار لمخاوف حقيقيّة ممّا يمكن أن تؤول إليه الانتخابات الرئاسيّة في دورها الثاني من نتائج على مختلف الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وأنا لا أعتقد أنّه حين يدعّم هذا الحزب أو ذاك أحد المترشّحيْن أنّ ذلك من باب المصلحة العليا للوطن فحسب. فنظريّا لا تقدّم الأحزاب دعمها مجّانا أو كأنّه صكّ على بياض. فوراء كلّ دعم مصالح ومآرب شتّى ربّما لا ترتقي في الغالب إلى ما ينشده عموم الشعب التونسي من حريّة حقيقيّة ومن ممارسة ديمقراطيّة في المجال السياسي وفي المجال العامّ.

*ملفّ الحريات الفرديّة والمساواة في الإرث لطالما كان موضوعا جدليّا في تونس ونجده أيضا مؤثرا في الدعاية الانتخابية للمرشّحين، فكيف تفسرون ذلك؟

**هذا الملفّ مهمّ جدّا الآن وهنا، لأنّ ردود الفعل عليه متعدّدة ومتناقضة. فهناك من ينتصر لمبدأ الحريّات الفرديّة وللمساواة في الميراث، وهناك بالمقابل من يدعو إلى التمسّك ما قرّرته المدوّنات الفقهيّة من أحكام في الحريّات والميراث تعويلا على قراءات أو تأويلات معيّنة لعدد من آيات المصحف. والجدير بالملاحظة أنّ المحترزين من التقرير الذي أعدّته “لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة” في حزيران/يونيو 2018 لم يبدوا رأيا في الحرّيات الفرديّة، على أهمّيتها وقيمتها في الواقع الراهن، الواردة في التقرير بقدر ما ركّزوا اهتمامهم على مسألة المساواة في الميراث. إذ رأوا في الدعوة إلى تلك المساواة تخليّا صريحا وسافرا عن الآيات القرآنيّة “قطعيّة الدلالة”، وهو ما لا يمكن القبول به أو حتّى فتح باب النقاش أو الحوار بشأنه. ولكن من يطّلع على التقرير يدرك جيّدا أنّه أشار مثلا إلى أنّ الحالات التي ترث فيها المرأة نصف ما يرث الرجل هي فقط أربع حالات من جملة حوالي ثلاثين حالة. ولكن هذا العدد القليل من تلك الحالات التي يكون فيها للمرأة نصف ما يرث الرجل هي أكثر الحالات شيوعيا سوسيولوجيّا لأنّها تغطّي حوالي 80 في المئة من حالات الميراث. وهذه الحقيقة التاريخيّة تزعج كثيرا المعترضين على التقرير. وفضلا عن ذلك فإنّ من المقترحات التي يقدّمها ذلك التقرير أنّه ترك حرّية التصرّف في الميراث لمن يحقّ له التصرّف فيه. فإذا أرادت المرأة أن تأخذ نصف ما يرث شقيقها فلها ذلك، ولكن إذا ما طالبت بأن يكون نصيبها مساويا لنصيب شقيقها فعندئذ توفّر لها الدولة هذا الحقّ وتمكّنها منه وفق الصيغ القانونيّة المعمول بها.

ونظرا إلى أهميّة الملفّ المذكور فقد تمّ توظيفه من المترشّحين للانتخابات الرئاسيّة ويتمّ توظيفه الآن في الانتخابات التشريعيّة من خلال برامج المترشّحين المتحزّبين أو المستقلّين على حدّ سواء. فهناك من كان صريحا في تبنّي مضمون التقرير، وهناك من عبّر عن رفضه الصريح له، وهناك طرف آخر آثر إبداء الرأي فيه والتزم الصمت بشأنه. وتعبّر مختلف هذه المواقف عن قراءات معيّنة لما سيترتّب عليها من استتباعات على عدد الناخبين المدعّمين لأحد تلك المواقف. فكلّ موقف قد يوفّر أصواتا مهمّة من مجموع الناخبين، مثلما يمكن أن يكون سببا في خسارة عدد من الأصوات. ومن ثمّ فإنّ الرهان على هذا الملفّ من المترشّحين مهمّ جدّا، وهو يكشف في تقديري عن مرجعيّات خطاباتهم السياسيّة والفكريّة والدينيّة. وهذه المرجعيّات إن كانت تخفى على عدد من الناخبين فإنّها لا تخفى البتّة على من يقوم بتحليل تلك الخطابات من أهل الاختصاص.

*ما أبرز التحديات اليوم أمام الديمقراطية التونسية الوليدة؟

**التحدّيات عديدة وبعضها لا يخلو من خطورة. فكلّ ديمقراطيّة وليدة تكون هشّة وعرضة لاهتزازات محتملة ومن ثمّ يمكن كتم أنفاسها أو الالتفاف عليها عبر عمليّات سياسيّة ممنهجة. بعبارة أخرى إنّ الديمقراطيات الناشئة، وخاصّة في حال التجربة التونسيّة، قد تتعثّر في مسارها في سياق التاريخ وفي الممارسة ضمن إكراهات الواقع وضغوط الاجتماع وأحوال العمران وحتّى التجاذبات السياسيّة والمماحكات الحزبيّة، كلّ ذلك ضمن شبكة معقدّة ومتداخلة من العلاقات الاجتماعيّة وغيرها. لذا على القائمين على الشأن السياسي وعلى النخبة المثقّفة وعلى ممثّلي المجتمع المدني أن يساهموا جميعا في التماس أقوم المسالك المفضية لتحقيق ديمقراطيّة حقيقيّة، وهذا يحتاج إلى وقت وإلى جهد كبير من أجل تحديث الذهنيّات وإشاعة الوعي بقيم المواطنة واحترام قيم حقوق الإنسان وهي اليوم معدودة من القيم الكونيّة التي تخترق الثقافات والأجناس والأديان. فالديمقراطيّة تترسّخ بواسطة الممارسة السياسيّة السليمة التي تعبّر عن إرادة الشعب، وهي إرادة ينبغي احترامها وتقديرها حقّ قدرها، ولكن لا يفوتنا التنبيه إلى أنّ هذه الإرادة يمكن أن تضلّ الطريق إذا كانت صادرة عن جماعة أو أغلبيّة تفتقر إلى حدّ أدنى من الثقافة السياسيّة ومن الوعي السياسي ومن القدرة على تشكيل رأي عام يحقّق طموحاتها في تحقيق الحريّة والمساواة والكرامة. لذلك نرى أنّ الديمقراطيّة في تونس هي أمام اختبارات صعبة وتحدّيات حقيقيّة لا يمكن تخطّيها بسهولة أو في حيّز زمني قصير. صحيح أنّ الجمهوريّة التونسيّة الثانيّة وُفّقت في كتابة دستور جديد، ولكن المهمّ في ذلك كلّه هو احترام ما فيه من أحكام ومبادئ من ناحية، والعمل بها في واقع الناس حتّى تحصل الفائدة منه من ناحية أخرى. هناك إذن مكاسب مهمّة متعلّقة بالديمقراطيّة تحقّقت في تونس ما بعد الثورة، ولكن لا تزال عدّة عراقيل تنتصب في مسار ترسيخها، وأحسن مثال على ذلك عجز القائمين على الشأن السياسي في تونس على انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة التي تتولّى مراقبة دستوريّة القوانين.

*من خلال دراساتكم للفكر الإسلامي …إلى أيّ مدى نحن نحتاج إلى تجديد الفكر الديني؟

**إنّ مقالة “تجديد الفكر الديني” استحالت شعارا ترفعه مختلف المؤسّسات الدينيّة التقليديّة أو عدد من دعاة التجديد اليوم سواء ضمن مشاريع عمل جماعيّة أو من خلال مبادرات فرديّة. ولكن ينبغي الاتفاق أوّلا عن دلالات التجديد: هل يعني القطع مع التراث الديني أم يدلّ على إعادة قراءة الفكر الديني في ضوء متطلّبات العصر وشواغل المسلم المعاصر مثلا؟ هل للتجديد ضوابط وشروط تحميه من خطر “إعادة إنتاج” المعرفة القديمة التي تجاوزها الزمان ولم تعد لها من قيمة سوى القيمة التاريخيّة؟ ثمّ ما هي المعايير التي يمكن الاحتكام إليها في تعيين مجالات معيّنة من الفكر الديني تحتاج حقّا إلى تجديد؟ بعبارة أخرى هل من جدوى اليوم مثلا من تجديد الفقه الإسلامي أو أصوله؟ لقد سبق للشيخ أمين الخولي أن كتب منذ سنة 1933 مقالا بعنوان “التجديد في الدين”، ودعا محمّد إقبال منذ الثلث الأوّل من القرن العشرين إلى “تجديد الفكر الديني في الإسلام”. لقد كان الراحل نصر حامد أبوزيد محقّا حينما اعتبر “التجديد حاجة دائمة، سيرورة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة بدونه تتجمّد الحياة وتدخل الثقافات نفق الاندثار والموت”. وفعلا فإنّنا نحتاج اليوم إلى تجديد الفكر الديني ولكن من خارج المؤسّسة الدينيّة التقليديّة الممجّدة للتراث عموما والمحترزة من قراءته قراءة نقديّة خشية التفريط فيه جزئيّا أو كلّيا. لذا ينبغي أن يتسلّح مجدّدو الفكر الديني بمناهج علميّة حديثة ومعاصرة في مقارباتهم مستمدّة من العلوم الإنسانيّة والأنثروبولوجيا وعلوم اللسان وغيرها. ومن المعلوم اليوم تعدّد مشاريع تجديد الفكر الإسلامي، وهذا التعدّد أفضى إلى مراكمة كميّة ومعرفيّة لا يمكن إنكارها، ومن ثمّ فهي تحتاج إلى تقييم نقدي وبيان وجوه التقاطع بينها أو مظاهر التميّز فيها وما يمكن أن تفتحه من آفاق جديدة في التعامل مع الفكر الديني عموما. لا بدّ في تقديري من إنجاز تجديد حقيقي للفكر الديني عموما وللفكر الإسلامي خصوصا، وذلك بخوض مغامرة التجديد على أسس علميّة صرف ودون أيّ مسبقات أو مسلّمات دينيّة، وهو تجديد يستحضر بلا شكّ هموم المسلم المعاصر المتعلّقة بالتنمية والعمل والمواطنة والكرامة وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعيّة. ولا بدّ أيضا من امتلاك الجرأة الكافية للتخلّي عند الاقتضاء عن مجالات في الفكر الديني لم يعد لها اليوم من مسوّغ من نحو العلوم النقليّة الموروثة عن السلف لأنّها أدّت أدوارها فيما مضى من الزمان، وقد يُحوج الوضع الإبستيمي للمعرفة اليوم إلى إحالتها على التقاعد.

*لماذا تتفشى أفكار العنف والتطرف في العالم العربي عوض الأفكار التنويرية؟

**هناك عدّة عوامل تفسّر استشراء مظاهر العنف والتطرّف في العالم العربي، منها العامل السياسي المتعلّق بطبيعة الأنظمة السياسيّة السائدة في عديد الدول العربيّة، وهي أنظمة لم تتخلّص من ممارسة الاستبداد وما يترتّب عليه من قضاء على الحريّات الفرديّة والجماعيّة، وهناك العامل الاجتماعي، فالعديد من المجتمعات العربيّة تعاني من تفاوت طبقي فاحش ولا تزال حدّته في تصاعد مستمرّ بسبب الحيف في توزيع الثروات وما ترتّب عليه من تهميش وتفقير لقطاع عريض من تلك المجتمعات، وهو ما يوفّر بيئة ملائمة لانتشار دعوات إلى ممارسة العنف والتطرّف حتّى ضدّ الدول نفسها. أضف إلى ذلك العامل الديني، فكلّ منظومة دينيّة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ومن ثمّ تعمل على ترويج مقالات دينيّة يغلب عليها التعصّب الديني أو المذهبي وتتّصف بالوثوقيّة والدوغمائيّة. وتعبر عن أنّ الدين، مثلما يفهمه القيّمون عليه باعتبارهم متصرّفين في المقدّس، يوفّر الحلول الناجعة لتخطّي ما في المجتمعات العربيّة الإسلامية من بؤس وفقر وتهميش تسبّبت فيه الدولة الوطنيّة وأرباب السياسة. كلّ تلك العوامل تفسّر، إلى حدّ ما، أسباب شيوع ثقافة العنف والتطرّف في المجتمعات العربيّة عموما. لذا انسدّت كلّ السبل المؤدّية إلى وجود فكر تنويري يؤمن بالقيم الحديثة، قيم المواطنة وقيم حقوق الإنسان، قيم حقّ الاختلاف والحريّة والمساواة على نحو ما ذكرنا سابقا. ولكن مهما يكن من أمر، فإنّ المجتمعات العربيّة مدعوةّ اليوم، خاصّة بعد ما يُعرف بـ “ثورات الربيع العربي” إلى أن تؤمن بالفكر التنويري وأن تعمل على تفعيله في الواقع عبر منظومات التربية في الأسرة والعائلة، وعبر سياسات تعليميّة جديدة تعلّم الناشئة روح الأنوار. وهنا لابدّ من أجل تحقيق ذلك أن تكون هناك إرادة سياسيّة صادقة في تبنّي مشروع الفكر التنويري وفي توفير كلّ مستلزماته وشروط نجاحه وتنفيذه في واقع تلك المجتمعات. ومن أوكد شروط تحقيق ذلك المشروع هو فكّ الارتباط بين الدين والسياسة بشكل نهائي، إذ لا مجال لتحقيق أيّ تنوير في مجتمع يهيمن عليه الإسلام السياسي أو الفكر الأصولي المنغلق والإقصائي بطبيعته.

*لماذا لم يتقدّم الفكر العربي وما سبب الجمود وكيف نصنع نهضتنا العربية رغم الحروب الدائرة؟

**لا يمكن للفكر العربي أن يتقدّم ما دام لم يُصَفِّ حسابه مع التراث بمختلف أنماطه (التراث الديني، التراث الأدبي…)، وما دام لم يستوعب مقتضيات الحداثة في آن معا. لقد كان مشروع النهضة العربيّة الحديثة على امتداد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين واعدا بتحقيق التقدّم في مجال الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي بالخصوص. ولكن هذا المشروع لم يكتب له الاستمرار أو النجاح لأسباب عديدة منها وقوع عديد البلدان العربيّة تحت نير الاستعمار الأجنبي، ومنها شيوع الجهل. وفضلا عن ذلك فشلت السياسات المتّبعة في ظلّ الدولة الوطنيّة في تبنّي مشاريع فكريّة قائمة على أسس علميّة، إذ لم تكن مؤمنة بجدواها وبمردوديتها. ومن المؤكّد أنّ هزيمة حزيران سنة 1967 فتحت عيون جيل من المثقّفين العرب على واقع النكسة، فانبروا يفكّرون في مشروع نهضة عربيّة ثانية تهتمّ في المقام الأوّل بتحديث العقل العربي (حسن صعب) أو بنقد العقل العربي (محمّد عابد الجابري) أو بتجديد العقل العربي (زكي نجيب محمود) أو لاحقا بنقد العقل الإسلامي (محمّد أركون). ثمّ إنّ من شروط تحقيق الحداثة الفكريّة هو تأسيس وعي حداثي قادر على ممارسة النقد المستمرّ لذاته. الحداثة فلسفة وممارسة وفعاليّة في الواقع التاريخي، هذه الفلسفة هي تعبير عن مشروع في سيرورة دائمة ومراجعات مستمرّة. وهي أيضا فلسفة تؤمن بالعقل التعدّدي وبالاختلاف وبالغيريّة وبالنسبيّة في العلوم والمعارف. إنّها فلسفة منغرسة في نسيج التاريخ الحيّ والمعيش.

لذلك كلّه، نرى إمكانات صناعة نهضة عربيّة معاصرة متاحة متى تمّ التخطيط الجيّد لها من أطراف شتّى ولكنّها متكاملة في تحقيق الهدف المنشود. ومن أهمّ تلك الأطراف الدولة الوطنيّة ومنظّمات المجتمع المدني المهتمّة بالشأن الفكري أو الثقافي والنخبة المثقّفة من مفكّرين وجامعيّين وغيرهم. بعبارة أخرى ينبغي مأسسة تلك الصناعة وتخليصها من كلّ أشكال الارتجال أو المبادرات الفرديّة رغم صدق نوايا أصحابها. فكلّ مأسسة، حسب أطروحة الفيلسوف اليوناني الفرنسي كاستورياديس، تحتاج إلى توفّر ثلاثة أطراف: الهيكل المنظّم، معايير المأسسة وقوانينها، الأعوان الفاعلون.

*هل تحدّثنا عن أبرز كتبكم ودراساتكم حول المجتمع والتراث والهوية والنتائج والمقاربات العلمية التي توصلتم اليها؟

**إنّ اهتمامي الأساسي انصبّ في مرحلة إنجاز أطروحة الدكتوراه على أحد أهمّ العلوم الإسلامية الدائرة على نصّ المصحف، وهو علم أسباب نزول القرآن. فقاربته مقاربة تاريخيّة نقديّة تتخطّى بالضرورة القراءة الإيمانيّة التمجيديّة لذاك العلم من جهة، وتتجاوز أيضا القراءة الوضعانيّة التي تهمّش منتجات المتخيّل الديني وتجليّات المقدّس والإلاهي والمظاهر الطقوسيّة. ولعلّ من أبرز النتائج التي خلصتُ إليها في هذا العمل الجامعي المحوري في مسيرتي العلميّة المتواضعة هو إقامة الدليل على أنّ تسعة أعشار آيات المصحف ليست لها أسباب نزول معروفة. ثمّ أنّ حوالي 80 في المئة من تلك الأسباب تهمّ آيات الأخبار على عكس الانطباع الشائع في الدراسات القديمة والحديثة من أنّ أسباب النزول متعلّقة بآيات الأحكام. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ أخبار أسباب النزول لا تخبر في الغالب عمّا حصل في الواقع التاريخيّ من أحداث في مرحلة الوحي، بل تعكس تمثّل علماء القرآن والمفسِّرين لها. ومن البديهيّ أن يكون هذا التمثّل متأثّراً بأحوالهم الاجتماعيّة ومشاغلهم المعرفيّة ومعبِّراً في الوقت نفسه عن آفاقهم الذهنيّة وعن همومهم التاريخيّة عموماً. وبناءً على ما تقدّم اقترحتُ طريقة قد تساعد الدارس المعاصر على التعامل النقديّ مع أخبار أسباب النزول مفادها تحكيم آيات المصحف في الأخبار لا العكس مثلما هو متداول في أدبيّات أسباب النزول. ومتى أُخِذَ بهذا المقترح، فإنّه يحتاج إلى إعادة النظر في ما يُنْشَر اليوم من تفاسير قرآنيّة عديدة اعتُمِدَتْ فيها أخبار أسباب النزول ـ بالشكل الذي استقرّت عليه في المصادر القديمة – مدخلاً أساسيًّا إلى تأويل آيات المصحف. وواصلت الاهتمام بمختلف علوم القرآن من خلال إشرافي العلمي على مشروع بحث صدر سنة 2018 تحت عنوان “علوم القرآن في الإبستيميّة المعاصرة: مقاربة تفكيكيّة نقديّة”، وهو مشروع تبنّته مشكورة مؤسّسة “مؤمنون بلا حدود” للدراسات والأبحاث.

ثمّ اشتغلت على “الإسلام السنّي” ضمن مشروع بحثي أشرف عليه أستاذي الجليل عبد المجيد الشرفي وهو بعنوان “الإسلام واحدا ومتعدّدا”. وكان رهاني الأساسيّ من هذا التأليف هو أن أضع الفكر السُنّيّ في سياقه التاريخيّ بكلّ أبعاده الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. ولم أستبعد التأثير العميق الذي أحدثه هذا السياق في تشكّل الفكر السُنّيّ وفي تعيين قسماته المميّزة. ولا شكّ في أنّ إلمامي بتاريخيّة الإسلام السُنّيّ ساعدني على ضبط أهمّ الأسس التي قام عليها. وضمن هذا التوجّه تنزّلت دراستي للمرتكزات الأربعة التي انبنى عليها الإسلام السُنّيّ، وهي الحديث / السُنّة أوّلاً، والإجماع ثانياً، والسُنّة التأويليّة ثالثاً، والمنظومة الفقهيّة رابعاً. وأفضى بي البحث لاحقا إلى تعيين أهمّ خصائص الإسلام السنّي، وهي أيضا أربع أساسيّة هي التالية: التمثّل والإسقاط بالعودة إلى الأخبار الدائرة على كيفيّة تقبّل النبيّ للوحي وللمعجزات المنسوبة إليه أوّلا، والمثل الأعلى والتبرير استناداً إلى قضيّة الخلافة في الإسلام بين المثال والواقع من ناحية وصورة الصحابة من خلال “الأنموذج العُمَريّ” من ناحية أخرى ثانيا، وتسييج الاختلاف والتأويل في مجالات الفقه والقراءات والتأويل القرآنيّ ثالثا، والوثوقيّة والدغمائيّة تعويلاً على مقالتين أولاهما الإلزام في الفقه والعقيدة، وثانيتهما التقليد رابعا وأخيرا.

وانكببت لاحقا على سؤال المتخيّل الديني، وهذا ما تجلوه عدّة أعمال من كتب ودراسات منها على سبيل المثال كتاب “ليلة القدر في المتخيّل الإسلامي” وكتاب “جدل التاريخ والمتخيّل: سيرة فاطمة” ودراسة مطوّلة بعنوان “رمزيّة اليد اليمنى في المتخيّل الإسلامي”، فضلا عن دراسة أخرى بعنوان “في المتخيّل الديني” عرّفتُ فيها بالمتخيّل الديني ورصدت فيها أيضا أهمّ خصائصه ووظائفه، فضلا عن تعيين أهمّ الأصول المولدّة له وقد حصرتها في الثالوث: الكسل والبخل والأمل.

*ما أبرز مؤلفاتكم المقبلة؟

**لقد توجّهت همّتي في البحث منذ ثلاث سنوات إلى تخصّص علمي دقيق وصعب مداره على “الدراسات القرآنيّة”، وهذا الانتقال في مسيرتي البحثيّة أراه تطوّرا طبيعيّا، إذ انتقلت من دراسة النصوص الثواني الدائرة على القرآن إلى دراسة القرآن رأسا. ولمّا كان حقل الدراسات القرآنيّة واسعا، فإنّي وجّهت جهدي إلى الاطلاع على أبرز كتابات المستشرقين الكلاسيكيّين والجدد المندرجة في باب المعجم القرآني، وسعيت إلى تقييم تحليلاتهم الفيلولوجيّة لذاك المعجم، وخاصّة منه المعجم الدخيل. وأعتقد أنّ القيام بالتحريّات الفيلولوجيّة للمعجم القرآني ستحمل الدارسين وقرّاء القرآن على إعادة النظر في الموروث التفسيري وفي التأويلات القرآنيّة التي اكتسبت صفة الثبات والصحّة بفعل الزمان. فكلمة “كوثر” لم تعد تعني نهرا في الجنّة بل تعني “الطهر” لأنّ أصل الكلمة يوناني وهو “كاثارسيس” (يمكن هنا مراجعة كتابات يوسف الصدّيق). ولا شكّ في أنّ لهذه الفحوص الفيلوجيّة انعكاسات على ما يمكن أن يصدر من تفاسير قرآنيّة معاصرة أو من ترجمات القرآن. فهناك أفق جديد وفّرته الدراسات القرآنيّة من أجل إعادة النظر في معاني عديد الكلمات القرآنيّة مثل “كنود” و”جبت” و”طاغوت” و”هاوية” و”أبابيل” و”سِجّيل” و”رقيم” و”صراط”. لذلك فإنّ أملي معقود على القيام بتحرّيات فيلولوجيّة على مفردات قرآنيّة لم يتّفق أهل التفسير على معانيها وافترقوا في تأويلها وبيان معانيها افتراقا لا مزيد عليه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية