القاهرة ـ «القدس العربي»: دخول المفاوضات الثلاثية الخاصة بسد النهضة الإثيوبي طريقا مسدودا، أجبر الحكومة المصرية على إعلان تفاصيل الخلافات مع أديس أبابا، وخطتها للتعامل مع الأزمة أمام الشعب، من خلال إعلان بيان في البرلمان عن آخر ما توصلت إليه المفاوضات.
سامح شكري وزير الخارجية المصري قال إن «الجانب الإثيوبي تشدد ولم يتجاوب مع سعي مصر الحثيث للحفاظ على حق 105 ملايين مصري مع الحفاظ على حق إثيوبيا في التنمية»
وأضاف في كلمته أمام البرلمان المصري أمس الأربعاء، أن «إثيوبيا أعلنت عن استعدادها لمناقشة قواعد ملء السد على المدى البعيد، ما يعد انتهاكاً صريحاً لاتفاق إعلان المبادئ الذي وقع عام 2015 في الخرطوم».
وأكد أنه «على مدار أربع سنوات من النقاش التزمت مصر بكافة القواعد التي تم إرساؤها خلال النقاشات، منها الحفاظ على حق الغير في التنمية، وعلى ضرورة التعامل بحسن نية، وأن يكون السد لتوليد الكهرباء فقط، مع الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، ما لم تلتزم به إثيوبيا».
وتابع: «في الوقت الذي نعاني فيه من فقر مائي، هناك ثورة مائية كبيرة فى إثيوبيا لديها 10 أحواض أنهار بخلاف الأمطار»، مشيراً إلى أن» لجنة الخبراء الدولية نصت في المادة العاشرة على أنه في حال نشوب خلاف ويستعصى حله، فيمكن إحالة الأمر لوسيط». مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، قال إن «مصر تطلب تدخل وسيط دولي للوصول إلى طريقة توافقية، لحل تعثر مفاوضات سد النهضة مع الجانب الإثيوبي، بعد التشدد الذي أظهرته أديس أبابا خلال المفاوضات الأخيرة».
ووجه حديثه للشعب المصري: «أطمئن الشعب أن الدولة بكل مؤسساتها ملتزمون بالحفاظ على الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، سواء بالوسائل السياسية والفنية والتشاور الكامل، ودعم كل جسور التعاون مع إثيوبيا والسودان للوصول إلى توافق معهم، بشرط ألا تؤثر على حقوق مصر التاريخية».
وشرح الموقف الراهن بشأن المفاوضات الجارية حول سد النهضة مع الجانب الإثيوبي، مؤكداً أن «إثيوبيا قامت بإعلان أحادي بالشروع في إنشاء السد في 2011 مستغلة في ذلك الاضطرابات التي شهدتها مصر وقتذاك في إشارة الى إحداث ثورة 25 يناير/ كانون الثاني «2011.
تشدد أثيوبي
وتابع: «مع ذلك قامت مصر بمساع كبيرة في التفاوض والمناقشة والحوار مع الأشقاء في إثيوبيا والسودان، رغم أن كل المواثيق الدولية وضعت أسسا تؤكد أن أي إعلان عن تنفيذ مشروع يجب أن يتم بالتشاور مع الدول المتأثرة من إنشاء هذا المشروع، لكن نتيجة اضطرابات 2011 في مصر بدأت إثيوبيا باتخاذ خطوات تنفيذية بشكل أحادي».
وأضاف أنه «منذ تولي القيادة السياسية الحكم في 2014 بدأ العمل الجاد على كل الأصعدة، السياسية والدبلوماسية في هذا الشأن، الى جانب تشكيل فريق عمل من وزارة الري وخيرة الخبراء المصريين في مجال المياه، والذين مثلوا الوفد المصري في التفاوض مع الجانب الإثيوبي منذ 2015».
وزاد: «تم التوافق على مجموعة من النقاط، من بينها أن يكون هناك خبراء دوليون لوضع معايير فنية لهذا المشروع، خبيران من كل دولة من الدول الثلاث و4 خبراء دوليين مستقلين، وهذه اللجنة طلبت عمل دراستين فنيتين للتأكد من مدى تأثير بناء السد على الدول الثلاث، الأولى كانت تتلعق بالآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية على دولتي المصب، والثانية كانت خاصة بتدفقات النيل الأزرق على مجرى نهر النيل، وبعد انتهاء هذا التقرير بدأت مصر عدة مسارات سواء سياسية ودبلوماسية أو فنية، فكان التوقيع على إعلان المبادىء بين الدول الثلاث في آذار/ مارس 2015، وهذا الإعلان نص على مجموعة من الثوابت تؤكد ضرورة إنهاء الدراسات»، مشيراً إلى أن «كل الدراسات تكاليفها على مصر والسودان فقط، رغم أنها من المفترض أنها مسؤولية الجانب الإثيوبي، إلا أن مصر فعلت ذلك لإبداء حسن النوايا في الموضع».
أديس أبابا ترفض اقتراح القاهرة بإطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام
ولفت إلى أن «من هذه الدراسات انبثق عدد من اللجان السياسية والفنية، وبعد السير في هذا المسار كان هناك نوع من الرفض من الجانب الإثيوبي حتى للتقارير الأولية لهذه اللجان، ولكن حرصاً من مصر على عدم تعسر المفاوضات تم التوافق على تشكيل لجنة علمية من الدول الثلاث تضع أسس ومعايير التعامل مع قضية سد النهضة».
وأوضح أن «مصر واجهت العديد من العقبات من الجانب الإثيوبي، وتابعت مصر ما وصلت إليه الجلسة الأخيرة من المفاوضات التي شهدت تشددا من الجانب الإثيوبي على بعض الثوابت، وبدأوا يتراجعون عنها، وكل هذه الجوانب تتعلق بملء السد وفترة وآلية الملء وما بعد الملء وتشغيل السد باعتبارها ستكون آلية مستدامة بعد أن يكون السد قد أصبح حقيقة واقعة».
مصلحة الدول الثلاث
وأضاف أن «مصر وفقاً لاتفاق إعلان المبادىء الذي كان ينص على أنه في حالة عدم توافق الدول على الآليات الفنية للملء يكون هناك وسيط دولي يضع الأسس والمعايير لتحقيق مصلحة الدول الثلاث، إلا أن الجانب الإثيوبي عاد وطلب إعطاء وقت آخر للجان العلمية، إلا أن مصر وجدت أنه من المناسب أن تكون هناك وقفة وتدخل بصورة عاجلة لدخول وسيط دولي، خاصة بعد أن أعلن الجانب الإثيوبي عن بدء التشغيل التجريبي للسد في 2020».
وتابع: «لا يزال الجانب الإثيوبي يطالب بمنح مجال أطول للتفاوض، ولكن من المناسب الآن وقفة وأن يكون هناك وسيط دولي طالما ان الجانب الإثيوبي لا يرضى بالتوافق». وأكد رئيس مجلس الوزراء أن «الدولة تعمل على اتخاذ ما يلزم لتنمية موارد المياه، ونستهدف أن نقلل احتياجاتنا من المياه لكل مواطن مصري أخذا في الاعتبار الزيادة السكانية».
وأكد أن «مصر اليوم وفقا للتعاريف الدولية للفقر المائي، دخلت في مرحلة ما يطلق عليه الفقر المائي».
وبين أنه «وفقا للتعريفات الدولية فإن أي دولة تدخل في الفقر المائي عندما يصبح نصيب الفرد أقل من ألف متر مكعب في السنة»، قائلا: «اليوم مواردنا 55.5 مليار مكعب من نهر النيل، مع استغلال الموارد الأخرى من أمطار ومياه جوفية وتحلية مياه وغيرها، نصل إلى نحو 70 مليار متر مكعب أو أكثر قليلا، واليوم نصيب الفرد في مصر أصبح 700 متر مكعب في السنة، وكلما ارتفعت الزيادة السكانية يقل نصيب الفرد من المياه، حيث يتم توزيعها على عدد السكان الموجودين».
وزاد : «مصر وضعت رؤية واستراتجية مستقبلية لإدارة وتنمية المياه حتى عام 2037، بتكلفة تقدر بـ 900 مليار جنيه، لمحاولة تعظيم موارد المياه في مصر».
واستطرد رئيس الحكومة: «خلال أقل من 3 سنوات، نفذنا من هذه الخطة مشروعات بـ110 مليارات جنيه تحملتها الدولة المصرية خلال الـ3 سنوات الماضية لتنفيذ المشروعات، وكل هذه مصاريف نضعها على عاتقنا ونتحملها، وهو ما يؤكد نوايانا الطيبة مع كل أشقائنا فى دول حوض النيل، وأننا على استعداد أن نتحمل بعض الجوانب من جانبنا على أساس أن من حق هذه الدول إقامة مشروعات تنموية في بلادهم».
وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، كشف عن أن مصر بدأت في 2008 تمويل أول دراسة تفصيلية في إثيوبيا من البنك الدولي.
وأضاف في كلمته أمام البرلمان «في 2011 أثناء عمل الدراسة، فوجئت مصر بإعلان إثيوبيا البدء في بناء سد آخر». وتابع: «نحن لا نقلق من بناء السدود، ولكن ما نطالب به هو التنسيق».
وأشار إلى أن «ما يقلق مصر في موضوع سد النهضة هو عمليات الملء والتفريغ، خصوصا في فترة الجفاف»، مضيفا «نحن أعلى دولة في كفاءة استخدام المياه بنسبة 90٪، لأننا نستخدم المياه أكثر من مرة».
نقطة خلاف
في المقابل، كشفت وزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية، عن أن اقتراح مصر بإطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام والمتعلق بشأن سد النهضة، أصبح نقطة خلاف بين البلدين. وقالت في ندوة نظمها مكتب المجلس الوطني لتنسيق المشاركة العامة لدعم سد النهضة، إن اقتراح مصر يُعتبر عبورا للخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا. وناقشت الندوة الوضع الحالي للمشروع وآخر التطورات في الاجتماع الثلاثي الذي جمع مختلف أصحاب المصلحة، حيث أطلع تفيرا بين، مستشار شؤون الأنهار الحدودية في وزارة المياه والري والطاقة، المشاركين لى سلسلة المحادثات الثلاثية بين إثيوبيا والسودان ومصر.
وأكد أن مصر اقترحت إطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام، وإطلاق المزيد من المياه عندما يكون سد أسوان أقل من 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ودعت طرفًا رابعاً في المناقشات بين الدول الثلاث.
ورفضت إثيوبيا الاقتراح لأن بناء السد هو مسألة بقاء وسيادة وطنية، وقال تيفيرا إن الاقتراح عبر أيضا الخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا.
وقالت الوزارة أخيرا إن النهج المصري الجديد فيما يتعلق بالسد هو إنكار لا مبرر له للتقدم المحرز في الحوار التقني الثلاثي وينتهك الاتفاق الذي وقعته البلدان الثلاثة في عام 2015.
وفي وقت سابق أعلنت إثيوبيا حرصها على استمرار التفاوض بين كل من الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة حول الجوانب الفنية لـسد النهضة، ونادت الى النظر الى الجوانب الموجبة من قيام السد بالنسبة لإثيوبيا ولكل من السودان ومصر. وشددت أن الهدف من قيام السد بالنسبة لها يظل ثابتا وهو إنتاج طاقة كهربائية لازمة للتنمية ومحاربة الفقر.
ونفى سيليشي بيكيلي وزير الري الإثيوبي، أن تكون المفاوضات الثلاثية التي جرت في الخرطوم حول سد النهضة بين السودان وإثيوبيا ومصر قد وصلت الى طريق مسدود؛ بل ستتواصل باعتبار أن المقترحات التي قدمت تظل قيد الدراسة والتحليل من كل طرف.
وبدأت إثيوبيا عملية بناء سد النهضة في نهر النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية السودانية، في 2 أبريل/ نيسان 2011. ويثير هذا المشروع الذي لم يتم إنجازه بعد، قلقا كبيرا لدى مصر، التي تخشى من أن يؤدي تنفيذه إلى تقليل كميات المياه المتدفقة إليها من مرتفعات الحبشة عبر السودان، فيما تقول أديس أبابا، إن السد الذي تبلغ استثماراته 4.8 مليار دولار لن يكون له تأثير قوي على مصر.