وسيم قلعجية في: “روسيا الاوراسية كقوة عظمى”: لماذا تتمتع موسكو بعلاقات طبيعية مع دول متخاصمة في الشرق الأوسط؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

كيف يمكن تفسير الدعم الروسي القوي للنظامين السوري والإيراني، من جهة، والعلاقة الوثيقة والوطيدة بين روسيا (بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين) مع المملكة العربية السعودية وإسرائيل، من جهة أخرى؟

هذا سؤال في الإمكان محاولة الرد عليه لدى قراءة كتاب صَدَر مؤخراً للدكتور وسيم قلعجية بعنوان: “روسيا الاوراسية كقوة عظمى” قدم له المسؤول الروسي ميخائيل بوغدانوف، الممثل الشخصي للرئيس فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط، ويوري شافرانك رئيس الصندوق الروسي للطاقة والسياسة العالمية.

يقول بوغدانوف في تقديمه للكتاب إن الدكتور قلعجية، الحائز على جائزة يفغيني بريماكوف الدولية، أوضح وشرح كيف أن “بلدنا روسيا عاد مرة أخرى ليلعب دوراً في سوق الطاقة العالمي كقطب دولي مؤثر مع استعادة توازن القوى في العالم الذي تعطل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي”. ويضيف: “يستعرض هذا الكتاب كيف انه منذ أن تم اكتشاف ثروات النفط والغاز في الشرق الأوسط وهذه المنطقة تعيش حالة من الحروب والانقسامات السياسية”. ويدعو بوغدانوف إلى إعادة بناء النظام العالمي المعاصر وإلى “إعادة توجيه العلاقات الدولية نحو طابع متعدد القطبية بعد مرحلة الحرب الباردة وما تلاها من محاولات أمريكية لإرساء قواعد هيمنتها على العالم” (ص 15 ـ 16).

انطلاقاً من الفصل الثاني من الكتاب، يوضح المؤلف أسباب الأهمية الجيوسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنسبة إلى روسيا الاوراسية في ظل قيادة الرئيس فلاديمير بوتين قائلا “تعمل روسيا الاوراسية على تكوين محاور جيوبوليتيكية جديدة منها محور موسكو ـ طهران، الذي يحقق لروسيا، المفتقرة للمنافذ البحرية على المياه الدافئة، التمدد والوصول إلى الخليج العربي” كما “تحاول موسكو الاستفادة من الموقع الإيراني في لعبة الصراع مع واشنطن ضمن خطة تتضمن اعترافاً عملياً بضعف موقع روسيا النسبي في منطقة الشرق الأوسط مقارنةً مع موقع الولايات المتحدة الأمريكية”. وبالتالي، فإن روسيا “لا تنظر إلى إيران كخصم، بل كشريك وحليف استراتيجي سيساعدها على تحدي القوة الأمريكية وعلى إيجاد عالم متعدد الأقطار وإضعاف حلف الشمال الأطلسي وتكوين حلف سياسي عسكري مضاد يكون موازياً للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، تشكل سوريا نقطة ارتكازه” (ص 91).

ويضيف الكاتب: “ليس هناك أدنى شك أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب على نحو أحادي من الاتفاقية النووية مع إيران من شأنه أن يوجه صفعة قوية للاقتصاد الإيراني على المدى القصير، ولكن هذه الخطوة ستؤدي إلى إضعاف هيمنة واشنطن على الساحة العالمية، وإلى مزيد من الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا التي تريد استمرار العلاقات التجارية مع طهران. كما أن هذه العقوبات قد تمنح روسيا والصين فرصة لتحدي الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي حيث يتوقع أن تواصل هاتان الدولتان تتبع الفرص الاستثمارية في إيران والبحث عن طرق فعالة للالتفاف على العقوبات الأمريكية” (ص 93).

أما بالنسبة إلى علاقة روسيا بوتين بالنظام السوري، فيستشهد الكاتب بتحليلات وطروحات المفكر الروسي الكسندر دوغين القائلة بإن “تخلي روسيا الاوراسية عن سوريا هو نهاية العالم المتعدد الأقطاب”. ويضيف قلعجية قائلا: “يعتبرُ قادة الكرملين أن سوريا هي مفتاح السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وليس العراق كما توقع وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن بأول” (ص 122).

بيد أن المؤلف يشير في الصفحة نفسها إلى واقعية وبراغماتية الرئيس بوتين بنظره حيث يقول إن “بوتين يدرك بأن موسكو لن تحل في محل واشنطن في الشرق الأوسط، ولكن انحسار الدور الأمريكي في المنطقة سيساعد في تسخين العلاقات العربية تحديداً مع موسكو”.

وفي إشارة إلى تعاطف الكاتب مع الموقف الروسي إزاء النظام السوري الحالي يقول: “إن موقف روسيا الاتحادية من سوريا يشكل منطلقاً أساسياً لتعزيز الثقة في روسيا كشريك في ظل رفض روسيا التنازل عن سوريا ونظامها المتحالف معها كلقمة سائغة لمحاور إقليمية، أو للغرب” (ص 123).

وقبل الانتقال إلى تحليلات ومواقف الكاتب حول علاقة موسكو بالنظام السعودي الحالي، تجدر الإشارة إلى ان الكتاب برغم احتوائه معلومات قيمة وأبحاثا متعمقة تساهم في توضيح توجهات النظام الروسي الحالي، فإنه يفتقد إلى النقد المتوازن والموضوعي لسياسات النظام الروسي “البوتيني” التي يصفها بـ”البراغماتية الواقعية” ولكنها قد تبدو تناقضية “مكيافيلية” تعطي أفضلية كاملة لسياسة مصالح روسيا على حساب السياسات التي تأخذ في الاعتبار مصالح الدول التي يتم التعامل معها.

وقد تُطرح تساؤلات حول عدم تحفظ الكاتب لتعامل روسيا الوثيق مع أنظمة قمعية إقليمية، كإسرائيل وبعض حلفائها العرب في الشرق الأوسط وإدراج هذا الموضوع كأمر عادي براغماتي متغاضياً عن معاملة الكيان الإسرائيلي القمعية والوحشية للشعب الفلسطيني وتجاوزها لحقوقه كما وردت في نصوص الاتفاقيات والشرائع الدولية (باستثناء فيتوات موسكو في مجلس الأمن لدعم فلسطين).

ويبدو من مقاربة هذا الكتاب عموماً أن تحقيق مصالح روسيا هو (في معظم الأحيان) أهم من التوجه لدفع إسرائيل وحلفائها في المنطقة لتحقيق العدالة والسلام العادل في فلسطين عبر ممارسة الضغط الكبير عليهم. كما أنه في الفصل التاسع من الكتاب، يعتبر الكاتب أن “زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو في 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 (وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها ملك سعودي لروسيا) شكلت منعطفاً في السياسة الخارجية السعودية وإحدى المؤشرات المهمة على تغير هذه السياسة ورغبة سعودية في امتلاك المزيد من الخيارات والتوازن في علاقاتها مع القوى الدولية” (ص 380). ويرى أن “هذا المنطق البراغماتي ساهم في تعزيز العلاقات السعودية مع روسيا خصوصاً في المجال البترولي، في مرحلة كانت الولايات المتحدة تمارس سياسات نفطية سلبية إزاء المملكة السعودية”.

فأمريكا في رأي الكاتب وبعد تزايد إنتاجها من البترول الصخري، أصبحت إحدى أكبر الدول المصدرة للنفط ولم تعد مرتاحة إلى هيمنة منظمة “أوبك” على سوق النفط العالمي وعلى كميات الإنتاج لهذه الطاقة التي تؤثر على ارتفاع أو هبوط الأسعار. كما ان الولايات المتحدة، حسب قول الكاتب، تقلصت حاجتها لاستيراد النفط السعودي وبالتالي فضلت القيادة السياسية الأمريكية الحالية أن تكون قضية أسعار النفط ليست محصورة في قرارات منظمة “أوبك” التي تشكل السعودية ركيزة أساسية لها.

أما روسيا ففضلت في رأي الكاتب، التعاون نفطياً مع السعودية ومع “أوبك” بحيث أصبحت موسكو “عضواً غير معلن في أوبك”.

وبالتالي، أدى التعاون النفطي الروسي ـ السعودي إلى تعاون سياسي بين البلدين، بحيث يرى قلعجية أن “روسيا في حاجة إلى السعودية بما تمثله في العالم العربي لتعزيز دور موسكو المستجد في المنطقة من خلال البوابة السورية ومحاولة ملء الفراغ الذي تركه الانكفاء الأمريكي وتجيير هذا الانكفاء لصالح روسيا الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأوروبا” (ص 381). ويستشهد المؤلف في الصفحة نفسها بقول لوزير الدولة للشؤون الخارجية السعودية عادل الجبير بإن: “السعودية تعمل مع روسيا على تقريب موقفينا من أجل السلام في سوريا. وفي هذا إشارة واضحة إلى تغير ما في الموقف السعودي تجاه الأزمة هناك” (في رأي الجبير).

والسؤال المهم، في رأي الكاتب، هو: “هل تتقبل واشنطن ما يبدو أنه انعطافة غير مسبوقة في علاقات الرياض بموسكو؟ وماذا سيكون تأثير ذلك على علاقات الرياض مع واشنطن؟” ويجيب: “قد لا ترتاح واشنطن لما حصل، لكنها تدرك أن السعودية لن تتعامل مع موسكو على حساب علاقتها معها”. “إن السياسة الخارجية السعودية تتسم بالبراغماتية وليست رهينة لعلاقة الرياض مع الولايات المتحدة الأمريكية” (ص 382) أي أنها منفتحة نحو موسكو.

وفي السياق نفسه، يشير الكاتب إلى بداية “تعاون روسي ـ سعودي لحل الأزمة السورية بالإضافة إلى توافق كبير بين الدولتين في الشأن النفطي”. وهذا الأمر ناتج (في رأيه) عن “ارتباك الموقف الأمريكي الرسمي في عهد جورج بوش الأبن وباراك أوباما إزاء الأوضاع في المنطقة.

ويعتبر قلعجية أن العلاقة الروسية ـ السعودية ستتحسن إلى درجة أكبر إذا نجح بوتين في المساهمة في “ضبط التدخلات الإيرانية في شؤون دول الخليج العربي، وفي تحجيم سياسات إيران الهجومية في الشرق الأوسط” (ص 384).

ويستطرد الكاتب في عرض الموقف حول ارتباط التقارب الروسي ـ السعودي في المساهمة في حل الأزمة السورية بالقول: “ليس من مصلحة السعودية أن تعتمد موسكو على إيران وتركيا وحدهما للمساهمة في حل الأزمة السورية”.

وبالنتيجة يحاول الكاتب تصوير الأمور بشكل متفائل يتناسب ويتوافق مع الزيارة التي يقوم بها بوتين إلى السعودية في هذه المرحلة. ولكن هذا التفاؤل قد يتناقض مع ملاحظاته في الفصول الأولى من الكتاب حول أهمية إيران وسوريا بالنسبة للمصالح الاستراتيجية الروسية (التي ذُكرت في مطلع هذا المقال).

يبقى ان كتاب قلعجية مهم كمرجع مفيد للمعلومات عن سياسات موسكو البراغماتية في الشرق الأوسط من جانب كاتب متعاطف مع هذه السياسات برغم تناقضاتها في بعض المجالات.

وسيم خليل قلعجية: “روسيا الاوراسية كقوة عُظمى

الدار العربية للعلوم (ناشرون) بيروت 2019

582  صفحة.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية