رواية السوري مازن عرفة “سرير على الجبهة”: فانتازيا تعرية المستور بمشرط السخرية والعوالم الموازية

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

في روايته الجديدة “سرير على الجبهة” يُعطي الروائي السوري مازن عرفة شخصياتِه شرابَ الحقيقة بكأس السخرية، لتنطق بما تَستُر من أحلامٍ وأفعالٍ ومخازٍ؛ ويضَعُها في شاشة أفلامِ كرتون ضخمة، وداخلَ عوالم موازية؛ لتتحرّكَ، وتتشظّى، وتخلقَ عالماً سوريالياً فانتازياً عجائبياً، بأحداثه وشخصياته ومسوخه. العرض ظاهر ويتكشف، بعمق القراءة وانصدام النفس بالنفس، عن عالمٍ واقعي مهول للمأساة السورية التي لم تستطع الشاشات التي تتابعها، عرض هول ما فعله النظام السوري فيها، من ذبحٍ وتقطيعٍ وتعذيبٍ وتهجيرٍ وخنقٍ بغاز السارين وبيعِ ممتلكاتٍ وأعضاءٍ لأجساد الرجال والنساء والأطفال؛ وما فعله من تزييف غيرِ مجدٍ لهذا الواقع خلال سنوات الثورة ومظاهراتها السلمية بشكل خاص.

بدءاً من عنوانها السوريالي “سرير على الجبهة”، الذي يتكشّف عن واقعٍ حقيقي، تتحرك الرواية بجنونِ تحويل الجنود شقّة مواطن سوري إلى جبهة عسكرية، وجنون تحويل مازن عرفة هذه الشقة، من خلال حياة وذكريات ورغبات وأحلام يقظة هذا المواطن، إلى بلدٍ تتحرك فيه عوالمُ التاريخ التي خلقته، وحياةُ أهله قبل وخلال مأساة قمع النظام للثورة، كما يُقيم فيها تركيبه الإنساني المبدع لبلد الحلم الإنساني العلماني الديمقراطي الذي تشوّه على مدى جغرافية العالم برؤية الإله التوراتي الذكوري الممتد في المسيحية والإسلام لعيش الإنسان.

ويفعل مازن عرفة ذلك بخلق بنيةٍ مفتوحة يتوالى فيها ستة وتسعون فصلاً قصيراً بأرقام، مع فصل منفصل بعنوان “إضاءة بمثابة خاتمة”، يوضح فيه الروائي الأساس الواقعي لروايته، ويمكن جمع الفصول العديدة وتقسيمها إلى سبعةٍ تتوالى الأحداثُ ويتنوعُ السردُ فيها إلى:

– فصل أول يحتل أكثر من نصف الرواية، وتتحرّك فيه شخصية الرجل السارد الوحيد، بشقّته الواقعة في ساحة مدينةٍ سورية حدودية مع إسرائيل؛ وأحداث قَطْع تخطيطه لمضاجعة زوجته يوم الخميس، من عسكر النظام السوري، الذين يحتلون الشقة بوجوده وعائلته فيها، بمزاعم محاربة الإرهابيين منها، مع تحريك تغطيتهم بجيشٍ من مراسلي قنوات النظام وقنوات حلفائه اللبنانيين؛ وتحريك مغادرة زوجته وأطفاله الشقة إلى مهجر الأمان. كل هذا بأسلوب سخرية فانتازي مدهش في المبالغة، والنطق العاري بالحقيقة، والعرض الحكائي الشعبي المموسق بقافية وإن زادت قليلاً عن المطلوب، مع مشهدية بورنوغرافية كاشفة لداخل الشخصية، في عرضها وعرض مهازل النظام ومخازيه التي نكّل فيها بالسوريين، وسخروا منها خلال مظاهراتهم السلمية.

وينتهي هذا الفصل بإذلال الرجل المريع من قبل القائد العام لهذه الجبهة المفتوحة على الهول، بالسرد الحكائي الشعبي الذي يناسب هذه السخرية، وتتجلى فيها أسئلة الإذلال التي تمنح الراوي شرف أن يكون مواطناً صالحاً، بالإجابة عنها تقليداً بجسده: كيف ترقص العروس في ليلة الدخلة؟ ثم كيف ترقص في الليلة الثانية بعد الدخلة؟ ثم كيف تزحف الفقمة، وهي تحمل على أنفها بالوناً؟ ثم كيف يتشقلب السعدان ويكشف عن مؤخرته الحمراء؟ ثم كيف يسير الحمار، وكيف يغنّي فرحاً في مزرعة الزعيم الجنرال؟ ثم السؤال الأخير: ماذا يفعل المواطن الصالح، عندما يشارك في مسيرة وطنيةٍ يهتف فيها بحياة القائد العظيم والحزب المناضل، وهو يمسك بجزرة؟

“طبعاً ينظفها من التراب ويغسلها، ثم يأكلها، بعد أن يكون قد تعب من الهتافات. وأقترب بالجزرة من فمي لآخذ منها قضمةً، فربما هي جائزة تَرْضية بعد المجهود الذي بذلته في الامتحان. لكن، لم تكد الجزرة تصل إلى فمي حتى تعالت صيحات الاستنكار والاستهجان من الجميع… هيا يا أحمق، أنزل الجزرة من فمك، هيا أرخِ يدكَ إلى الأسفل، أدِرْها الآن وراء ظهرك… فوضعية الحمار مناسبة”.

– فصلُ “قطعٍ” سينمائي يمنح الرواية دفعةً باتجاه التألق، بعد وصول فصلها الأول إلى النقطة التي توجب الانعطاف، وذلك بخلْق عالم موازٍ يتغيّر فيه السردُ الحكائي الشعبي السّاخر إلى السردِ الشاعري الأنيق في التعبير: “والحقيقة، أنني لم أنتقل إلى هذا العالم الموازي، بل كنت أعيش في عالمي الحقيقي هناك حرّاً، من دون جنرال وعسكر، بينما إحدى نسخي تعيش في عالمٍ تدور أحداثُه في رأس القائد العام”.

وفي هذا الفصل يعيش الراوي بعالم موازٍ معبّر عن شخصية السوري الحرّ، بتجسيد شخصياتِ أبطال أفلام شهيرة، مثل شخصية الشاب الحرّ عادل في فيلم “الشمس في يوم غائم” الذي يقوم منتشياً برقصة الخنجر؛ ومثل شخصية “زوربا” نيكوس كازانتزاكيس، الذي تنبت له أجنحة بموسيقى ميكيس ثيودوراكيس، و”يطير متحدياً الجاذبية بتمرد وعناد، ونحلم معاً بديرٍ من دون إله، ومن دون شيطان”؛ ومثل شخصية الروائي صباح، في فيلم “صعود المطر” لعبد اللطيف عبد الحميد؛ وشخصية رجل الكاوبوي كلينت إيستوود، القادم من اللامكان العائد بعد أن يقضي على الأشرار إلى اللامكان؛ وشخصية مكسيم غوركي، المصورة في فيلم “مخيم الغجر يصعد إلى السماء”: زوبار الغجري، لص الجياد الذي لا تقف في وجه حريته حدود، في وقوعه صريع حب رادا، سيّدة الكبرياء، التي لا يصل كبرياؤها إلى ألوهيته سوى بإخضاع زوبار الذي يرضخ لكنْ بقتلها وقتله واتحاد روحيهما كأسطورة للعشق الطاحن للحرية والكبرياء؛ وشخصية “نسر الكوندور” الذي يحلّق عالياً فوق جبال الأنديز على موسيقى “زعيم الرياح”، حيث “تبدو الأرض تحت سيطرتي، والعسكر فيها بحجم الرمال”.

– فصل محاولة استعادة الشقة من العسكر بسخرية الخضوع للزعيم الجنرال وتوقيع اتفاقية الخضوع وتعهّد التحول الساخر إلى مُخبر، والنفاذ من ذلك إلى عرض حال مخبري الساحل الذين طوّقوا المدن ظاهراً ببسطاتهم وسيارات الأجرة، وظهرت حقيقتهم عند أول صرخة للحرية في مظاهرةٍ سلمية، برشاشاتهم وسواطيرهم كقتلة جزارين للحرية.

– فصل كابوس السير في شوارع المدينة التي اجتاحها مسوخ النظام الساحليين بعد قمعهم المظاهرات السلمية بنار المجازر. وعرض احتلالهم لشوارع المدينة، وإقامة ما عرف بـ “سوق السنّة” الذي لم تشهد سوريا جريمة مخزية مثله من قبل، إذ ضم مسروقات منازل من تم تهجيرهم وتفجيرهم ودعسهم مع منازلهم في معظم المدن السورية التي ثارت، بجنازير دبابات النظام. ولم تخلُ المسروقات التي يفصّل الراوي سردها حتى من الرَّضّاعة التي كانت توقف بكاء الرضيع.

– فصل استفاقة الراوي من كابوس عرض السخرية السوداء على صوت الانفجارات والعودة إلى الشقة، ومغادرة العسكر لها، واحتفال الراوي بذلك، وانتظاره بأحلام يقظته بناتَ الجيران للنوم مع إحداهنّ، وتحوّل الحوريات في نومه إلى صرصارات عملاقات شيطانات، بأسلوب السخرية السوداء الذي يصور فيه ذلك كما لو في روايةٍ لكافكا.

– فصل خروج الراوي إلى الشارع ولقاء الصبيّة التي تكبر فانتازياً من أربع إلى ستة عشر عاماً، وإنقاذه لها من الانفجارات كما لو كان “زورو أبو الفردين”، وإحضارها إلى الشقة التي يفزعها فيها تمثال البوط العسكري المعبود الذي خلّفه الجنود فيها، مع تجنّبه النوم معها لعدم بلوغها السن القانوني. وإتباع ذلك بتفكير الراوي خَلق امرأةٍ من قطع النساء التي كان صديقه الساحلي حيدر يجمّعها من كل امرأة ضاجعها، وأرسلها إليه في صندوق، بكنايةٍ عن تفكيك سوريا، وبَدء مشروعه في تركيب امرأته، بفشل التركيب غير المتناسق، الذي ينتج امرأة مسخاً: “من الأعضاء الجسدية الوطنية المتاحة لي في الصندوق، وفق التوجيهات التوراتية، في أحد الأيام الستة، المخصّص أحدها لخلق الإنسان، قبل الاستراحة في اليوم السابع”.

– فصل سابعٌ أخير يضمّ تفكير الراوي بخلق امرأته التي تَكوْن سوريا، عند تشكيلها وفق رؤية الراوي: “العلمانية الرافضة التشققات الدينية والطائفية، التي أسّس لها تراكم تاريخي من ممارسة الشعائر والطقوس الدينية المتخالفة، وذلك في محاولة منّي تشكيل جسد امرأتي من صندوق صديقي، برؤية إنسانية. إلا أنني سأستعين في تشكيله ببعضٍ من حنيني لانتماءات فتياتي الدينية والطائفية، تعويضاً عن خيبات الأمل بفشلي بالزواج بإحداهن في الماضي”.

مع ختام الراوي هذا الفصل برؤيته لنفسه المتشظية في مرآة باب الخزانة التي كسرتها زوجته، شخصيةً ذكورية مترهّلة شوهاء، وليس لها انعكاس في المرآة أصلاً، مع دفع تقززه من تشوّهها له للقيام بثورةٍ “كوانتية” يخفي فيها العسكر بأسلحتهم وعتادهم من الوجود. ودفعه قبل خلقه لامرأته لوضع مبادئ المواطنة على الأسس الإنسانية الديمقراطية العلمانية، وإتمام ذلك بخلقٍ مخالف لما قام به الخلق التوراتي المنتج للحروب والمجازر.

في ختامه الشاعري الذي ينتج فيه امرأته، بأسلوب السّرد الشاعري الراقي، يبلْور راوي مازن عرفة المرأة الإلهة أو سوريا التي تجمع السوريين، كآلهةِ خصبهم القديمة، بتطويرٍ عن رؤيته البسيطة لها في روايته السابقة “الغرانيق”، إلى إلهة أمومية إنسانية كانت قد مرّت على جميع شعوب الأرض، وقتلها الإنسان بضيق تفكيره التوراتي الذكوري الذي أنتج العسكر والحروب؛ مع صقلٍ واضح للرموز الذكورية والأمومية التي لم تتبلور كفاية في الرواية السابقة.

ومن سريره على الجبهة داخل شقته المتّسعة بأبعاد زمكانية تتداخل وتتفاعل فيها الأحداث والشخصيات بصورة فانتازية كارتونية مبدعة، بثقافةٍ أدبية نفسية جنسية واسعة ومصقولة؛ يطلّ مازن عرفة بعملٍ روائي فنّي مبدع، عن المأساة السورية التي تُسقط بهولها عادةً الأعمال التي لا ترقى إلى مواجهتها بعراء الحقيقة الصادمة المفزعة، كما فعلت هذه الرواية.

مازن عرفة: “سرير على الجبهة”
نوفل ــ هاشيت أنطوان، بيروت 2019
335
 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية