عملية “نبع السلام” وتنظيم “الدولة”

رائد الحامد
حجم الخط
0

ليس ثمة ما هو خافٍ على الأمريكيين في معرفة ما يحدث على وجه اليقين في شمال شرق سوريا، كما جاء في تصريحات لمسؤول أمريكي كبير في وزارة الدفاع وهو يعلق على الأنباء التي تتحدث عن هروب مقاتلي تنظيم “الدولة” وعوائلهم من سجون تشرف عليها قوات سوريا الديمقراطية، أو من المخيمات.

ويحذر مسؤولون أمريكيون في وزارتي الخارجية والدفاع من خطر هروب مقاتلي التنظيم من عدد من السجون الخاضعة لإشراف قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الحليفة للولايات المتحدة حتى قبل أيام قليلة.

ومنذ بدء العملية العسكرية التركية توقفت قوات “قسد” عن ملاحقة خلايا تنظيم “الدولة” التي تنشط في ريف دير الزور الخاضع لسيطرة تلك القوات.

وتراخت قبضة قوات سوريا الديمقراطية على سجونها كورقة ضغط على الولايات المتحدة التي تخلت عنها بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عملية “نبع السلام”.

لا يُعتقد ان عملية “نبع السلام” أثرت بشكل مباشر على إحكام قبضة قوات “قسد” على السجون التي تضم أعدادا من مقاتلي تنظيم “الدولة” تشير بعض التقارير إلى ما لا يقل عن 12000 مقاتل، بينهم 2000 من المقاتلين الأجانب من حوالي 40 دولة مصنفون على انهم مقاتلون خطرون.

لا توجد هناك أرقام دقيقة عن عدد مقاتلي تنظيم “الدولة” الذين نجحوا بالفرار من سجون قوات “قسد” بينما تحدث مسؤولون أمريكيون انهم يعرفون العدد الحقيقي للمقاتلين الفارين دون إعطاء أي تفاصيل.

وإلى جانب أكثر من 12000 مقاتل محتجز في أكثر من 17 سجنا خاضعا لإشراف قوات “قسد” فإن ما لا يقل عن 75 ألفا من عوائل تنظيم الدولة محتجزون في عدد من مخيمات الاحتجاز تحدثت وسائل إعلام محلية ان المئات منهم قد نجحوا في الفرار من مخيم أو أكثر من مخيم بعد تعرضها لضربات جوية من مقاتلات سلاح الجو التركي، أو اقتراب المعارك منها بين قوات “قسد” ومقاتلي الجيش الوطني الحليف لتركيا وقوات خاصة تركية مساندة له.

وتقع معظم مخيمات الاحتجاز والسجون الخاصة بمقاتلي التنظيم خارج مناطق الاشتباكات بن القوات التركية وقوات “قسد”.

وتقدر أعداد المعتقلين من المنتمين لتنظيم “الدولة” بأكثر من 12 ألفا، بينهم نحو 10 آلاف من الجنسيتين العراقية والسورية ومن تبقى منهم ينتمون إلى حوالي 40 دولة من دول العالم الأخرى.

ومعظم هؤلاء محتجزون في سجون خاصة في محافظة الحسكة السورية شمال شرق سوريا على مسافة 90 كيلومترا جنوب مدينة رأس العين، ونحو 75 كيلومترا عن مدينة عين العرب “كوباني”.

ويعد مخيم الهول، 100 كيلومترا جنوب مدينة القامشلي في محافظة الحسكة أكبر معسكر لاحتجاز عوائل مقاتلي التنظيم الذين تقدر اعدادهم بنحو 75 الفا تبلغ نسبة النساء والأطفال وكبار السن منهم 94%.

ويضم المخيم نحو 62 الف محتجز من سوريا والعراق ومن تبقى منهم ينتمون إلى أكثر من 40 دولة.

وتضم المنطقة الامنة التي تحاول تركيا فرضها بقوة السلاح بعد تفاهمات مع الأمريكيين على مسافة 480 كيلومترا بمحاذاة الحدود السورية التركية وبعمق 32 كيلومترا، عدد من السجون تضم 1700 من مقاتلي تنظيم الدولة الذين تتضارب الانباء حول اعداد الذين نجحوا بالفرار منها.

واحتجزت تركيا منذ بدء الحرب على تنظيم الدولة في 2014 أكثر من 17 الف شخص يشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، قالت تركيا انها لا تزال تحتفظ في سجونها أكثر من 5500 شخص بينما رحلت 7600 من المشتبه بهم إلى خارج تركيا بعد التحقيق معهم.

ونقلت صحف أمريكية عن هروب جماعي لاكثر من 700 من عوائل تنظيم الدولة من مخيم احتجاز تشرف عليه قوات “قسد”، وان الولايات المتحدة فشلت في نقل نحو 25 معتقلا من قيادات وكوادر التنظيم قبل قرار وزارة الدفاع بنقل الجنود الأمريكيين من مناطق العمليات.

رددت وسائل اعلام تقارير منسوبة إلى مسؤولين في قوات “قسد” ان هناك ما لا يقل عن 20 مقاتلا من تنظيم الدولة قد فروا من سجنين في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، وتقارير أخرى عن فرار اعداد غير معروفة من مقاتلي التنظيم من سجن اخر في بلدة تل ابيض على الحدود التركية قبيل دخول القوات التركية اليها بساعات.

وتتخوف الولايات المتحدة من تعرض السجن المركزي في مدينة الحسكة لضربات جوية أو تفجيرات انتحارية أو “تعمّد” قوات “قسد” تخفيف القبضة الأمنية على السجن والسماح بهروب مقاتلي التنظيم من هذا السجن الذي يضم العدد الأكبر من السجناء المقدرة اعدادهم بنحو 5000 معتقل.

وتحمل الإدارة الأمريكية تركيا المسؤولية عن سجون التنظيم التي تقع في مناطق سيطرة قواتها بعد العملية العسكرية، وهو ما أكدته تركيا أيضا.

وترفض الدول الأوروبية استلام مواطنيها المسجونين في سجون ومراكز احتجاز قوات “قسد”.

وتتحدث كل من الولايات المتحدة وتركيا وقوات “قسد” عن معلومات متناقضة حول أعداد الهاربين فعلا من مقاتلي التنظيم الذين تحدث مسؤولون من قوات “قسد” عن ان المئات من مقاتلي تنظيم “الدولة” نجحوا في الفرار من سجونها ومن مخيمات الاحتجاز بعد تعرضها لضربات جوية تركية، وهي التصريحات التي رفضها الرئيس التركي الذي وصفها بانها “معلومات مضللة تهدف إلى استفزاز الولايات المتحدة والدول الأوروبية”.

لكن الرئيس الأمريكي تحدث من دون ان يقدم أي أدلة عن أن قوات “قسد” أطلقت سراح مقاتلي التنظيم “عمدا” في محاولة منها لجر بلاده ثانية إلى الحرب في سوريا، كما ان مسؤولين أمريكيين نفوا ان يكون هناك أي دليل يؤكد صحة ذلك.

ونشرت مواقع مقربة من الجيش الوطني المتحالف مع تركيا تسجيلا لعملية نقل سجناء لمقاتلي تنظيم “الدولة” وعوائلهم من مخيم عين عيسى إلى جهة مجهولة بعد سيطرتهم على المدينة، مع تقارير متناقضة عن نقلهم إلى السجون الخاصة بالجيش الوطني أو تسليمهم للقوات التركية.

وفي تصريحات من بغداد لوزير الدفاع الفرنسي تحدث فيها عن فرار تسعة من النساء المنتميات للتنظيم من الجنسية الفرنسية من أحد مخيمات الاحتجاز التابعة لقوات “قسد” في الوقت الذي أكدت فيه وزارة الدفاع العراقية عن اعتقال أعداد من عناصر تنظيم “الدولة” لم يحددها بيان الوزارة خلال محاولتهم التسلل عبر الحدود إلى العراق.

بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب جنود بلاده من سوريا، أعلنت تركيا عملية “نبع السلام” للسيطرة عبر قوات تركية وقوات تابعة لفصائل المعارضة السورية المسلحة على الشريط الحدودي السوري التركي بعمق 32 كيلومترا وفق تفاهمات بين الولايات المتحدة وتركيا.

لم تبد قوات “قسد” مقاومة “واسعة” دفاعا عن مدن ومناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا، بينما تحدث مسؤولون فيها عن سحب كل، أو بعض، عناصر الحراسات الأمنية من بعض السجون ومخيمات الاحتجاز لتعزيز قدراتها في التصدي للهجوم التركي، بالإضافة إلى أن الأمريكيين سحبوا نحو ألف جندي من ذات المنطقة، ما أفقدها القدرة على مراقبة السجون ومخيمات الاحتجاز.

وتسود أوساط الإدارة الأمريكية حالة من القلق من ان نجاح مقاتلي تنظيم “الدولة” بالهروب من السجون بسبب العملية العسكرية قد يمهدون الطريق ثانية لعودة نشاطات التنظيم إلى مستويات عالية من التهديد سواء في سوريا والعراق أو على الأمن العالمي في حال هُزمت قوات “قسد” الذين يشكلون رأس الحربة في القوات الأرضية التي قاتلت التنظيم طيلة أربع سنوات بدعم جوي وإسناد بري من التحالف الدولي.

لا شك أن التنظيمات المسلحة عندما تمر بحالات ضعف تحاول استثمار أي حدث أو تطور أمني يهدد الاستقرار للنفاد ثانية عبر ثغرات أمنية تخلفها صراعات الأطراف المختلفة.

ومن المؤكد أن تنظيما مثل تنظيم “الدولة” يجيد استثمار تداعيات الصراعات المحلية أو الإقليمية، ومنها العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا التي أرخت القبضة الأمنية لقوات “قسد” في عموم مناطق سيطرتها لانشغالها بالدفاع عن مناطق سيطرتها ضد الهجوم التركي، وتقليل عدد حراس السجون ومخيمات الاحتجاز للزج بهم في المعارك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية