ادوارد سنودون في “سجل دائم الصلاحية”: هل من الحكمة تسليم أسرار استخبارات الدول الكبرى إلى شباب مثاليين ثم معاقبتهم؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل من الصواب ان تستمر أجهزة الاستخبارات الأمنية في الدول العظمى والحليفة لها، في تسليم أخطر وأهم أسرارها إلى موظفين شباب مثاليين في معتقداتهم الأخلاقية والسياسية ولا يتجاوزون العشرين أو الثلاثين من أعمارهم فقط لمهاراتهم العالية في حقول الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، وقدرتهم على المراقبة الحثيثة لسكان بلدانهم وبلدان أخرى بحجة مكافحة الإرهاب؟

هذه إحدى الطروحات الممكن تناولها ومعالجتها لدى قراءة كتاب مذكرات كاشف الحقائق والأسرار الأمريكي ادوارد سنودون بعنوان “سجّل دائم الصلاحية” علماً أن سنودون يعيش حالياً كلاجئ في موسكو بعدما فضح أسرار “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” و”وكالة الأمن القومي الأمريكية” كاشفاً أن الوكالتين تتنصتان على وتراقبان بشكل مستمر الحياة اليومية لكافة المواطنين الأمريكيين حتى ولو كانوا أشخاصاً عاديين غير مشتبه فيهم وليست هناك شكوك في إمكان ارتكابهم جرائم إرهاب أو مخالفات للقوانين. علماً أن هذا التصرف يخالف نصوص الدستور الأمريكي وشرائع حقوق الإنسان في مجال الخصوصية.

عنوان الكتاب يرمز إلى أن ما تجمعه الوكالات الأمنية الأمريكية والبريطانية ومثيلاتها في أوروبا والعالم عموماً يبقى محفوظاً في أراشيفها لفترات طويلة ما قد يعطل الحياة العملية والطبيعية لهؤلاء الأشخاص الذين تتم مراقبتهم.

يروي سنودون في الجزء الأول من الكتاب قصة حياته منذ صغره، وكيف علّمه والده محبة التكنولوجيا، ويقول إن عمل والده في “فرقة حماية الشواطئ” في أمريكا حيث كانت العائلة تسكن، دفعه إلى اقتناء أحد أول أجهزة الكمبيوتر البسيطة، ومهد لادوارد، وهو طفل المشاركة في تشغيله وتركيبه واللهو به خلال ممارسة ألعابه ما ولّدَ لديه محبة وشغفاً بهذا القطاع رافقه طوال حياته.

الجزء الثالث هو الأهم، حيث يعرض مراحل اقتناعه بالانتقال من عمله الأمني ليصبح كاشفاً لفضائح وكالات الأمن الأمريكية.

وفي الجزء الثاني، يتحدث عن مهماته الأمنية في بلدان مختلفة كسويسرا واليابان قبل انتقاله إلى منصبه الأخير في ولاية هاواي الأمريكية حيث رُقّي ومارس دوراً مهماً في وكالة الأمن القومي قبل قراره وهو في الـ29 من عمره التحول إلى كاشف للحقائق والأسرار.

ومن المقاطع اللافتة الجملة الأولى التي يوردها سنودون في تقديمه للكتاب حيث يقول: “اسمي ادوارد جوزيف سنودون، كنت أشتغل لحساب الحكومة الأمريكية والآن أعمل لحساب الشعب الأمريكي”. ويضيف: “أقضي وقتي حالياً محاولاً حماية الشعب من موظفين يمارسون ما كنت أُمارسه سابقاً كجاسوس في الاستخبارات المركزية الأمريكية ووكالة الأمن القومي. وقد عملت في هاتين المؤسستين لمدة سبعة أعوام والآن أنا لاجئ في دولة لم أقرر العيش فيها، ولكن الظروف فرضت نفسها عليّ للإقامة فيها. (يقصد روسيا)”. أي أن سنودون لا يعتبر نفسه خائنا لمواطنته الأمريكية.

ويقول إنه خلال السنوات السبع التي قضاها في عمله السابق في هاتين الوكالتين: “تبدلت خطة المراقبة والتجسس على الناس بحيث انتقلت من مراقبة الأشخاص الخطرين المشكوك فيهم إلى مراقبة جميع الناس”. ويضيف: “لقد ساهمت أنا شخصياً في تطوير التكنولوجيا التي تسمح بذلك”.

وقد بدأ سنودون عمله الأمني في أمريكا وهو في الـ22 من عمره متنقلاً بين الوكالتين. وبخطوة إدارية متسرعة رُفعت عنه الرقابة، وكُشفت أمامه الأسرار الخطيرة وهو في سن يانعة ومن دون امتلاكه الخبرة الوافية في علم السياسة والتاريخ والعلاقات الدولية (حسب اعترافه) فهو لم يمتلك حتى شهادة جامعية في هذه الحقول، ومهارته الكبرى كانت في تكنولوجيا المعلومات. وهذه ظاهرة لها سلبياتها وتتفشى في كثير من وكالات الاستخبارات في العالم حالياً، مما يعتبره البعض أحد أسباب فشلها في كشف أسرار أعدائها أو في منع اختراقها من قبل شبان يعملون فيها ويتميزون بالطموح والمثالية والإيمان بأفضلية القيم والأخلاق في العمل الأمني التجسسي.

في سن الـ26 وفرت لسنودون تغطية كموظف في شركة “ديل” الأمريكية لأجهزة الكومبيوتر وأُرسل إلى اليابان، حيث ساهم في إنشاء أجهزة تجسس متطورة يصعب تدميرها.

يقول في الصفحات الأولى إن “سبب كتابتي هذا الكتاب يعود إلى أنني أردت كشف الحقيقة وجمعت وثائق أمنية سرية دقيقة وسلمتها إلى صحافيين نزهاء بالإمكان الوثوق فيهم، وقد ساهموا في نشرها في صحفهم ومؤسساتهم وأعرضوا عن نشر ما كان يجب عدم نشره”. ويضيف: “وسيلة الإنترنت جعلت البشر يتشاركون في المعلومات من دون ان يدركوا أنهم عبر هذه المشاركة، أصبحت معلوماتهم وأفكارهم ومواقفهم ليست ملكاً لهم ولمن أرادوا مشاركتهم فيها فقط بل لأجهزة أخرى أكبر منهما”. ويؤكد أنه يحبُ بلده ويعشقُ خدمة شعبه ودستور بلاده، ولكنه ليس خادماً عند السياسيين الأمريكيين الذين يتجاوزون الدستور الذي يحمي الحقوق المدنية للشعب وليس مصالح القادة على حساب الشعب، ويعاقب القادة الذين يخرقون المبادئ الواردة فيه وفي نصوصه ويعتدون على حقوق الشعب. وعندما تخترق أي دولة، بإيعاز من قادتها، خصوصيات شعبها من دون أي مبرر فهي تخترق دستورها وتتجاوز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ويوضح أنه كشف الأسرار التي يعرفها لكبار الصحافيين في أمريكا وبريطانيا والعالم داعياً إياهم لاختيار ما يجب نشره أو عدم نشره منها.

التقى سنودون الصحافيين المختارين للمرة الأولى بعد قراره كشف الأسرار في هونغ كونغ في أيار (مايو) 2013. وقد ساعده مؤمنون بقضايا الحريات وحقوق الإنسان في اختيار هذا المكان، وفي حمايته. وكان من أبرزهم صحافيون في جريدة “الغارديان” البريطانية منهم ايوين مكا سكيل، الذي كان يعمل تحت إدارة رئيس تحرير الصحيفة الجريء آلان روسبردجر الذي استقال من منصبه لاحقاً بسبب قضية سنودون. وانتشرت أخباره بعد “الغارديان” في صحف أخرى في بريطانيا وأمريكا والعالم.

ويؤكد أن “أي دولة يعتبر قادتها أنفسهم منتخبين ديمقراطياً ثم يمارسون التجسس على مواطنيهم والتعرض لحرياتهم تكون قد تخلت عن ديمقراطيتها”. (ص 330).

ويطالب بتغيير القوانين التي تسمح بالتعدي على حريات وخصوصيات المواطنين في أي دولة بحجة مكافحة الإرهاب، وعن طريق استخدام قوانين تعسفية جديدة لمكافحة الإرهاب سُنتَ بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على نيويورك وواشنطن. ويقول إن أمريكا ارتكبت مخالفات كبيرة للشرائع الدولية في غزوها للعراق عام 2003 وقامت بممارسات قمعية ضد الشعب العراقي ولكن لا أحد يجرؤ على اختراق أجهزتها الأمنية والكشف عن هذه الحقائق. وهذا ما حاولت كاشفة الحقائق تشلسي ماننغ فعله، وهي تقضي حاليا عقوبة في السجن في أمريكا بسبب ذلك. أما سنودون، فلا يستطيع العودة إلى بلده لأنه من المرجح لن يحظى بمحاكمة عادلة (حسب رأيه) كما يتم تهديد مؤسس منظمة “ويكيليكس” جوليان آسانج بالترحيل من سجن بريطاني إلى محكمة في أمريكا بعد أن قضى عدة سنوات لاجئاً في السفارة الاكوادورية في لندن. وفي أمريكا قد يُعاقب بشدة وبتعسف.

ويرى سنودون ان الدولة الأمريكية تحاسب من يكشف أسرارها “القذرة” فيما لا تُحاسب هي على تجاوزاتها لحقوق الإنسان ودعمها لدول تتجاوزها.

وقد ازداد عدد كاشفي الحقائق في الفترة الأخيرة بعد تزايد تجاوزات القادة. ففي أمريكا، يتحدى هؤلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحيث اخترقوا اتصالاته برئيس جمهورية أوكرانيا متهمين إياه بمحاولة التحريض على خصمه جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة. وقد يأتي مَنْ يخترق اتصالاته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو بقادة إسرائيل أو الدول العربية والخليجية.

هذه ظاهرة إيجابية، من جهة، كونها قد تساهم في ضبط ممارسة الازدواجية السياسية في المواقف لدى قادة العالم، ولكنها، في الوقت عينه، قد تؤدي إلى تردد قادة وزعماء العالم في التفاوض السري في حالات من المفيد تبادل الآراء حولها في قنوات خلفية قبل الخروج إلى العلن. مثل هذا التردد قد يحدث خشيةً وخوفاً من تسرب المعلومات السرية والخاصة للإعلام عبر كاشفي الأسرار، قبل وقتها.

كما أن تحويل أجهزة الاستخبارات العالمية إلى أجهزة غير محترفة يكثر فيها شباب تنقصهم الخبرة والمعرفة التاريخية قد يساهم في ارتكاب الأخطاء التي من الممكن أن تفيد المنظمات الإرهابية في العالم ويؤدي إلى الصعوبة في كشف عملياتها وخططها.

وبالتالي، فإن ظاهرة سنودون مطلوبة ومفيدة، ولكن ماذا لو تحولت معظم أجهزة الاستخبارات في دول العالم إلى أجهزة مليئة بكاشفي الأسرار الذين تنقصهم الخبرة السياسية والمعرفة التاريخية؟ ربما سيكون في ذلك خطورة أيضاً على أمن العالم.

كما ان كاشفي حقائق قد يقعون ضحايا ضباط استخبارات مخضرمين من خصوم دولهم، فالضابط الروسي الذي استجوبه في موسكو وهو في طريقه من هونغ كونغ إلى الاكوادور حاول استقطابه للعمل في المعسكر الآخر مع ان هذا لم يكن هدف سنودون. وعندما أبلغه هذا الضابط ان وزير الخارجية الأمريكي (آنذاك) جون كيري سحب جوازه الأمريكي منه، وجد سنودون نفسه في فخ لم يعد باستطاعته الخروج منه وأصبح مضطراً للبقاء في روسيا إلى الآن (ص 308).

ويشبه وضعه الآن وضع كيم فيلبي عميل الاستخبارات البريطاني المزدوج الانتماء الذي اضطر للجوء إلى الاتحاد السوفييتي في ستينيات القرن الماضي، وبقي هناك حتى وفاته. وفي الحالتين، رغب كل منهما بالعودة إلى وطنه مع ان زوجة سنودون التحقت به في موسكو وفيلبي تزوج من امرأة روسية ظلت معه حتى وفاته بموافقة السلطات الروسية على عودة ليندسي وزواج فيلبي وعيشهما في روسيا. ومع ان جريمة فيلبي كانت أكبر من جريمة سنودون، فالمبدأ العام هو ذاته وهو أن أشخاصاً يرتكبون مثل هذه الأفعال ربما لأسباب فكرية وعقائدية وينتهون كمجرمين مرفوضين في بلادهم وكلاجئين في بلدان لا يرغبون البقاء فيها رغم انهم يُعاملون معاملة طبيعية في بلد اللجوء.

وفي المقابل، فان جورج بوش الابن وأعوانه، من الذين غزوا العراق وقتلوا مئات الآلاف من أبنائه، يعيشون حياة هادئة ومريحة في أمريكا، كما يعيش حلفاؤهم من الذين ارتكبوا جرائم مماثلة في أماكن أخرى من العالم، في وقت يستمر فيه “إرهاب الدول القوية” ضد الشعوب والدول والمجموعات المسلوبة حقوقها.

Edward Snowdon: “Permanent Record”

Metropolitan Booksة New York 2019

339 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية