المغرب: توالي ردود الفعل الحقوقية والسياسية والصحافية المستنكرة لتشديد عقوبة الصحافي بوعشرين إلى 15 سنة سجناً نافذا

محمود معروف
حجم الخط
2

الرباط –« القدس العربي»: لم يغلق تشديد العقوبة ضد الصحافي المغربي توفيق بوعشرين ملف هذه القضية التي وصفت بقضية القرن، في ظل تشكيك بهدف اعتقاله ومتابعته، بعد تدفق وبشكل متتال ومكثف شكاوى نساء اتهمنه بالاغتصاب واستغلالهن، وكان التشكيك ناتجاً عن ملابسات هذه الدعاوى والخروقات التي تمت خلال عملية الاعتقال، ثم تفاصيل المحاكمة لتكتمل بالحكم الابتدائي 12 سنة سجناً نافذاً وبالحكم الاستئنافي 15 سنة سجناً نافذاً، الذي صدر مساء يوم الجمعة الماضي.
وتوالت ردود الفعل الحقوقية والصحافية والسياسية المستنكرة لهذه الأحكام فور صدورها، وما زالت تتوالى، لتؤشر على إبقاء الملف مفتوحاً، ليس قضائياً فقط، بعد أن أعلنت هيئات دفاع أطراف القضية، كل لحساباته، أنها ستتقدم لمحكمة النقض للنظر في الملف، وإنما أيضاً سياسياً وحقوقياً، التي يعتقد المستنكرون أن أساس القضية برمتها هو ما كان يكتبه توفيق بوعشرين من انتقادات لأوساط وشخصيات نافذة، وتعبر عن خشيتها من أن تتواصل هذه القضايا في إطار تكميم الأفواه وتدجين الصحافة والصحافيين.

الطعن على الحكم

وأعرب المحامي عن الطرف المدني عبد الفتّاح زهراش، عقب صدور الحكم، عن «ارتياحه لإدانة» بوعشرين، لكنّه وبقية هيئة دفاع المشتكيات، يرون في مبلغ التعويضات لصالح المشتكيات، التي حكمت المحكمة بها على بوعشرين، «لا يُناسب حجم الأضرار التي تكبَّدنَها»، لذا سيلجأون إلى محكمة النقض (المحكمة العليا) لاستئناف الحكم أمامها.
ويعتزم دفاع بوعشرين هو الآخَر الطعن في الحكم أمام محكمة النقض، وأكد عبد المولى مروري، من دفاع بوعشرين، أن الحكم «قاس جدّاً ولم يكُن متوقّعًا بتاتًا، بالنظر لغياب أية معطيات تدينه»، معربًا عن أمله في «أن يجد هذا الملف مخرجًا سياسيًا».
وعبرت لجنة الحقيقة والعدالة في قضية الصحافي توفيق بوعشرين عن قلقها من منطوق الحكم الذي وصفته بأنه «ظالم وقاس»، وأنها تتأسف من «حرمان الصحافي المستقل توفيق بوعشرين المعروف بانتقاداته القوية للسلطة السياسية، من شروط وضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور المغربي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المرحلة الاستئنافية أيضاً، وهو التوجه الذي ميز محاكمات مماثلة كمحاكمة الصحافية المستقلة هاجر الريسوني، والصحافي المستقل حميد المهداوي».
وقالت اللجنة إنها رصدت «انتهاك شروط المحاكمة العادلة لبوعشرين في المرحلة الاستئنافية منذ أن رفضت النيابة العامة والهيئة القضائية التي أصدرت حكمها ضده أن تطلق سراحه طبقاً للقرار الصادر عن فريق العمل الأممي المعني بالاعتقال التعسفي الذي طالب بإطلاق سراح الصحافي توفيق بوعشرين فوراً وتعويضه عن اعتقاله التعسفي ومنحه ضمانة رسمية بعدم تعريضه لهذا الاعتداء على حقوقه الدستورية مجدداً، ومعاقبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها، وأقر بتعرض بوعشرين للاعتقال التعسفي بسبب عمله الصحافي وليس لسبب آخر، وأحال قضيته على المقرر الأممي الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير».
وأكدت أن «الصحافي توفيق بوعشرين معتقل اعتقالاً تعسفياً منذ 26 شباط/ فبراير 2018 لأن الأمر بالإيداع في السجن الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء لا يمكن أن يشكل السند الصحيح للاعتقال وفقاً لتعريف المادة 608 من المسطرة الجنائية بأي حال من الأحوال».
مواقف رفض الحكم واستنكاره تعددت منابعها. وقال عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، إن رفع الحكم على توفيق بوعشرين إلى 15 سنة شيء صادم ومؤلم، مؤكداً أنه عاجز عن التعبير والكلام. وتابع بنكيران: «من الصعب الكلام، فأنا أشعر أنني عاجز عن الحديث والتعبير لدرجة قاسية». قال نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي سابقا)، إن «الحكم كان صادماً، وكنا نتمنى مراجعة الحكم الأول، بل أكثر من ذلك.. إلغاء الحكم، فإذا به العكس هو الذي حصل»، وجدد بن عبد الله الذي تولى حقائب وزارية (الاتصال 2002-2007) و(السكنى 2012-2018) نداءه «من أجل إيجاد الصيغ الملائمة، الكفيلة بطي هذه الصفحة المؤلمة».
وأعرب مولاي إسماعيل العلوي، رئيس مجلس رئاسة حزب التقدم والاشتراكية، عن الأسف لهذه (القسوة التي خلفتها إدانة بوعشرين، وأنّ «ما يروّج حول هذا الموضوع من قبل من يناصر بوعشرين أنّ هناك تسلّطاً»، وأوضح العلوي أن «هذا الحكم يمثّل نوعاً من التأديب لحرية التعبير، في وقت نسعى إلى بناء دولة الحق والقانون، والتي لن تتأتى إلا بإقرار الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التّعبير».
واعتبر نبيل شيخي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين (الغرفة التشريعية الثانية)، الحكم الاستئنافي في حق بوعشرين صادماً وأكثر قسوة، محذراً من شهية انفتحت ستدخل البلاد في مسلسل جديد من الانتهاكات اذا تمادت بسوء تقديرها.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن اختلاف المغاربة حول الطريقة وأدوات اشتغال تلك الجهات التي لم يسمها، يوحدهم في نتائجها؛ لأنها ستعيد ملف الانتهاكات الجسيمة التي طواها المغاربة جميعاً «بمسؤولية وتبصر في بداية عهد الملك محمد السادس من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة».
واعتبر حسن بناجح، عضو الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان (أقوى الجماعات المغربية ذات المرجعية الإسلامية)، أن الحكم الاستئنافي في حق الصحافي توفيق بوعشرين «جريمة دولة في حق صحافي»، وقال: «المحاكمة افتقدت لأي شرط من شروط المحاكمة العادلة، وحازت كل ألوان الخلل، وإنه حكم جنوني بأقصى درجات الانتقام التي تشكل أركاناً تامة لجريمة دولة، لا تكفي في استنكارها كل عبارات الإدانة والشجب».
ووصفت آمنة ماء العينين، عضو مجلس النواب عن حزب العدالة والتنمية، الحكم بأنه حكم قاس، مثل الأحكام الصادرة على نشطاء حراك الريف، وقالت: «القضاء صمام الأمان في كل المجتمعات، هو محايد ومتجرد؛ لذلك سيكون صعباً تكريس القناعة بقسوته، لقد كان الحكم الاستئنافي على الصحافي توفيق بوعشرين قاسياً قسوة الحكم الصادر في حق شباب حراك الريف»، وإن الأمل يظل «يحدونا في أن تجد هذه الملفات طريقها للمعالجة والحل لتبديد القتامة وتوسيع دائرة التفاؤل.. كل شيء ممكن».
اعتبر النقيب محمد زيان أن الحكم ضد بوعشرين دليل راجح على صحة القرار الذي اتخذه في وقت سابق بالانسحاب من المحاكمة، لأن المحكمة لم تكن لديها رغبة للبحث عن الحقيقة، وأنه لا يفهم لحدود الساعة كيف تضحي الدولة المغربية بسمعتها وسط المنتظم الدولي بمتابعة صحافي بسبب مواقفه وآرائه بتهم لا أساس لها من الصحة، موضحاً أنه يشعر بالأسف لأنه «لم يستوعب السبب العميق لتصرفات الدولة في هذه القضية، لأنها تبدو وكأنها تتلاعب بمصداقية وطننا وبسمعة المغرب بتحدي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة». وأضاف زيان، وهو وزير سابق لحقوق الإنسان، أنه حتى اليوم لم تتضح له خلفية اعتقال توفيق بوعشرين، لأن المقصود بتهمة الاتجار بالبشر هم الفئات الهشة والفقيرة، في حين أن متهمات بوعشرين هُن صحافيات، ومنهن من تشتغل في ديوان وزير في الحكومة ومنتجات أفلام ومالكات عقارات، «فأين تتجلى الهشاشة هنا؟».

ملف مفبرك

وقال الناشط الحقوقي المعطي منجب: «ها هي من جديد بلادنا تؤكد تقهقرها على سلم الحرية والعدل»، وأن «النخبة المتحكمة في الأمور استعملت أجهزة المخابرات لفبركة ملف سيشهد التاريخ أنه مزور»، وأضاف: «هذا حكم انتقامي من صحافي ربما قسا أحياناً أكثر من اللازم على رجالات الدولة الأقوياء»، وأصاف: «أن يصل انتقام المتحكمين في السلطة إلى الحكم بـ15 سنة سجناً نافذاً، فهذا عيب وعار وقلة مروءة»، مشيراً إلى أن «توفيق حوكم على أساس التلبس وهو لم يعتقل متلبساً، ثم قالت المحكمة إن كلمة التلبس كانت خطأ مطبعياً، كما قالت إن اعتقال صحافية “أخبار اليوم” هاجر الريسوني كان صدفة، ويسشكف أن المتحكمين في الأمور يمرغون العدالة في التراب، وسمعة المغرب والمغربيات ألحقت بها صحافة التشهير التابعة للأجهزة ضرراً كبيراً».
وقال محمد العوني، رئيس منظمة «حاتم»، إنّه «فوجئ بزيادة المدّة السجنية، وأن إدانة مؤسّس جريدة «أخبار اليوم» بكل هذه السّنوات «كانت بسبب إدراج تهمة الاتجار بالبشر ضمن الملف؛ وهي تهمة تمّ إسقاطها على القضية»، وأضاف أنّ «تهمة الاتجار بالبشر لا ينبغي إدماجها في هذه القضية التي يتابع فيها بوعشرين، والتي لها ارتباط بحرية التعبير والرّأي»، متوقفاً عند ظروف المحاكمة والاعتقال التي «لم تكن صحيحة وشابتها اختلالات كثيرة»، و»كان على القضاء أن يتجاوز مثل هذه الجوانب السّلبية التي ظهرت فيها خروقات خلال المرحلة الابتدائية، وخلال فترة اعتقال الصّحافي المغربي، وأن يصحّح الوضع لا أن يزيد المدة السّجنية في حقّ بوعشرين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية