بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت الحكومة العراقية، أمس الإثنين، في اتخاذ إجراءات عقابية تطال مدراء المدارس والمعاهد والجامعات التي أتاحت فرصة التظاهر لطلبتها، ومنحتهم الموافقة الخاصة، التي على إثرها خرج طلبة العراق بجموعٍ حاشدة جابت العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، مطالبين بالاستجابة السريعة لمطالب المتظاهرين، ملوّحين بإقامة اعتصام مفتوح وإضرابٍ لمدّة عشرة أيام.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر متطابقة، (صحافية وشهود عيان)، إن «ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، شهدت لليوم الثاني على التوالي مشاركة طلبة المدارس والجامعات في التظاهرات الاحتجاجية»، مبينة أن «الحضور اليوم (أمس) كان أكثر كثافة من اليوم الذي سبقه (الأحد)».
ووفق المصادر فإن تظاهرات الطلبة لم تقتصر على العاصمة بغداد، بل شملت أيضاً جميع المحافظات الوسطى والجنوبية، منها البصرة وذي قار وميسان والديوانية والنجف وبابل، متحدين اعتبار وزيرة التربية سها العلي بك «زج طلبة المدارس» في التظاهرات بأنها عملية مرفوضة، فيما أكدت أن التلاميذ مودعون أمانةً في أعناق الكوادر التدريسية.
وفي إجراء مضاد، ردّت قوى الأمن (قوات مكافحة الشغب) على الطلبة المتظاهرين في جامعات العاصمة، بـ«القنابل الصوتية»، حسب مفوضية حقوق الإنسان.
عضو المفوضية علي البياتي قال في بيان له إن «قوات مكافحة الشغب في بغداد طوّقت جامعتي دجلة والفراهيدي واستخدمت القنابل الصوتية لتفريق الطلاب المعتصمين».
رقم جديد في الساحة
واعتبرت المفوضية أن «الأعداد والفئات المجتمعية رقم جديد في الساحة السياسية، وذلك بعد دخول شرائح الموظفين وطلبة المدارس والجامعات على خط الاحتجاجات الشعبية». وأضافت إن تلك الشرائح الجديدة «فرضت نفسها حسب أسس النظام الديمقراطي ذاته الذي جاء بجميع الساسة لحكم العراق، وعلى الأخيرة التعامل بحكمة وتجنب العنف نهائيا مادامت سلمية وتلبية المطاليب كافة مادامت لخدمة المواطن».
يأتي ذلك بعد يومٍ واحد من نزول قوات مكافحة الإرهاب إلى الشارع، بهدف تأمين المؤسسات الحيوية.
وتعليقاً على تدخل تلك القوات، قال رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، الفريق أول ركن طالب شغاتي، في بيان له، إن «انتشار قوات جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الأمنية العراقية في العاصمة بغداد يأتي لحماية أمن المواطنين والاستقرار والأهداف الحيوية للدولة العراقية».
وأضاف: «إننا في جهاز مكافحة الإرهاب أردنا أن نبعث رسائل اطمئنان للمواطنين من قبل قوات جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الأمنية التي انتشرت في المناطق الحيوية في بغداد والمحافظات، وستمارس قطعاتنا الأدوار الأساسية نفسها في حماية أمن المواطن الذي يعتبر شريكا أساسيا في الإدارة الأمنية، وسنستمر في حماية الأهداف الاستراتيجية والحيوية والسيادية للدولة في بغداد والمحافظات».
وأكد أن «مسؤولية الجهاز هي تدمير الخيوط والشبكات الإرهابية ومتابعة القيادات الإرهابية ومنع التطرّف العنيف، وهذا ما عملناه عليه على مدى 13 عاما، أما موضوع التظاهر وإدارة أمن التظاهرات فهو من مهام وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة بالأمن الداخلي، وجهاز مكافحة الإرهاب يتشارك مع الأجهزة الأمنية في إدارة الأمن والاستقرار في كل محافظات العراق».
مفوضية حقوق الإنسان تتهم قوات مكافحة الشغب بـ«قمعهم» بالقنابل الصوتية
وبين أن «جهاز مكافحة الإرهاب مؤسسة وطنية اتحادية تأسست عام 2007 على الوطنية والمهنية، وإننا دأبنا خلال الـ 13 عاما على مواجهة أجيال الإرهاب المتعددة كهزيمة تنظيم القاعدة الإرهابي وتنظيم كيان داعش الإرهابي، وكان المواطن العراقي شريكا أساسيا في عملية إدارة الأمن والاستقرار، ولهذا نعمل صفا واحدا معهم من أجل استقرار الأمن في البلاد للوصول إلى عراق آمن مستقر».
في الأثناء، وجه رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، جميع مؤسسات الدولة بممارسة الدوام بشكل منتظم.
ونقل التلفزيون الرسمي، عن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء الركن عبد الكريم خلف قوله إن «رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمر بتوجيه جميع مؤسسات ودوائر الدولة والجامعات والمدارس إلى ممارسة الدوام الرسمي بشكل منتظم».
ونقل عن عبد المهدي قوله إن «أي جهة تحرض على عدم الذهاب للدوام ستحاسب محاسبة شديدة».
وأضاف: «نلاحق أكثر من 40 مدير مدرسة في بغداد لتحريضهم الطلبة للخروج بالتظاهرات»، مؤكداً: «سنعين في اليوم نفسه شخصيات بديلة للمسؤولين الذي سيتم فصلهم جراء تحريضهم على التظاهرات».
ملاحقة المخربين
ووفق المتحدث باسم عبد المهدي، فإن الحكومة «أصدرت أمراً بفصل رئيس أي جامعة وعميد كلية ومدير مدرسة أخرج الطلبة بالتظاهرات اليوم (أمس)»، لافتاً إلى أن «هناك جهات هددت الجامعات والمدارس للخروج بالتظاهرات» على حدّ قوله.
وأكمل: «أحلنا عددا من الضباط والعناصر للمحاكم العسكرية لمواجهتهم بعض المتظاهرين بالرصاص الحي»، مبيناً أن «هناك فضائيات جندت برامجها لتحويل مسار التظاهرات من السلمية إلى العنف».
وتعهد بـ«ملاحقة المخربين المتورطين بأعمال الحرق خلال التظاهرات»، منوها إلى «اعتقال 69 شخصا قاموا بحرق المباني والتخريب».
وختم حديثه بالقول: «نحن مع التظاهرات لكن لا نعرف من يقودها للتفاوض معهم».
في المقابل، اعتبرت كتلة «سائرون» في مجلس النواب العراقي (البرلمان)، ردّع الطلبة عن دعم المتظاهرين بأنه نوع من أنواع الدكتاتورية، متعهدة في الوقت عينه بـ«مواقف صارمة» تجاه وزيري التربية والتعليم العالي.
النائب جمال فاخر، قال في بيان له، إن «قرارات وزيري التربية والتعليم العالي بمنع التظاهر السلمي للطلبة والكوادر التدريسية وكيل التهم عليهم جزافا بدون أدنى حق، محاولة غير مقبولة لطمس الحريات وتكميم الأفواه»، معتبرا أن «ذلك نوع من أنواع الدكتاتورية والنظام الشمولي».
وأضاف أن «هذه القرارات هي تصرفات واستغلال للمنصب لا يمكن السكوت عنه أو قبوله سواء في هاتين الوزارتين المهمتين أو غيرهما من الوزارات»، مشيرا إلى أن «التظاهر السلمي للمطالبة بالحقوق حق كفله الدستور وجميع القوانين».
وأكد أن «أي محاولات للتجاوز على الحقوق التي كفلها الدستور سيكون لنا تجاهه مواقف صارمة وقوية في مجلس النواب تصل إلى الاستجواب وسحب الثقة لأي وزير يستغل منصبه لهكذا أمور غير قانونية».
وحتى يوم أمس الأول، قُتل 74 شخصاً وأصيب نحو 3654 آخرين خلال التظاهرات التي تشهدها البلاد منذ يوم الجمعة الماضي. حسب مفوضية حقوق الإنسان.
إلى ذلك، أصدر قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية في الرصافة قرارا باستقدام وزيرين في الحكومة السابقة وأعضاء في مجلس النواب حاليا.
وقال بيان صادر عن المركز الاعلامي لمجلس القضاء الأعلى أمس، إن «قاضي تحقيق محكمة مكافحة الفساد المركزية في الرصافة أصدر بتاريخ اليوم (أمس) قرارا باستقدام وزيرين في الحكومة السابقة وحاليا هم أعضاء مجلس نواب عن قضايا هدر المال العام».
كذلك، قضت المحكمة الاتحادية العليا- أعلى سلطة قضائية في العراق- بعدم خضوع توزيع المناصب وفق قرار المحاصصة.
وقال المتحدث باسم المحكمة حسام الساموك في بيان أمس، «قيام القوائم والكتل السياسية بالمطالبة بمناصب وكلاء الوزارات ورئاسة الهيئات والدرجات الخاصة في أجهزة الدولة وفق استحقاقها لا سند له من الدستور».
وأضاف أن «السير خلاف ما نص عليه الدستور قد خلق ما يدعى بالمحاصصة السياسية في توزيع المناصب، وما نجم عن ذلك من سلبيات أثرت في مسارات الدولة وفي غير الصالح العام».