الخرطوم ـ «القدس العربي»: يبدو أن الصراعات التي كانت طي الكتمان داخل تجمع المهنيين في السودان، خرجت للعلن، وآخرها لمكون الأطباء الذي اتهم قادة التجمع بارتكاب تجاوزات، والانحراف عن مسار الثورة وأهدافها.
وقال الأطباء في بيان إن «قادة التجمع مكنوا نقابات النظام السابق من الاستمرار في عملهم». وسمى البيان أحد أبرز قادة التجمع أحمد ربيع الموقع على الوثيقة الدستورية مع المكون العسكري، متهماً إياه بأنه «يمثل هزيمة لخط الثورة وقواها الحية ونقاباتها الحقيقية».
كما طالب البيان «بمحاسبة ربيع وتعليق عضويته، وتكوين سكرتارية جديدة».
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتهم فيها ربيع بالتجاوزات، فقد سبق وأن اتهمه ناشطون سياسيون بالتوقيع على الوثيقة الدستورية دون موافقة مكونات تجمع المهنيين الرافض لأي شراكة مع المكون العسكري الحالي.
ونفى عضو مجلس المهنيين عمار يوسف بأن يكون قد أوصى ربيع بالتوقيع على الوثيقة السياسية، وقال لـ«القدس العربي»: لم أكن ضمن اللجان المنوط بها مناقشة الوثيقة أو إصدار التوصيات».
صراع ضروري وحتمي
ونوه إلى أن «الصراع داخل المهنيين ضروري وحتمي»، وأرجع السبب لـ«اختلاف المناهج والرؤى». وألمح إلى أن «بعض التكوينات لم يختبر العمل النقابي».
ورأى أن «الأدوار التي سيلعبها تجمع المهنيين ستكون أكبر خلال الفترة المقبلة»، وأشار إلى أن «أمامه معارك استعادة النقابات ومراقبة اداء الفترة الانتقالية»، وشدد على «ضرورة تطوير هياكله وكذلك ميثاقه».
في الموازاة، تسرب الجمعة خطاب بعثت به شبكة «الصحافيين السودانيين» الى مجلس المهنيين تطالب فيه بسحب الثقة من سكرتارية التجمع، ومحاسبة القياديين، محمد ناجي الأصم، عمار يوسف، أحمد ربيع، طه عثمان ومحمد حسن عربي. واتهمت هؤلاء بـ«ارتكاب مخالفات وتجاوزات». وفوجئت الشبكة أن خطابها أصبح متداولا، ما دفعها لإصدار تعميم، طالبت فيه بمعرفة مصدر تسريب الخطاب.
وقال قيادي في تجمع المهنيين، قطاع الأطباء، فضل حجب اسمه، إن «مجلس تجمع المهنيين عقد اجتماعا قرر فيه عدم التوقيع على أي وثيقة قبل عرضها عليه»، في إشارة الى توقيت ما قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية.
وتابع : «تفاجأنا أن أحمد ربيع وقع على الوثيقة السياسية، وتردد أن ربيع استشار عضو مجلس المهنيين عمار يوسف حول التوقيع، والأخير أوصاه بالتوقيع».
وذكر أن «ربيع سافر إلى جنوب السودان برفقة المجلس العسكري دون إخطار تجمع المهنيين، الذي لم يفوضه، وبعد عودته لم يدل بتصريحات توضح أسباب مشاركته».
في هذه الأثناء، أبعد مجلس المهنيين الناطق الرسمي باسمه أمجد فريد قبل أيام، دون توضيح الأسباب، إلا أن اتهامات وجهت له بقيادة خط مهادن سمح للمكون العسكري بأن تكون له سلطات أوسع. كما اتهم بالشراكة في عملية سياسية سمحت للنظام السابق بالبقاء في بعض مواقع العمل.
لكن فريد رد على هذه الاتهامات عبر «القدس العربي»، قائلاً: «هذه التهم واحدة من مخلفات النظام السابق الذي اعتمد على عدم الأمانة في الاختلافات السياسية».
مكوِّن الأطباء انتقد الانحراف عن مسار الثورة وأهدافها… ورفض الاتفاق مع الجيش
وبين أن «هناك محاولات متكررة لتشويه صورته من خصوم سياسيين». وزاد: «من يطلق هذه الشائعات ليست لديه أدلة». ونفى قيادة خط مهادن، مشيراً إلى أنه «ظل مع قوى الثورة يعملون على تحقيق مكتسباتها»، ولم ينكر أن الاتفاقية مع العسكر لم تحقق كل مطالب الثوار السودانيين.
أحمد الشيخ نقيب الأطباء، قال لـ«القدس العربي» إن «اللغط الدائر كان يتطلب إصدار بيان يعلن من خلاله أن التغيير هو عمل إجرائي وإداري وليس بغرض التشكيك أو اتهام عضو بالتجاوزات»، مشيرا إلى أن «واجبهم تمليك الجماهير كل الحقائق».
والمح الى أن «ما يحدث داخل المهنيين اختلافات في وجهات النظر يحسمها الرأي الجماعي لصالح الثورة».
وذكر أن «تغيير أمجد فريد أحد مطلوبات العمل الإداري»، مؤكدا على «استمراره مندوبا لنقابة الأطباء في مكتب العلاقات الخارجية داخل التجمع».
وأوضح أن «النقابة لديها مندوبين في العلاقات الخارجية ينوب عنهما فريد في حال الغياب».
وأقر أن «الفترة المقبلة تتطلب حرصا في العمل لجهة أن المهنيين تنتظره أدوار مهمة مثل مراقبة ودعم الفترة الانتقالية، واستعادة النقابات». وكشف أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أكد لهم على «ضرورة إحداث تغييرات جذرية في الاتحادات والنقابات». ورأى أن «تجمع المهنيين قائد الثورة سيظل حاميها»، وأقر أن «هناك أخطاء إدارية وإجرائية تحدث لكنها لن تهدد مستقبل تجمع المهنيين».
وقررت سكرتارية شبكة الصحافيين السودانيين، أحد مكونات تجمع المهنيين فصل ممثلها في سكرتارية التجمع الصحافي محمد الأمين.
وقالت «بعد طول تأنٍ وتحقيقٍ وتمحيصٍ، ومكاشفات لا تعوزها الشفافية والصراحة الثورية، قررنا فصل الزميل الصحافي محمد الأمين عبد العزيز».
وأرجعت الأسباب إلى ما وصفتها بـ«التجاوزات الفادحة والمكلفة التي قام بها أثناء عمله، والتي كادت أن تلحق ضرراً فادحاً بالمسار النضالي للشبكة والتجمع لولا تداركها ومحاصرة ما ترتب عنها».
وأكدت أن «أدلة دامغة توفرت لديها وعند مواجهته أقر واعترف، لكنها لم توضح أو تسمي التجاوزات».
وأشارت إلى أنها «تربأ بنفسها عن أي تمويل خارجي يطعن في نزاهتها ويجعلها رهينة لعملاء في الداخل أو الخارج». وذكرت بأن «الأمين كان يتحرك خارج نطاق صلاحيته داخل السودان وخارجه».
والأمين غادر الخرطوم إلى القاهرة ومكث فيها ما يقارب الأربعة أشهر، وعاد بعد إسقاط النظام السابق.
وفي أول رد فعل حول فصله اتهم الأمين الحزب الشيوعي بالتسبب في قرار فصله.
وشكك في صحة ما تناولته شبكة الصحافيين، وقال إنها «لم تتحر الدقة والصدق». ونفى بشدة أن تكون لديه علاقات بالتخابر، مؤكدا أن مغادرته الخرطوم كانت بغرض حمايته من الأجهزة الأمنية التي كانت تبحث عنه. وأشار إلى كونه القائد الفعلي للحراك الجماهيري.
على كف عفريت
القيادي في «الحرية والتغيير» وتجمع المهنيين، خالد حسن عثمان، شدد لـ« القدس العربي» على «ضرورة محاسبة مرتكبي الأخطاء».
وزاد: «المحاصصة أنتجت وزراء أقل من طموحات الثورة».
واعتبر أن «مستقبل تجمع المهنيين أصبح على كف عفريت، بسبب الأخطاء الفردية».
أما أسامة حسن عضو تجمع المهنيين، فبين لـ«القدس العربي» أن «الاخطاء الفردية التي ارتكبت بعد سقوط نظام البشير، خلقت حالات من الارتباك وسط قطاعات عريضة من السودانيين، لجهة أن التجمع أعاد إليه الأمل في قيمة العمل النقابي وجدوى الفعل السياسي».
وشدد على أن «أمنيات النظام السابق، ببث الشائعات ومحاولة تقليل الدور الفاعل الذي كان يقوم به التجمع».
وتابع : «بعد سقوط نظام البشير ظهرت تحركات فردية، لديها نزعة سلطوية، ما أضر بالتجمع، أبرزها توقيع الوثيقة الدستورية، وبدأت تنشط مجموعات تخريبية وسط المهنيين، ونسيت أن دور التجمع يتبدى في كونه مكونات نقابية وليست سياسية، رغم أن عددا كبيرا من الأعضاء ينتمون لأحزاب سياسية، لكنها كانت تعمل وفقا لمبادئ التجمع المرسومة بعناية». ودعا إلى «ضرورة الفصل بين مهام العمل النقابي المطلبي والعمل السياسي الذي تحركه الإيديولوجيا الحزبية التي غالبا ما تكون أضيق».
وطالب بـ«ضرورة انتخاب قيادات جديدة تعيد للسودانيين الثقة في تجمع المهنيين بانتظار أدوار أكبر».