شخصيّة فريدة وممّيزة، كما عرفتُه طيلة خمسة عقود.
في بداية لقاءاتنا به (نزيه وأنا) في بيتنا في “عين الرمانة” في بيروت، قال لنا معرفاً بنفسه: “بدأتُ بنشر بعض ما أكتب عندما كنتُ أشتغل سنكريّاً، وأفكّر في أشياء تشبه القصص وتشبه المقالات، على إيقاع طرطقة التنك وتصليح بوابير الكاز، وصنع النوّاصات التنكيّة لقهر الظلام”.
كان عفويّاً في كلامه هذا، يسعى إلى قهر الظلام، ظلام العوز، الظلام الذي تعيش فيه بعض الفئات الاجتماعية بسبب ما يحكم الواقعَ الاجتماعي من قوانين لا عدالة فيها بين المواطنين.
من ظلم العوز سعى إلى نور الكلمة، ومن دراسة اقتصرتْ على أربع سنوات في مدرسة ابتدائيّة، أصبح كاتباً في الصحافة التي يقرأها الناس، ثم ناقداً ترك عدداً من المؤلّفات. إنّه ظاهرة أدبيّة ثقافيّة نادرة.
أتذكّره… أتذكّر حديثه عن نفسه، عن ماضيه الذي لم يتنكّر له حتى بعد أن أصبح كاتباً، وعضواً في هيئة تحرير مجلة “الطريق”. يحدثنا عن عمله المتنوع في المجلة: قراءة المواد، تحريرها، تصحيحها بعد الطباعة، كتابة ما يعرِّف بكاتب المادة المنشورة… إضافة إلى ما كان يكتبه هو من مقالات للمجلّة. كان يبدو متعباً ولكن سعيداً، وعلى استعداد لمزيد من العطاء.
كان يخبرنا، من دون فخر، عن عمله في ميدان الكتابة والثقافة، ويحكي لنا عن صداقته لبعض النقاد والباحثين الذين كانت “الطريق” تنشر لهم ما يرسلون من أبحاث ودراسات، أو الذين كان محمد يستكتبهم للمساهمة فيما كان يُعدّه من محاور بحثيّة وحوارات ثقافيّة للمجلة. أذكر من هؤلاء النقاد والباحثين محمود أمين العالم، عبد العظيم أنيس، سمير أمين، والروائي عبد الرحمن الشرقاوي…
يحكي… ثم يقول لي، وكأنَّه انتهى من تقديم أمثولته: إقرأي… أكتبي.
وكنتُ أتساءل في سري: ماذا؟ ماذا تودُّ أن أقرأ يا محمد، وماذا يمكنني أن أكتب!
وكأنَّه كان يقرأ خجلي وتساؤلي الصامت وقد ارتسم في عينيّ وعلى ملامح وجهي، فيزوّدني بقائمة من الإصدارات الروائيّة والقصصيّة. وكنتُ، مثل طفلة فرحة بشراء لعبة لها، أسارع إلى شراء هذه الكتب من مكتبات ساحة البرج والمعرض في بيروت. أذكر منها: “بحيرة المساء” لإبراهيم أصلان، “الأرض” لعبد الرحمن الشرقاوي، قصص ليوسف إدريس، وروايات لنجيب محفوظ، وغيرها كثير…
كنت أحبُّ كتابة القصص، هكذا قدَّمتُ له قّصةً كنت قد كتبتها عن جارنا “أبو إبراهيم”، صيّاد السمك الفقير، الفاشل.
لم يعلِّق، بل بادر يقول لي: ما رأيك لو تكتبي عن المسرح، عن مسرحيّة “الفرافير”، أو عن مسرحيّة “ضاعت الطاسة”، وكنتُ قد حكيتُ له عن مسرحية “الفرافير” التي حضرناها، نزيه وأنا، على المسرح القومي في القاهرة أيام عبد الناصر، وعن إعجابي بتمثيل توفيق الدقن المدهش. كما كان يعرف أني شاهدتُ مسرحيّة “ضاعت الطاسة” لأنطوان ولطيفة ملتقى، صديقيْ نزيه، التي كانت تُعرَض على مسرح بعلبك في بيروت. حكيتُ عن فنيّة الإخراج والتمثيل وإعجابي الفائق بإداء الممثّل الياس الياس.
حكيت…ثم كتبتُ عن المسرحية التي حكيتُ عنها، ونشر محمد ما كتبتُ في مجلة “الطريق”، وكانت هذه بداية تعبق حروفُها بمحبّة الأصدقاء وتشجيعهم.
كان محمد صديق المسارح، شغوفاً بحضور ما يُعرض منها، تربطه علاقة وديّة بعدد من المسرحيين أمثال يعقوب الشدراوي، وأنطوان ولطيفة ملتقى، والممثل الياس الياس، وفيما بعد الرحابنة.
ولكن…
يوم كتبتُ عن رواية “السؤال” لغالب هلسا، أخذ عليّ ما سماه “نزوعي البنيوي”، ومع هذا نشر دراستي في “الطريق”، ثم راح يناقشني وينتقدني… وكان ذلك من أجمل ما عرفت في معاني الاختلاف التي لا تفسد مودَّة، والتي تشير إلى انفتاح النقاش على الرأي الآخر، واحترامه، بدون السقوط في المجاملة، وبدون الخلط بين الصداقة والمعرفة، أو بين ما هو الشخص والعلاقة به، وبين ما هي الكتابة في وجودها المستقل، في حركتها الموضوعيّة، وفي اختلافها.
أسأله:
س- ما هو مأخذك على البنيويّة؟
ج- النقد البنيوي لا يقدِّم موقفاً تقويميّاً من النصّ موضوع النقد. لا نقد بدون تقويم. أين هو، مثلاً، رأيك من رواية “السؤال”؟ نقد بلا رأي للناقد ليس نقداً.
س- ألم يكن واضحاً ما قدمتُه من مواقف مصطفى سعيد التي انتقد فيها الغرب الرأسمالي واستعماره لبلده؟ ألم تر أني كنتُ فيما قدمتُ أقفُ، بصفتي ناقدة، وراء الكاتب؟
ج- الكاتب، بصفته مثقفاً، مسؤول اتجاه الثقافة بما هي وعي، متقدم بالواقع الاجتماعي، وعي نقدي يمارس فاعليَّته اتجاه الثقافة، في التغيير التقدمي، التحرري. البنيوية تلغي وظيفة الأدب.
كان محمد يصرُّ على نقد البنيويّة حتى لو أفاد منها النقد بشكل غير مباشر. وكان بالمقابل يسأل عن جنس النقد الذي يمارسه. فقد كان يكتب نقداً يشبه السرد وينطوي، في الآن نفسه، على إبداء الرأي بالمقروء، بموقف الكاتب. نقد لا يخلو من كلام على شخصيّة الكاتب وعن زمنه. وكان يسأل عن إمكانية “تجنيس” ما يكتب.
في إهدائه لي واحداً من كتبه الأخيرة يقول: “من المواد الأوليّة للذاكرة ولأوراق شتى… إلى: الكتابة! فهل بالإمكان تجنيس هذا النوع من الكلام؟”.
يومها لفتني في إهدائه ما سماه “هذا النوع من الكلام”. فقلتُ له: الكلام يا محمد يشير إلى الملفوظ الشفوي القادم من الذاكرة، ومن أوراق هي، غالباً، رسائل، أي مدوّنات من الذاكرة، وهي كلُّها كلام. والكلام يا محمد نوعٌ من السرديّات؟ لئن كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فلماذا لا نسمّي “هذا النوع” من كتاباتك النقديّة، سرديّات في النقد الأدبي، علماً بأن “السرد” لا ينفي، عن مثل هذه الكتابات، التحليل، والتأويل، والتقويم؟
سرديّات نقديّة، تكتسب بصفتها، كما تقول، من المواد الأوليّة، الكثيرَ من الصدق، ومن الشفافيّة، ومن السّلاسة ومتعتها.
أعتقد أن اقتراحي راق له يومذاك، فقد كنت، ولا أزال، أرى في سرده النقدي، ذاك الإحياء للشخصيّة، الإحياء المختلف عمّا نعرفه عنها، والموقف المضمر في اختياره النصّ موضوع قراءته. أشير إلى ما كتبه عن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري يوم مجيئه في العام 1951 إلى بيروت للمشاركة في حفل ذكرى عبد الحميد كرامي.
في كتابه “وجوه لا تموت” يروي محمد عن هذه المناسبة، عن باعة الصحف الذين ينادون: “قصيدة الجواهري بذكرى عبد الحميد كرامي”؛ “قنبلة سياسيّة في سينما ريفولي: قصيدة الجواهري”.
ثم عن “الجمع في قاعة سينما ريفولي. في الصف الأمامي رياض الصلح رئيس الوزراء، ووزراء ونواب وشخصيّات وعصبة من رجال السّياسة والمال… شرطة هنا وشرطة هناك، على الجانبين، ثم باقي الناس، وحشد كبير خارج القاعة”.
يصعد الجواهري إلى المنبر، يلقي قصيدته:
“باقٍ وأعمارُ الطغاةِ قصارُ/ من سِفْرِ مجدكَ عاطرٌ موّارُ
عبد الحميد وكلُّ مجدٍ كاذبٌ/ إن لم يُصَنْ للشعبِ فيه ذِمارُ
والمجدُ أنْ يحميكَ مجدُكَ وحدهُ/ في الناس لا شُرَطٌ ولا أنصارُ”.
يسرد محمد دكروب تفاصيل المناسبة، يخبرنا أنَّ وزارة العويني الجليلة دشنت نشاطها العظيم بقرار “طرد” الجواهري من لبنان، ويضيف: “العويني نسيه الناس. أما الجواهري.. أما تلك القصيدة/الحدث.. أما معظم شعره في ذرواته الإبداعيّة والاقتحاميّة، فهو هو: باق وأعمار الطغاة قصار”.
في سرده لهذا الحدث يُضمِّن محمد دكروب موقفه الإيجابي من شعر الجواهري، ونقده السلبي لسياسة وزارة العويني.
اليوم وأنا أعود بذاكرتي إلى نصوصك يا محمد أؤكد لك تميّزهاً بهذه التوليفة الجميلة بين النصّ وصاحبه وتاريخه، كما بين مرجعيّات من الذاكرة، ومن مدوّنات هي رسائل وصحف ومجلات.
كنتَ تكسر الحدود بين المرجعيّات، فتشكّل الكتابةُ النقديّةُ عندك توثيقاً لعمليّة تناصّ تجاوري، وربما لكتابة تتداخل فيها الأنواع الأدبيّة. كتابة لها فرادتها في نقدنا العربي الحديث.
محمد دكروب (1929ـ2013)
ـ ولد في مدينة صور على الساحل الجنوبي من لبنان.
ـ تلقى التعليم الابتدائي في المدرسة الجعفريّة في صور لمدة أربع سنوات فقط، وترك المدرسة قبل نيل الشهادة الابتدائية لضرورات العيش.
ـ عمل في مهن عديدة: سمكري، عامل بناء، بائع ترمس وفول وخبز وفلافل وياسمين.
ـ بعد انتقاله إلى بيروت عمل في ميدان الثقافة: محرراً لمجلة “الثقافة الوطنيّة”، وجريدة “الأخبار”، وجريدة “النداء”، ثم عضواً في هيئة تحرير مجلة “الطريق”، ورئيساً لتحريرها حتى وفاته.
من مؤلفاته: “جذور السنديانة الحمراء”، “شخصيات وأدوار في الثقافة العربيّة الحديثة”، “وجوه لا تموت”، “الأدب الجديد والثورة”، “تساؤلات أمام الحداثة في النقد الأدبي العربي الحديث”.