يحتاج عبد الفتاح السيسي للوصول إلى ما يريده من إعلامه إلى جهاز “فك الشفرة”، لأن المعنى دائما في بطن الشاعر، والشاعر في حالتنا هو شخص عبد الفتاح السيسي، وكل من يشعر، ولو بالجوع فهو شاعر!
لم يرض السيسي أبداً عن هذا الإعلام، ولهذا فإن تصريحه عنه الخميس، ليس جديداً، فدائما يتحدث عن الإعلام بشقيه، إعلامه، والإعلام الخارجي، والإعلام التقليدي، والـ”سوشيال ميديا”. وقد قال إن الدولة المصرية تتعرض لحرب إعلامية، ثم أشار إلى تقصير إعلامه في مواجهة هذه الحرب، التي تستهدف إسقاط هذه الدولة. وعندما يتحدث الحاكم العسكري المستبد عن “الدولة” فأعلم أنه يقصد ذاته “المتورمة”!
وبدون لف أو دوران، فلا يوجد حكم في المنطقة، استهدفته مواقع التواصل الاجتماعي، كما استهدفت السيسي، لكن من الخطأ أن يصور نفسه على أنه بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب؛ فهو من يوفر المادة الخام، بكلامه وأفعاله وممارساته لهذه المنصات، فهي صدى لصوته، ولماذا لا يمد الحبل على استقامته، ليرى أنه الحاكم الوحيد في المنطقة، الذي أصبح عنصراً مشتركا في التنديد باسمه في كل مظاهرات الربيع العربي، ومن تونس إلى الجزائر، ومن السودان إلى لبنان، فكلما خرج المتظاهرون في أي عاصمة عربية لعنوا حكامهم، بالإضافة إلى السيسي، الذي وحد الأمة على قلب رجل واحد ضده، ولعل المظاهرات الوحيدة، التي لم تهتف ضده هي التي خرجت في العراق!
فلماذا لم يجلس السيسي بينه وبين نفسه، بدلاً من الحديث عن الاستهداف، وادعاء البراءة ليسأل عن السبب الذي يجعله كذلك؟ فهل يعتقد أن هذه الهتافات ضده، تمثل غيره من كل سكان العواصم العربية من إنجازاته المجيدة، ورفعه لاسم مصر عالياً، بأكبر كنيسة، وأطول مئذنة، وأعرض جسر، وأكبر عدد من القصور، التي هي الأكثر عدداً من كل قصور الحكم في الدول العربية ودول الاتحاد الأوربي؟! وأنهم يهتفون ضده حسداً من عند أنفسهم؟!
ولما لم يسأل نفسه: لماذا هو الحاكم الوحيد في هذا الكون الفسيح، الذي يلعن عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن العرب والعجم، وفي بلاد الهند والسند، وفي بلاد كانت تركب الأفيال، فتجاوز فكرة توحيد الأمة، إلى توحيد العالم.
ولماذا لم يسأل نفسه مثلا: لماذا لا نرى له مؤيدين في البلاد التي يتحالف قادتها معه، بما يرد غيبته، ويمثل رداً للعدوان عليه في مواقع التواصل، بمعنى لماذا لا يحتشد أهالي السعودية والبحرين والإمارات، فيذكروه بالخير، بل لماذا لا يكون الدفاع عنه لا يتم في الداخل المصري سوى عبر اللجان الالكترونية، التي يغيب عن دفاعها المنطق، ولا تجد ما تقوله سوى السب والطعن؟!
إذا رأى السيسي أن هذا الهجوم عليه عبر الـ”سوشيال ميديا”، وما يصفه بالحرب الإعلامية، يتم من قبل الكارهين لمصر، فلا أمل فيه؛ ذلك أن وضع مصر الحالي هو الأمثل لخصوم مصر وكارهيها، فهي البلد التي جاء حاكمها بانقلاب عسكري، وهي التي في تراجع يوما بعد يوم على المسارات كافة، ويمثل حاكمها خطراً على مستقبلها بإغراقها في الديون وبإهدار مواردها، ويمثل خطراً على أمنها القومي بتفريطه في التراب الوطني وفي حصة مصر التاريخية من مياه النيل، وفي وضع جيشها في مواجهة الشعب من أجل حماية وجوده في الحكم، سواء كان هذا الوجود اقتصادياً أو أمنياً!
إن السيسي هو الخيار الأمثل لخصوم مصر وأعدائها، ولا يمكن البتة أن تكون الحرب الإعلامية عليه، من كارهين لمصر ومن أعدائها!
تقصير الإعلام الداخلي
ونأتي إلى الجانب الآخر في الموضوع وهو الإعلام الداخلي، الذي لا يمل السيسي من وصفه بـ “المقصر” ورميه بالتقصير، فأين هو الإعلام في مصر، وقد تحول كله مع تنوع ملكيته إلى إعلام موجه وأبواق يديرها الضباط عن طريق الضابط أشرف الخولي وأمثاله، وبرسائل تأتي عبر جهاز الهاتف النقال “سامسونغ” وقد قرأتها مذيعة غير متمكنة، لأن الرسالة جاءتها وهي على الهواء، فنسي منتجو النشرة إزالة هذا النص الزائد من شاشة المذيع، وعموما لا يُغني حذر عن قدر!
إن هيمنة الضباط على القنوات التلفزيونية وعلى المحتوى الذي تبثه، يجعل من اتهام الإعلام بالتقصير، يدخل في باب الافتراء، فالقائم بالاتصال الحقيقي هي الإدارة الحربية، التي تدير الإعلام المصري كله، مهما كانت ملكيته، فلا تفرق بين الإعلام المحسوب على المعارضة والخاص، بالإعلام الحكومي، وقد عرف نظام السيسي شراء أكبر عدد من وسائل الإعلام لصالحه، عبر شركات مالكة تتبع الأجهزة الأمنية، وما بقي خارج هذه المنظومة، هو تحت الرقابة، فالشركات التابعة للجيش، لم تشتر قناة “صدى البلد”، وهي القناة التي يقدم منها برنامج أحمد موسى، العابد الناسك في محراب السيسي، وتم شراء نصف قناة “دريم” ليتم من هذا الباب تدميرها، لمجرد استضافة وائل الإبراشي المذيع بها لمكالمة هاتفية من الفريق أحمد شفيق دافع فيها عن مصرية جزيرتي “تيران وصنافير”، فأطيح به، وكان ثمن عودته هو إجبار مالك القناة أحمد بهجت على بيعها لشركات الجيش، وبعد مفاوضات تنازل عن النصف، وبعد إتمام الصفقة لم يعود وائل مع ذلك إليها، فقد أعادوه إلى قناة “الحياة”، وقد استوعب الدرس القاسي، وكان بحاسته الصحافية يعتقد أن تقديم الرأي الآخر في قضية كهذه إنما يخدم النظام القائم، وهو لم يختر أحداً من المعارضة، وإنما اختار عسكريا منضبطاً كان يقيم وقتها في الإمارات!
إن جريدة “المصريون” الخاصة، صدر حكم قضائي غير مسبوق بفرض الحراسة عليها، لتديرها بمقتضى هذا الحكم مؤسسة “أخبار اليوم” الصحافية الحكومية. فماذا بقي من الإعلام المصري ما هو خارج الحظيرة.
النموذج المفضل لدى السيسي
الإلزام بالأوامر العسكرية، الصادرة من الضباط، الذين يديرون المحتوى الإعلامي في وسائل الاعلام المختلفة، يتم على أساس التقاليد العسكرية في إدارة وحدات الجيش، وباعتبار هذه المؤسسات هي ضمن امتدادات الوحدات العسكرية، فليس مسموحا لأحد بالخروج على التوجيه، ولو كان من صدرت له التعليمات يرى أنه لقربه من الحاكم الفرد، يستطيع أن ينقل الرسالة بتصرف، وأن تصرفه هو لصالح الحكم!
إن “أسامة كمال” هو النموذج المفضل لدى السيسي للإعلامي؛ فأداؤه هادئ يبعث على النوم، وحنجرته لا تبعث سوى نغمة واحدة، ثم إنه يفتح فمه ولا يتكلم، ويتحدث فلا تعرف ماذا يقول، إنه “باطني” كالسيسي، ولهذا فقد اختاره ليقدم برنامج “التوك شو”، على القناة المملوكة للسلطة من أول يوم، “دي أم سي”، واللقب: قناة المخابرات، ومع هذا لأنه كان يجتهد مع النص المرسل عبر رسالة “سامسونغ”، فقد حلت عليه اللعنة، وأبعد عن الشاشة!
فالفشل هنا هو في الإدارة العسكرية للإعلام؟ ثم ماذا في يد أي إعلامي متمكن أن يفعل؟!
إن الإعلامي قد يصنع من “الفسيخ شربات”، شرط توافر “الفسيخ”، لكن السيسي يريد من الإعلام أن يخلق الفسيخ ثم يقوم بتحويله إلى “شربات”، حتى وإن كان في صحراء جرداء لا توجد فيها محيطات أو أنهار يتم اصطياد السمك منها لتحويله إلى “فسيخ”!
الميكرفون معه، فليعتبر السيسي نفسه أنه إعلامي فماذا بإمكانه أن يقول عندما يطلب منه الرد على اتهامه بالفشل؟ وأنه فرط في التراب الوطني. وأن توقيعه على اتفاق المبادئ الخاص بسد النهضة، مثل تنازلا عن حصة مصر من مياه النيل. وأنه أغرق مصر في الديون. وأن ميزان الأولويات لديه مختل فيشيد عاصمة إدارية جديدة والشعب المصري يشكو الفقر. وهو الشعب الذي وضع قاعدة: “ما يحتاجه البيت يُحرم على الجامع”. ويبني سلسلة من القصور له، والمصريون حالهم لا يخفي على أحد. وأنه عذاب ومعاناة حلت بالمصريين، وهو ما اعترف به بعظمة لسانه؟!
المشكلة ليست في الإعلام. ولكنها في السيسي.. فمتى يقر بهذا؟!
أرض – جو
• من بين مذيعات “الجزيرة”، اللاتي التحقن بها في وقت متأخر، من صرن بأدائهن يمثلن بصمة، وعلامة تجارية، تدفع المشاهد للاعتقاد بأنهن من الجيل المؤسس، وإن كن في مرحلة التعليم الأساسي وجمال ريان يقول: أهلا بكم.. هذه أول نشرة إخبارية من قناة الجزيرة في قطر” في غرة نوفمبر/تشرين الثاني 1996. لقد فوجئت بأن فترة عمل “ميادة عبده” إحدى علامات الجزيرة المميزة، هى خمس سنوات، عندما كانت من بين من تم تكريمهم وفق سنة استنتها الجزيرة بتكريم من مضى على عملهم بها خمس سنوات.
• و”الجزيرة” تحتفل بعيدها الـ 23، ستحتفل بعودة خديجة بن قنة للشاشة، وعودة برنامج أحمد منصور “شاهد على العصر”، ويظل افتقادنا للسعودي “علي الظفيري” قائما، وإن كنا افتقدنا قبل غيابه برنامجه الرصين “في العمق”.
• بعض البرامج ترتبط بأصحابها، لأنها تمتزج بشخصيتهم وتُعطى نفحة من روحهم، وعندما يتركوها تظل مشكلة من يحل محلهم في أن المشاهد أو المستمع لا تغيب عنه صورة المذيع الأول، وكأن البديل له تزوج بثيب. وهذه مشكلة برنامج “بلا حدود”، مع أن من قدموه بعد أحمد منصور لا تنقصهم الخبرة أو الكفاءة، لكنها مشكلة التداخل بين البرامج ومقدميها. لقد فضلت البكر على الثيب في التراث الديني!
• ومع افتقادنا قديما لـ “أكثر من رأي” وسامي حداد، و”نقطة ساخنة” وأسعد طه، وحديثاً لـ “في العمق” وعلي الظفيري، نذكر أن “للقصة بقية” وفيروز زياني، و”سيناريوهات” ومحمد كريشان، اضافتين مهمتين لشاشة الجزيرة.
• وعادت “ليلي الشيخلي” لـ”الجزيرة”.. فمن خرج من داره قل مقداره.
صحافي من مصر