مدينة نالوت الليبية درة من جبل نفوسة المنسية

روعة قاسم
حجم الخط
2

تونس-“القدس العربي”: نالوت هي مدينة ليبية في أقصى الغرب. تبعد عن العاصمة طرابلس 276 كيلومترا وتقع في جبل نفوسة، ونالوت ثالث أكبر مدن هذا الجبل بعد غريان ويفرن. وهي قريبة جدا من الحدود التونسية وسكانها على ارتباط وثيق بسكان الجنوب الشرقي التونسي وعلى تواصل مستمر اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا خاصة وقريبة من معبر الذهيبة وازن الحدودي بين البلدين.

طبيعة آسرة

تتميز نالوت بجمال طبيعي آسر واستثنائي، ففيها الجبال الشاهقة والسهول الخضراء والأودية والبحيرات والواحات وكل ما يمكن أن تجود به الطبيعة من لوحات فنية. وذلك خلافا لما يعتقد البعض من أنها أرض قاحلة جرداء بالنظر إلى وقوعها على مشارف الصحراء الكبرى الافريقية التي تمتاز بمناخها الجاف والحار وندرة التساقطات المطرية في جميع الفصول بما في ذلك فصل الشتاء.

ومن أهم الغابات الشهيرة فيها غابة تودا وواحة الجويبية وغابة المالحة وتنوين وسركوم والحسيان ووشيش وغابة إجربن. وتوجد في هذه الغابات والواحات الصحراوية مياه عذبة وأشجار كثيفة بهية المنظر ومنها الزيتون والنخيل والعنب والتفاح، وفي هذه الغابات نشاط فلاحي وزراعات سقوية للخضر وأيضا نباتات غابية. وهو ما يجعل البعض يتساءل كيف يمكن لهذه الجنان التي تجري من تحتها الأنهار أن لا تكون قبلة للسائحين والزوار من شتى أنحاء العالم للتمتع بجمالها وقضاء أيام بين ظلال أشجارها ومياهها العذبة، هل السبب في ذلك الطبيعة المحافظة للسكان أم تقصير الدولة الليبية على مر السنوات في الاعتماد وبصورة كلية وبكثافة على ريع البترول والغاز من دون البحث عن موارد بديلة للاقتصاد؟

هل للأمن غير المستتب في المنطقة دوره في هذا العزوف عن زيارة هذه الأماكن خاصة في ظل تنامي النشاط الإرهابي في السنوات الأخيرة وكذا نشاط التهريب، الأمر الذي يجعل هذه المناطق غير آمنة؟ أم أن غياب البنى التحتية من وسائل نقل مريحة وفنادق وكل ما يتطلبه النشاط السياحي هو الذي يجعل نالوت درة منسية لا يتوجه إليها الزائرون للراحة والاستجمام والهروب من ضغوط الحياة وتعبها؟

استوطنها الإنسان منذ القدم

ونالوت مدينة أمازيغية وأصل الكلمة هي لالوت وقد استوطنها الإنسان الشمال الافريقي منذ أقدم العصور وترك فيها آثارا هامة ما زالت شاهدة إلى اليوم على عراقته وقدرته على الإبداع. وقد كانت المدينة إحدى أهم محطات القوافل التجارية التي كانت تجوب الصحراء الكبرى الافريقية وكانت قبائل الطوارق أو الرجال الزرق، أهم من يتعاطى هذه الأنشطة وخصوصا تجارة الملح الذي يحتاجه سكان الصحراء في حفظ أغذيتهم.

ومع ظهور قرطاج كقوة في المتوسط بعد قرون من تواجد الفينيقيين في شمال افريقيا كانت نالوت ضمن حدود إمبراطورية قرطاج التي قسمت ليبيا الحالية بينها وبين الاغريق وتحديدا بينها وبين القورينيين. وتروى في هذا الإطار قصة الأخوين فيلن القرطاجيين اللذين خرجا من قرطاج يحثان الخطى بعد أن تم الاتفاق مع القورينيين على أن يخرج منهما عداءان أيضا وتكون نقطة لقاء الأربعة هي الحدود بين الطرفين. ووصل الأخوان فيلن قبل، فلم يقبل إغريق قورينا بالنتيجة واشترطا لقبولها أن يدفن الأخوان فيلن حيين فقبلا القرطاجيان ذلك فداء للوطن.

وبعد سقوط قرطاج استحوذ الرومان على أقاليمها وممتلكاتها في شمال افريقيا وخضعت نالوت إلى روما ضمن إقليم أفريكا الرومانية الذي كان يضم تونس الحالية وشرق الجزائر وغرب ليبيا، وأصبحت مدينة قرطاج التي أعاد الرومان بناءها عاصمة هذا الإقليم. وتحول هذا الإقليم لاحقا إلى مسمى افريقية مع العرب وأصبحت القيروان التونسية التي أسسها عقبة بن نافع عاصمته سواء تحت حكم الأمويين في دمشق أو العباسيين في بغداد أو بعد استقلال بني الأغلب في القيروان عن بني العباس.

ويروى أن سكان جبل نفوسة الذي تقع فيه نالوت أرسلوا وفدا إلى عمرو بن العاص في مصر قبيل قدومه إليهم فأرسلهم بدوره إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة حيث اعتنقوا الإسلام طواعية. وبالتالي فقد جنب أهل الجبل أنفسهم قتال العرب الفاتحين وجنبوا مدنهم وقراهم الأسر والسبي والاستيلاء على الممتلكات تحت مسمى الغنائم.

وعاشت نالوت حقبة فاطمية مثل أغلب مدن الشمال الافريقي سواء مع استقرار الفاطميين في المهدية والقيروان في تونس أو عند خروجهم إلى مصر وتأسيس القاهرة على يد جوهر الصقلي ونقلهم لعاصمة حكمهم. كما شهدت الغزو الهلالي مثل أغلب مدن شمال افريقيا حيث جاءت قبائل بني هلال وبني سليم إلى المنطقة بتحريض من الخليفة الفاطمي في القاهرة بعد أن تمرد الصنهاجيون في القيروان وعاثت في المنطقة فسادا ونهبا وتخريبا.

وقدم الموحدون من الصحراء في أقاصي البلاد المغاربية قبل قدوم العثمانيين الذين سيطروا على المنطقة لقرون فظهرت معهم إيالة طرابلس وفصل الغرب الليبي ومعه نالوت عن افريقية أو تونس اليوم. كما تم إنشاء إيالة عثمانية جديدة في شرق الجزائر عاصمتها قسنطينة التي ألحقت لاحقا بإيالة الجزائر وبدأت ملامح الخريطة المعروفة اليوم تبرز تمهيدا لقدوم الاستعمار الغربي.

واحتل الاستعمار الإيطالي شمال ليبيا ونالوت التي قاوم أبناؤها وقدموا شهداء مثل خليفة بن عسكر الذي ثار على الإيطاليين وقاد ضدهم معارك مثل معركة “الجويبية” و”تكويت” وغيرهما. وقد ذكرت المدينة في عديد كتب الرحالة والمؤرخين ومنهم الرحالة الفرنسي جورج ريمون حيث مر بها سنة 1912 وهو قادم من مدينة الذهيبة التونسية.

قصرها الأثري

أهم معالم نالوت على الإطلاق هو قصرها الأثري الذي تم إنشاؤه في القرن الثامن قبل الميلاد وهو قصر أمازيغي شبيه بقصور مدن الجنوب التونسي في تطاوين ومطماطة على وجه الخصوص والتي يصل ارتفاعها إلى سبعة طوابق وتضم الكثير من الغرف المخصصة للتخزين في بيئة حارة لا تنفع معها إلا الحجارة التي شيدت بها هذه القصور.

وفيها أيضا مقام العالم عاصم السدراتي وآثار مدينة تالات وتيركت وجامع الشيخ أبو زكريا بن أبي يحيى الأرجاني الذي توفي في مدينة القيروان التونسية. كما يوجد فيها متحف الديناصور اللاحم الذي تم اكتشافه والذي تم إنشاء تمثال له في مدخل المدينة كدليل على عراقة الحياة في هذه الربوع وفي محيطها بوجه عام خاصة وأن الجنوب التونسي المتاخم اكتشفت فيه أيضا عظام الديناصورات سواء في ولاية تطاوين أو في منطقة شط الجريد.

وأمام هذه الإمكانيات السياحية الهائلة على مستوى المخزون اللافت من الآثار والمعالم، يطرح السؤال ذاته المتعلق بالطبيعة الآسرة وجمالها الخلاب والمتعلق بعوائق الاستثمار السياحي في تلك الربوع التي تعتبر امتدادا للأرض التونسية نجح أهلها في التعريف بمخزونهم الطبيعي والثقافي والحضاري في شتى أنحاء العالم؟ فالغرب الليبي بما في ذلك منطقة جبل نفوسة التي تقع فيها نالوت، يشبه إلى حد كبير الجنوب التونسي الذي بات وجهة سياحية عالمية يأتيها السياح من جميع أصقاع المعمورة للتمتع بالصحراء وجمال الواحات والطبيعة الخلابة والآسرة.

مدينة أمازيغية

يقطن محافظة نالوت أكثر من تسعين ألف نسمة في منطقة تشجع على مزيد من الاستقرار فيها من ساكنة القطر الليبي لو تمت العناية بها أكثر على مستوى البنية التحتية. وأغلب السكان هم من أمازيغ الشمال الافريقي من اللوبيين أو الليبيين إضافة إلى استقرار بعض القبائل العربية الآتية من جزيرة العرب سواء أثناء الفتوحات الإسلامية أو خلال غزوات قبائل بني هلال وبني سليم للبلاد المغاربية.

وتوجد في المدينة عدة قبائل في بلد نظامه قبلي في الأساس وتعتبر القبيلة هي النواة الأولى للنسيج المجتمعي، ومن أهم القبائل فيها قبيلتا العساكرة وقبيلة المقادمة وهناك قبائل أخرى تتكون من عدة عائلات، كأولاد يحيى وأولاد الدير وأولاد سعود. ويحتفظ النالوتيون كما سكان منطقتي مطماطة وتطاوين في تونس بلهجاتهم الأمازيغية وبنمط معماري خاص بهم على هذه الجذور الضاربة في القدم وهذا الانتماء للتربة الشمال افريقية التي استوطنوها منذ أقدم العصور.

الصناعات التقليدية

وينشط أهلها كثيرا في مجال الصناعات التقليدية وخصوصا الصناعات الصوفية من الأغطية والمفروشات التي فرضتها حاجة السكان المحليين إليها. وتصنع الأواني الفخارية أيضا فيها مثل الأغطية والمفروشات التي فرضتها حاجة الإنسان في نالوت وجبل نفوسة في الحياة اليومية في عملية تحقيق للاكتفاء الذاتي من دون الحاجة إلى استيرادها من مناطق مجاورة.

كما ينشط السكان في الفلاحة ولشجرة الزيتون وزيتها مكانة متميزة في الحياة اليومية للإنسان هناك حيث جلب القرطاجيون هذه الشجرة المباركة إلى شمال افريقيا قرونا قبل ميلاد المسيح. وزرعت بكثافة في تونس وجوارها الذي كان في عصر ما جزءا من أراضي جمهورية قرطاج. ويستخدم زيت الزيتون في إعداد الوجبات الغذائية وأيضا في علاج بعض الأمراض ولا غنى عنه في معيشة سكان جبل نفوسة.

لذلك تنتشر في المدينة معاصر الزيتون وتعمل أغلبها بطريقة تقليدية موروثة عن الآباء والأجداد يجلب إليها المنتوج المحلي السنوي من الزيتون في فصل الخريف ويتم تحويله إلى زيت. ورغم أهميته فإن زيت الزيتون هناك لا يحظى بشهرة واسعة على المستوى العالمي مقارنة بالزيت التونسي الذي تم تسويقه ونال شهرة واسعة وأصبحت تونس بفضله من أهم المنتجين لهذه المادة على مستوى العالم وتتنافس على المرتبة الأولى مع إيطاليا وإسبانيا.

وكانت نالوت من أوائل المدن في جبل نفوسة التي انتفضت على النظام الليبي السابق وساهمت في سيطرة المحتجين على معبر الذهيبة وازن الحدودي مع تونس. ومن خلال هذا المعبر تزودت المدينة بالمؤن والمواد الغذائية وقد خلفت المعارك التي شهدتها ليبيا أحقادا بالجملة يبدو البلد في حاجة إلى سنوات أو عقود للتخلص من آثارها السيئة على نسيجه الاجتماعي والقبلي بعد أن سالت دماء كثيرة من هذا الجانب وذاك عجز العقلاء عن منع حصولها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية