ظهر بشكل أوضح في عقد الثلاثينات: أدب السيرة ونماذجه العربية الحديثة

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

كتُب السيرة معروفة في تراثنا العربي، وهي تشكّل جنساً أدبياً قائماً بذاته، قوامه تاريخ سيرة الأدباء ورجال العلوم الدينية بالدرجة الأولى، ولو أن الأكثر جاذبية سِيَر الشعراء التي تكاد تطغى على سِيَر الخلفاء. وربما كان “كتاب الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى عام 356 هـ/966م من أهم تلك الكتب، لأنها تشمل أصنافاً عديدة من الشخصيات في عصور شتى، استغرقت من المؤلف حوالي خمسين سنة من الجمع والتصنيف. لكن هذا الكتاب بمجلداته العشرين، الذي استدعى إعجاب ابن خلدون، لم يسلَم من النقد والتجريح حول دقة ما ورد فيه من معلومات. والذي يهم الأديب والمؤرخ اليوم كثرة الأخبار والأسماء وما يلحق بها من أخبار عن حياة أولئك الشخصيات وسِيَرهم.

أما في عصرنا الحاضر فنجد كتب السيرة قد بدأت بالظهور في حدود عشرينات القرن الماضي، وبشكل أوضح في عقد الثلاثينات، وفي عدد من البلاد العربية وبخاصة في مصر. وأبرز تلك الكتب في السيرة الأدبية هو كتاب طه حسين “الأيام” الذي بدأ بالظهور بحلقات مسلسلة في الصحف ثم نشر في كتاب عام 1929 وسجّل بذلك أول أمثلة أدب السيرة في الأدب العربي الحديث. لقد قرأتُ أنا، كما قرأ أبناءُ جيلي هذا الكتاب، ثم تيسّر لي قراءته مترجماً إلى الإنكَليزية في سنتي الجامعية الأولى. والذي جَذبني في هذا الكتاب، كما جَذب أقراني، هذا السرد التاريخي عن حياة أديب كبير، ولكن بصيغة الغائب، حيث يكون المتحدث “هو” وليس “أنا” بصيغة المتكلم، مما يعطي الحديث صفة التاريخ الذي لا تستطيع الشك في صحته، لأن المتكلم حاضرٌ أمامك، تكاد تسمعه وتراه.

ومن كتب السيرة الذاتية المهمة في تلك الفترة كتاب جرجي زيدان (1861ـ 1914) التي كتبها بشكل “مذكِّرات” عام 1908 ونشرت عام 1966 ولكنها تتحدث عن كفاح فردي لفتى بدأ يعمل مع والده في مطعم صغير ببيروت، لكنه كان يقتنص الدقائق ليقرأ ما يقع بيده من قصص وتواريخ، ويُطلّ من نافذة المطعم على ما يدور من أحداث في ساحة البرج ببيروت. وأهم تلك الأحداث الغليان الشعبي ضد الأجنبي. وما لبث أن وجد نفسه في مصر شأن كثير من الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل، في مجالات العمل والتعليم. وقد قرأ الفتى أعداداً هائلة من الكتب فكان بذلك أول أمثلة الأديب العصامي الذي وصل إلى الشهرة أديباً بجهوده الخاصة، من دون تعليم مدرسي أو جامعي. وهذه المذكرات تصف سيرة حياة الكاتب متّصلاً بالزمان والمكان. يرى جرجي زيدان أن في مذكِّراته الكثير مما يفيد الشباب، بعيداً عن سيرة السياسيين أو الإداريين الزائلة.

ومن كتُب السيرة المهمة كتاب “سبعون” للأديب الناقد اللبناني ميخائيل نعَيمة القروي من “بشكنتا” الذي بدأ تعليمه في المرسلية الروسية ثم في الناصرة ثم في روسيا وأوكرانيا، ثم انتقل إلى نيويورك وجامعة واشنطن في سياتل، واستطاع أثناء ذلك تأسيس “الرابطة القلمية” للأدباء المغتربين في المهجر الأمريكي. وما لبث أن سيق للتجنيد والاشتراك مع الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى. ولما عاد إلى لبنان سالماً، توجه مباشرة إلى قريته “بشكنتا” وفي جُعبته حصيلة ثرّة من التجارب والأسفار في أرض الله الواسعة، لعل أبرزها ذكرياته عن الحرب وهو في مواجهة القوات الألمانية، في فرنسا في الغالب، يُسائل نفسه إن كانت تلك الحرب تعني شيئا لقروي لبناني. فكان يسأل نفسه: هل أنا، أنا؟ إلى جانب تلك الذكريات غير المفهومة إزاء عودته للعمل مع والده في الحراثة والفلاحة، بدأ ميخائيل نعيمة بتسجيل ملاحظات عن سيرة حياته المُترَعة بالأحداث، بدءاً من 1930، حتى بدأ في صياغتها سيرة ذاتية بالغة الغنى بين 1962 ـ 1966. والطبيعة الغالبة في كتاب “سبعون” هي وصف المكان وارتباطه بالإنسان، ولو أن الصورة الأشمل ذات سيماء عالمية شاملة.

ومن كُتب السيرة الذاتية المهمة في هذه الفترة كتاب سلامة موسى بعنوان “تربية سلامة موسى” 1948، الذي يقول في مقدمته إنه إضافة إلى رواية كيف أنه سعى لتثقيف نفسه بنفسه فإنه يريد إظهار نفسه مثقفا متمرداً على عصور الظلام في ماضينا ومحاولاته لربط الماضي بالمستقبل، ذلك الماضي الأسود بما انطوى عليه من ظلم وفقر، وهو “تاريخ الجُبن والجهل الذي عِشتُه وكنتُ أحد أفراد جيله”. فبعد إقامة قصيرة في فرنسا وبريطانيا عاد ليقول “إن فرنسا قد جعلت مني أوروبيا في الفكر والميول”.

ومن كتب السيرة الذاتية المهمة التي ظهرت في هذه الفترة في مصر كتاب توفيق الحكيم “عصفور من الشرق” وكتاب لطيفة الزيّات “الباب المفتوح” وكتاب السوري حنّا مينَه “بقايا صور” وكتاب اللبناني سهيل إدريس “الحي اللاتيني” وجميعها تربط السيرة الشخصية مع المكان والزمان، مما يجعلها قريبة المتناول للقارئ الذي يمكن في بعض الحالات أن يتماهى مع شخصية الكاتب أو يشعر أنه قد عاش زمانه، أو يعيشه في الوقت الحاضر. وهذه الصفة في غالبية السيَر الذاتية الحديثة تجعلها على الجانب الثاني من كتب السيرة التراثية التي يغلب عليها التاريخ الذي لم يعِشهُ كاتب السيرة. لكننا في كتب السيرة الذاتية المعاصرة نحسّ أنها تتكلم لغتنا نحن.

وعلى الجانب الفلسطيني نجد مثالين مهمين من كتب السيرة الذاتية التي تقدم الكاتب شديد الاتّصال بالمكان والزمان وتجعل القارئ يحسّ بأحداثها، بل يتلمّسها أحياناً، ويشعر أنه يعرف الكاتب معرفة شخصية، كما أحسُّ أنا عند قراءة سيرة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، يوم أمسكتُ بذراعها وسرتُ بها إلى منصة الاحتفال بفوزها بجائزة الشعر من مؤسسة سلطان العويس في دبي. كانت تبتسم طوال المسيرة وتعبّر عن كلمات الشكر التي ترنّ في أذني وأنا اقرأ اليوم سيرتها في “رحلة جبلية”. حديث فدوى عن بيتهم العريق في نابلس، بغُرَفِه العديدة الواسعة، وضيوفه الكثار، وحضور شقيقها الدائم الشاعر إبراهيم طوقان (1905 ـ 1941) صاحب نشيد “موطني” مع أوصاف الدروب المحيطة وأصوات الباعة في السوق القريبة، وما يتفرّع عن ذلك من صور المكان مع الإيحاء بالزمان، كل ذلك يتجسد أمام القارئ بالصوت والصورة، مما يجعل الصفحات تنبض بالحياة.

والمثال الثاني للفلسطيني العراقي جبرا إبراهيم جبرا (1920 ـ 1994) في كتابين من السيرة الذاتية “البئر الأولى” 1987، و”شارع الأميرات” الذي نشر قبيل وفاته عام 1994. ثم توالت طبعات أخرى مع ترجمة إلى الإنكَليزية بقلم المقدسي الآخر (المرحوم) أ.د عيسى بُلاّطة، الذي سبق أن ترجم “البئر الأولى”. مثل كتابه السابق، هذا “فصول من سيرة ذاتية” تحتفل بالمكان، وتؤكد عليه، كما تحتفل بالزمان في التصاقهما الشديد بالمؤلف. والمكان هنا: شارع الأميرات، ذلك الشارع الطويل في منطقة المنصور حيث مسكن الأديب، بموازاة ساحة سباق الخيل: شارع تحيط به أشجار الكالبتوس التي تنشر عَبَقها الخفيف في الأماسي، حيث كان جبرا يقضي مسيرات غير قصيرة بصحبة حفيدته ديمه الابنة البكر لابنه البكر سدير. كان جبرا يقول لي إن كثيراً من الأفكار لخطط المقالات أو ترجمات كانت “تأتي إليه” أثناء تلك المسيرات في ذلك الشارع الطويل. وأسلوب جبرا في استعادة ذكرياته تمنح حياة لذلك الشارع الطويل، مما يجعل القارئ “يتعاطف” مع الزمان والمكان كما يعرفها الأديب في هذه السيرة الذاتية. فهو يعرض صوراً حقيقية عن المكان والزمان مع أسماء شخصيات حقيقية أغلبها ما زال على قيد الحياة، وبعضهم رحل، لكن الحديث عنهم يجعلك تشعر أنه ما يزال هنا، في متناول السمع والبصر، سيرة حياة يصعب عليك أن تتصور أن الكاتب لم يعد موجوداً خلف مكتب بمواجهة نافذة تطل على الشارع أمام داره، التي لم تعد موجودة بفعل عمل تدمير إرهابي لا مسوّغ له.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية