حركة النهضة ومعضلة تشكيل الحكومة التونسية الجديدة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:يخوض الحزب الفائز في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التونسية، أي حركة النهضة، مفاوضات شاقة لتشكيل الحكومة الجديدة مع الأحزاب القريبة منه على مستوى التوجهات. وهذه الأحزاب هي ائتلاف الكرامة محمد عبو، والتيار الديمقراطي الذي يرأسه الأمين العام الأسبق لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحركة الشعب ذات التوجهات القومية العربية.

فيما يبدو أنه لا يوجد أي شكل من أشكال التواصل مع الحزب الدستوري الحر الذي ترأسه عبير موسى التي تعتبر امتدادا لنظام بن علي وتوجهاته وهي الأمينة العامة المساعدة السابقة لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل. فقد رفضت موسى الأسبوع الماضي دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد للقائها في قصر قرطاج شأنها شأن المنجي الرحوي عن الجبهة الشعبية ذات التوجهات اليسارية، وذلك خلافا لبقية الأحزاب البرلمانية التي التقى رؤساؤها سيد قرطاج.

قلب تونس

يتحدث البعض عن وجود مفاوضات خفية غير معلنة بين حركة النهضة وحزب قلب تونس الذي يرأسه نبيل القروي والفائز في المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة خاصة وأن الحركة تبدو غير قادرة على تشكيل حكومة قوية تمرر من خلالها مشاريع القوانين وتحكم براحة بال بالأحزاب القريبة من توجهاتها فقط، ناهيك عن أن هذه الأحزاب القريبة لم تعبر صراحة عن موافقتها الانخراط في الحكومة الجديدة. فالتيار الديمقراطي يشترط حصوله على حقيبتي الداخلية والعدل إضافة إلى وزارة الإصلاح الإداري ولا يبدو أن الحركة ستستجيب لهذه الشروط ولشروط حركة الشعب أيضا والتي تبدو مجحفة وغير واقعية بالنسبة للنهضويين.

أما ائتلاف الكرامة فهو يقدم طرحا راديكاليا قد يحرج حركة النهضة أمام أصدقائها وحلفائها في الداخل والخارج وهي التي تمرست بشؤون الحكم و “تذوقت من التفاحة المحرمة” على حد تعبير أحدهم وتدرك أهمية المحافظة على علاقات طيبة مع بعض من يعاديهم ائتلاف الكرامة داخليا وخارجيا حتى تحقق النجاح المرجو في إدارتها لدواليب الدولة. لذلك قد يكون حزبا “قلب تونس” و “تحيا تونس” الذي يرأسه رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الذي يشاع بأنه سيكون وزير الخارجية أو ينال حقيبة أخرى في الحكومة المقبلة التي قد يرأسها أحد وزرائه ويتعلق الأمر بالقيادي النهضوي زياد العذاري في عملية قلب للأدوار في ديمقراطية تونسية ناشئة.

كتلة محدودة العدد

 

إن العدد القليل من النواب الذي تحصلت عليه حركة النهضة في الانتخابات التشريعية الأخيرة والذي يزيد قليلا عن الخمسين في انتظار الإعلان عن النتائج الرسمية، لا يجعلها قادرة على الحكم براحة بال حتى ولو تمكنت من تشكيل حكومة بدعم من 109 من النواب، وهو النصاب الذي يفرضه الدستور. فهناك مشاريع قوانين تتطلب لتمريرها عددا من النواب يفوق النصاب المشار إليه والمفروض كحد أدنى لتشكيل الحكومة، لذلك فهي مطالبة بتوسعة ائتلافها قدر المستطاع وتقديم التنازلات للأحزاب الحليفة المفترضة حتى تتمكن ليس فقط من تشكيل الحكومة وإنما من الحكم.

وللإشارة فإن حكومة تضم حركة النهضة والأحزاب القريبة منها أي ائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب، دون سواهم، فهي بالكاد ستصل إلى النصاب القانوني المشار إليه لكنها لن تستطيع أن تمرر ما تشاء من مشاريع القوانين وستتعطل دواليب الدولة معها، وهو ما يفسر جنوح الباجي قايد السبسي إلى التحالف مع حركة النهضة سنة 2014 رغم أن حزبه فاز بـ86 مقعدا بالتمام والكمال. كما أن حكومة بالنصاب القانوني لا غير ستكون هشة ولن تعمر طويلا وستنهار بمجرد انسحاب أحد مكوناتها وستجد الحركة نفسها أمام خيارين، إما الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها أو التفاوض مع من رفضت الجلوس إليهم سابقا للانضمام إلى ائتلافها الجديد، وفي هذه الحالة قد لا تقبل الأحزاب القريبة منها بوجود حزب قلب تونس أو غيره وتنسحب من الائتلاف وتزيد الطين بلة.

حكومة الرئيس

 

وأمام المأزق الذي وجدت حركة النهضة نفسها فيه يطرح البعض كمخرج ما يسمى بـ”حكومة الرئيس” التي تتحمس إليها حركة الشعب على سبيل المثال ولا يمانع تشكيلها حزب قلب تونس على ما يبدو والذي صرح أحد قيادييه بأنه لن ينضم إلا إلى حكومة وحدة وطنية ترأسها شخصية مستقلة. ولعل المشاورات التي أجراها رئيس الجمهورية قيس سعيد في قصر قرطاج مع رؤساء الأحزاب البرلمانية توحي للبعض بهذا التوجه الذي قد يمثل حلا لجميع الأطراف للخروج من المأزق ورفع الحرج الذي يشعر به البعض أمام جمهور ناخبيه في التحالف مع قوى “تناصبها العداء”.

فشعبية الرئيس ووزنه الانتخابي الذي فاق جميع الأحزاب السياسية يخول له لعب هذا الدور رغم أن صلاحياته الدستورية محدودة وأهمها الدفاع والسياسة والخارجية إضافة إلى الأمن القومي واقتراح مشاريع القوانين. لكن في المقابل فإن جماهير حركة النهضة تضغط باتجاه أن تشكل الحركة حكومتها التي يجب أن يرأسها أحد قياديي الحركة التي يفرض نظامها الداخلي أن يكون رئيس الحركة هو المرشح الأول على أن يتنازل لمن يراه مناسبا وفي هذا الإطار فإن زياد العذاري يبدو أبرز المرشحين.

ولعل السؤال الذي يطرح هو هل ستستجيب الحركة لقواعدها وتشكل حكومة ضعيفة غير قادرة على الحكم ومهددة بالانهيار وذلك مع حلفائها القريبين وبرئاساتها؟ أم أنها ستضطر إلى التفاوض وتقديم التنازلات للأطراف الأخرى غير القريبة منها مع ما يمثله ذلك من خسارة لحلفائها والقريبين من توجهاتها ولقواعدها الغاضبة؟ أم أنها سترضخ لخيار حكومة الرئيس وهي المتواجدة في موقع لا تحسد عليه في كل الأحوال؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية