رواية «عام الجليد»… ثورة الخيال في مواجهة بؤس الواقع

رائد وحش كاتب وشاعر سوري فلسطيني الأصل. وتأتي روايته الأولى «عام الجليد» ــ الصادرة عن دار المتوسط هذا العام في 159 صفحة ــ نطالع أسئلة طفولية الوجود وكائناته الغرائبية التي أنطقها الكاتب ليتبيّنَ من خلالها فترة حياة البطل «سبارتاكوس»، وهو الاسم الذي اختاره البطل لنفسه، وهذه ربما أولى مقولات الرواية؛ أن تختار اسمك الذي تحب، وأن تسمي الأشياء والأشخاص والكائنات، بأسماء تختارها أنت لها من لبّ الواقع، مع الأخذ بالعلم أن الرواية هنا تقدّم الواقع من وجهة نظر مغايرة، حيث يقدّم رائد وحش – بدءا من اختيار الشخصيات لأسمائها – فكرته حول الثورة الداخلية لدى كل شخصية، تلك الثورة التي يتشظّى بها وبسببها الفرد إلى عدد لا متناه من الأسئلة، الثورة اللاسياسية، رغم تقاطع الزمن الروائي مع الحرب، والثورة بمفهومهما السياسي. فالرواية ليست نمطية، ومن خلال السرد الغرائبي استطاع الروائي أن يطرح أسئلته، وأن يذهب إلى أقصى درجات الخيال، ليجيب عما بقي يدور في بال بطله من مسائل شائكة، مغلفا تلك الأسئلة حول الله، والحب، والجغرافيا، والجنس، بغلاف قصصي يبعدها عن المباشرة، ويقدم الأجوبة بقالب عفوي جدا، تنتفي معها مسالب التجربة الروائية الأولى.

بين الواقعي والمتخيَّل

تنقسم الرواية من حيث الموضوع إلى اتجاهين متناقضين متداخلين، هما الخيالي الغرائبي المرتكز على حس الطفولة، وأسئلتها الوجودية، وابتكاراتها للشخصيات الكرتونية التي افترض الكاتب مشروعية وجودها، وإطلاق حكمتها ورؤيتها ودلالاتها على الواقعي من الأحداث، لتجد نفسك متأرجحا بين تصديقها، وتصديق وجودها، من خلال عودتك لأفكارك وأسئلتك الافتراضية خلال فترة طفولتك، واستغرابها من حيث بلوغك المعرفة تجاه تلك الأسئلة، ثم التعرض في جزء آخر من الرواية لمجريات وأحداث واقعية، بدون الإشارة لمكانها، مثل ثورة الحرية، الحرب، الدمار، اللجوء، وربما كان عدم التسمية هنا فرصة لإعطائها بعدا عالميا غير مؤطر بمكانية محددة. إذ ينحو الروائي بروايته نحو الإشارة، بدون تصريح مباشر ليبقى الإسقاط أو التأويل مهمة القارئ وحده.

تقدم الرواية حيثية اللجوء من منظور خيالي بحت، غير متصل بالواقع أبدا، سوى في ما يتبادر لبعض اللاجئين من تخيلات وأوهام تنبع من أس المأساة، مأساة اللجوء بحد ذاتها

الشخصيات

اعتمد رائد وحش في روايته على عدة شخصيات تتماوج بين البطولة من حيث تواجدها وفعاليتها في بناء ملامح الشخصية المحورية مثل الجد، الأم، الأب، العم، والمدرسين، وصاحب المزرعة. غير أنها في النهاية هي شخصيات ثانوية من حيث فعاليتها في الحكاية، وشخصيات أكثر حضورا ربما بسبب مجايلتها للبطل «سبارتاكوس»، وهذه الشخصيات هي والس، وراديو، كبشريين، ومجموعة البطل من الحيوانات التي تؤسس لإسطورته السحرية، وهي الكائن الرباعي الذي يتألف قوامه من الكلب، والحمامة، والسمكة، والأفعى، فضلا عن ظهور الديناصور أحيانا، أما شخصيته الأهم التي تأخذ مهمة الراوي حينا، والتماهي مع دور البطل حينا آخر وهي «زمهرير»، فقد كانت الحامل والمَخرَج الروائي لمجمل الرواية، كونها تأخذ مهمة العين في استجلاب الصور والحكاية، وطرحها أمام المتلقي كما هي من وجهة نظر مخلوق استدعاه الروائي لنبصر من خلاله، وليمنح الرواية مقولتها الأهم وهي، إن الشاهد على الأحداث ليس بالضرورة أن يكون بشريا، ذلك أن البشري مآله الزوال، ولكن الشاهد المستمر والدائم يجب أن يكون أزليا ولا يفنى، وكان أن اختار الكاتبُ البردَ ليقوم بهذا الدور.

اللجوء

تقدم الرواية حيثية اللجوء من منظور خيالي بحت، غير متصل بالواقع أبدا، سوى في ما يتبادر لبعض اللاجئين من تخيلات وأوهام تنبع من أس المأساة، مأساة اللجوء بحد ذاتها، لما تمثله من واقع جديد وقسريٍّ، متعلّق بكم الخوف والحيف الذي تعرض له اللاجئ قبل وصوله «الكامبات»، ما يحول هذه الكامبات إلى مراكز تعذيب أكثر من كونها مراكز إيواء مؤقت، وفيها يقدم الكاتبُ اللاجئَ في العموم على أنه مريض نفسيٌّ يعيـــــش في أخيلــته، ربما البناء الدرامي للرواية يعطي شرعية لهذا الاجتراح تجاه اللجوء، غير أنه جاء غير مقنع، وسيقول قائل: إن البناء الحكائي بمجمله تقريبا ــ أو عدا مشاهد الحرب – يخرج من عباءة الإقناع إلى مساحة التحريك الخيالي، وعليه فإن ما يتعلق بمرحلة اللجوء تصبح متوافقة مع الجو الروائي! غير أن وقوع مشاهد الحرب مثلا كانت بعيدة عن هذا الجو الخيالي، لذا فالتعامل مع زاوية اللجوء كانت بهذا الشكل غير متوافقة والرؤية السردية للعمل ككل.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية