تونس-“القدس العربي”: بعد تشكيل حركة الشعب ذات التوجه القومي العربي لكتلة نيابية يفوق تعدادها الأربعين نائبا مع حزب التيار الديمقراطي، وباتت الكتلة الثانية في البرلمان التونسي الجديد، تحالف حزب قلب تونس مع كتلة الإصلاح الوطني ومستقلين وشكلوا كتلة نيابية جديدة. وبالتالي أصبحت هذه الكتلة هي الأولى في البرلمان من حيث العدد متفوقة على كتلة حركة النهضة التي لا تضم سوى أربعة وخمسين نائبا ورشحت “شخصية مستقلة” كلفها رسميا رئيس الجمهورية قيس سعيد بتشكيل الحكومة.
ولعل السؤال الذي يطرح الآن ما تأثير هذه التغيرات في المشهد النيابي التونسي على عملية تشكيل الحكومة، هل سيتم إعطاء حق ترشيح شخصية لرئاسة الحكومة وحق تشكيل هذه الحكومة للكتلة الجديدة التي لديها اليوم أكبر عدد من المقاعد؟ أم أن نشأة هذه الكتلة لا تأثير لها على عملية اضطلاع حركة النهضة بهذا الدور باعتبارها الفائزة في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة وقبل تشكل هذه الكتل الجديدة؟ أي هل أن المسؤول عن تشكيل الحكومة هو الحزب الفائز في المرتبة الأولى لحظة الإعلان عن نتائج الانتخابات أم صاحب أكبر كتلة نيابية في الوقت الحاضر؟
انقلاب على الصندوق
لقد حسم الدستور التونسي المسألة ومنح هذا الحق للحزب الفائز في المرتبة الأولى في الانتخابات وليس صاحب الكتلة الأكبر التي تنشأ لاحقا، أي أن حركة النهضة تحافظ على حقها في ترشيح رئيس الحكومة ليكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل فريقه الحكومي. ولعل في هذا الخيار الدستوري احترام كبير لإرادة الناخبين التونسيين لحظة الاقتراع والتي ذهبت باتجاه تفويض هذا الطرف الحزبي لا ذاك.
كما أن الثقافة الديمقراطية التونسية حديثة النشأة لم تعتد بعد على أن يشكل الحزب الثاني الحكومة إذا استطاع أن يجمع حوله أغلب الكتل النيابية. ويعتبر البعض أن هذا الأمر إن حصل فهو عملية انقلابية على الديمقراطية وعلى صناديق الاقتراع. ولعل ما يؤكد ذلك حالة الامتعاض التي تم التعبير عنها بعد حشر الباجي قايد السبسي في الزاوية من قبل البعض من من عملوا على تمديد حكم يوسف الشاهد خلافا لإرادة الباجي وحزبه ضاربين عرض الحائط فوز حزب السبسي في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية واعتبروا أنهم أصحاب القرار بعد انقسام كتلة النداء داخل البرلمان.
دعم الحزام الحكومي
كما أن حزب قلب تونس لا يبدو أن لديه نية على إدخال البلاد في الفوضى، فهو على ما يبدو شريك أساسي لحركة النهضة في الحكم خاصة وقد آل إليه منصب النائب الأول لرئيس البرلمان من خلال النائبة سميرة الشواشي. كما أن الكواليس تتحدث عن أن عددا هاما من الوزراء المستقلين الذين ستتشكل منهم حكومة الحبيب الجملي اقترحهم حزب قلب تونس الذي يتشاور رئيسه نبيل القروي مع قيادات من حركة النهضة حول الخطوط العريضة للحكومة المقبلة.
وخلافا لما يعتقد البعض فإن الكتلة الكبيرة الجديدة التي يمثل حزب قلب تونس نواتها الأساسية والتي باتت الأولى في البرلمان ستكون دعامة لحركة النهضة وللحكومة المقبلة باعتبار أن نبيل القروي استطاع أن يجمع قوى في البرلمان لا تستطيع حركة النهضة أن تجمعها ثم دفع بها باتجاه دعم الحكومة المقبلة برئاسة الحبيب الجملي. وقد يتم تعيين وزراء من الأحزاب المنتمية إلى كتلة الإصلاح الوطني المتحالفة مع حزب قلب تونس بالإضافة إلى النواب المستقلين الذين انضموا إلى هذه الكتلة.
التوافق القديم الجديد
ويبدو أن ملامح الحكومة المقبلة قد باتت واضحة وجلية خاصة مع تقدم المفاوضات الموازية بين حزبي حركة النهضة وقلب تونس الذي يشار أن رئيسه نبيل القروي كان في وقت ما في حركة نداء تونس التي أسسها الباجي قايد السبسي. كما أن الكتلة التي تحالف معها القروي فيها الكثير من مكونات النداء السابق أو “النداء التاريخي” كما يسميه البعض، أي النداء القوي الذي أسسه الباجي قبل أن يتشتت وينقسم إلى عدة حزبيات.
وبالتالي يبدو أن التوافق الحكومي الجديد هو التوافق القديم نداء – نهضة نفسه والذي حكم تونس السنوات الخمس الماضية مع اختلاف وحيد أن رئاسة الجمهورية ليست في يد أي من الطرفين الحاكمين. لكن البعض يؤكد أن قيس سعيد ساكن قرطاج الجديد قريب من حركة النهضة وأنه في كل الأحوال لن يسير في اتجاه مخالف للاتجاه العام الذي ترسمه الحركة، وكأننا أمام مشهد انتخابي لم تتغير ملامحه رغم أن الصورة في البداية كانت توحي بخلاف ذلك. وحتى المعارضة فإن شراسة الجبهة الشعبية التي ظهرت عليها طيلة السنوات الخمس الماضية يبدو أن الحزب الدستوري الحر سيأخذ عنها المشعل ويساهم في خلق تلك الأجواء المشحونة داخل المجلس نيابة عن الجبهة الشعبية التي كانت أبرز الخاسرين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.