إن الإعجاب بفصاحة العامية في أية لغة، إلى جانب الإعجاب ببلاغة اللغة الفصيحة، أو الفصحى، لا ينطوي على تناقض، كما قد يخيل لبعض المتأدبين. وعبارة “فصاحة العامية” تعود في أصلها إلى شاعر إيطاليا الأكبر، ومنذ العصور الوسطى الأوروبية، دانتي اليغييري (1265 ـ 1321) في كتاب لم يكتمل، كتبه باللاتينية، لغة المتعلمين والأدباء في إيطاليا وأوروبا القروسطية، بعنوان Vulgari Eloquentia وذلك بين عامي 1302 ـ 1305. وأنا أترجم العنوان إلى العربية بشكل “عن فصاحة العامية” وليس كما شاع “عن بلاغة العامية”. فالفصاحة هي الوضوح، كما في قول الشاعر العربي القديم نضلة السلمي المتوفى في حدود عام 100هـ/718م: “وتحت الرَّغوة اللبنُ الفصيحُ” أي الواضح الذي لا تغشي عليه الرغوة في عملية الحلب. أما البلاغة فهي ما تقوم على المحسنات البلاغية من بيان وبديع، قد تغشّي على وضوح المعنى المراد، أحياناً. وصفة الوضوح التي استعملها الشاعر: vulgari هي من الاسم اللاتيني vulgus الذي يفيد: الشعب أو عامة الناس، دون الخاصة في أي مجتمع، وقد تحوّلت الصفة لاحقاً في اللغات الأوروبية اللاحقة لتفيد: المبتذل، أو البذيء، كما تطورت كلمة Comedia الإيطالية من معناها الأصلي الذي يفيد “قصة بلغة عامية عن موضوع جليل” وهي ما نرى في “الكوميديا الإلهية” التي كانت أول ما كتب دانتي بلغة العوام، الإيطالية: عامية اللاتينية، التي دعا إليها في كتابه الذي لم يكتمل، وكتب بها غنائيات حب رقيقة، تبعه في ذلك شعراء كبار لاحقون مثل بترارك امتداداً إلى شكسبير.
وغياب الوضوح في القول، بتأثير من المحسنات، قد يدفع حتى بعض العارفين والأدباء إلى عدم إدراك المعنى الواضح، أي اللبن الفصح. ولنا في حكاية سؤال الكِندي الفيلسوف للشاعر أبي تمام في مجلس الخليفة مثال على ذلك إذ سأل الكنديُ الشاعرَ: لماذا تقول ما لا يُفهم؟ فأجاب الشاعر: ولماذا لا تفهم ما يقال؟ هذه جسارة محرجة للاثنين، ولكنها قضية تستدعي النظر.
لكن الإعجاب بفصاحة العامية لا يعني مطلقاً وجوب أن تحل العامية محل الفصحى. فهذه دعوة أكثر كفراً ونفاقا من الدعوة إلى أن تحلّ الحروف اللاتينية محلّ الحروف العربية، ليكون عندنا “حكومت فلتانه سي” مكتوبة بحروف لاتينية، أو “وزارت أمور خارجة ” بحروف عربية معجمة وبلكنة معجمة كذلك. ولكن للفصحى بلاغتها وجمالها مما لا يمكن المساس به، كما للعامية فصاحتها ووضوحها الذي لا يمكن إنكاره.
هل بوسع أي متذوق لجمال العبارة أن يقصر في إدراك جمال الصور البليغة في الشعر الجاهلي مثلاً؟ هذا الأعشى يصف “هُريرة” القينة التي كان مغرماً بها: “كأن مشيتها من بيت جارتها/مَرُّ السحابةِ، لا ريثٌ ولا عَجَلُ” كيف أدرك الشاعر، وهو أعشى، يخونه البصَر، صورة مرّ السحابة، لا ريثٌ ولا عَجَلُ، فيأتي بهذا الوصف “البليغ” تشبيها لمشية المحبوبة؟ ولكنها الموهبة الشعرية. أما عنتر العبسي فالتشبيه لديه ملموس محسوس: ولقد ذكرتكِ والرماح نواهلٌ مني/وبيضُ الهند تقطر من دمي. فوددتُ تقبيل السيوف لأنها/لمعت كبارق ثغركِ المتبسِّم. يصبح هذا التشبيه ملموساً محسوساً عندما تسمع فيروز تترنم بهذه الصورة وهذا التشبيه. فأي نجاح للبلاغة أكبر من هذا؟
لم يتّهم أحد من أصحاب البلاغة اللاتينية شاعرَ إيطاليا بالتنكّر للأصالة والتراث عندما أعلن إعجابه بأول عاميات اللاتينية، في عاميات إقليم بروفنس، في جنوب غرب فرنسا الحالية، مثل “لغة أوك” و”لغة أوي”. فقد ظهر في هذه العاميات الأولى أجمل الشعر الغنائي، بتأثير ثابت من شعراء الأندلس، وتراثهم العربي المشرقي. كان إعجاب دانتي بعامّيات بروفنس وشعرائها أنه وصف أحدهم وهو أرنو دانيال بصفة “الصانع الأمهر” أي الأمهر مني في “صناعة الشعر”. والشعر صناعة في تراثنا العربي. وقد استعمل إليوت الوصف نفسه بإطلاقه على الشاعر الأمريكي إزرا باوند الذي نقّح له قصيدته الكبرى “الأرض اليباب”.
فأي تواضع هذا من شاعرين بوزن دانتي وإليوت!
وإلى جانب “فصاحة العامية” التي لا تقصّر في “بلاغتها” الخاصة، لدينا أمثلة كثيرة، في كلام العامة في بلاد عربية شتى، كما في شعر العامة الذي له وقعه الخاص، على الرغم من اختلاف اللهجات في بلاد عربية… شتى، وهي من معاني الشتات! وتأتي العامية المصرية في المقدمة، بفعل السينما والمسرحيات المصرية، والأغاني. وأنا أرى في شيوع العاميات وسيلة للتقارب بين الشعوب، وليس التباعد. ففي اللهجة الكويتية سمعتُ المضيف يستبقي ضيفه الذي همّ بالانصراف بقوله: “توّ الناس” أي أنك مبكر بالانصراف. وفي اللهجة الفلسطينية ـ السورية: “بعد ما وعينا على بعض” وهي بنفس المعنى، ومثل ذلك كثير. والأمثلة الأوضح في فصاحة العامية توجد في الشعر في النقد السياسي والاجتماعي، الذي لا يقصّر في الفكاهة وخفّة الدم. هذا مسرحي مصري يسخر من زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الذي هبط مصر أيام الحديث عن قيام الروس بإرسال الكلبة “لوسي” في صاروخ نحو القمر، وكانت شائعة يومها أغنية “يمّه القمر عالباب” فنقّحها الممثل إلى: “الاسْم الحئيئي دَلَس/واسم الدلع لوسي. خبّط وناح ولطم/يمّه الأمر روسي”. وفي العراق لدينا الشاعر الشعبي مُلاّ عبود الكرخي الذي اشتُهر في أربعينات القرن الماضي. كان السياسيون في تلك الأيام يخشون حدة لسانه الناقد الجريء. فلم يسلم من لسانه حاكم ولا برلمان ولا “مختار ذاك الصوب” أي ممثل إنكلترا في سفارتهم بجانب الكرخ “ذاك الصوب” لأن “ذاك الصوب” الآخر هو الرصافة. ومن شعر الكرخي الطريف رده على من قال :
“فاعلم بأن المستحيل ثلاثةٌ/الغول والعنقاء والخِل الوفي”.
للكرخي رأي مخالف:
إيصير بالمنخل تسِدّ عين الشمس؟ إيصير لحم الجلب طاهر مو نجس؟
يصير عالم من غبي ياخذ درس إيصير تعلم باطن الركَيّة؟
والمأمول من باطن الركَيّة (البطيخ الأحمر الذي كان يُحمل إلى الخليفة العباسي من الرَّقَّة في سوريا اليوم) أن يكون أحمر اللون. ومن تذمّر العامة في العراق قولهم: “أنا حظّي بكل شي أسود، إلا ّبالركَي أبيض!”. والشعر العامي لا يقصِّر في موضوعات السياسة. فقد سمعتُ شاعراً شعبياً في أيام سقوط النظام عام 2003، وإزاحة التمثال الكبير يقول بحسرة ومرارة:
عنّك يا وطن ما أكَدر أدير الراس لن نص الشعب حُبّ الوطن شاله
ركضوا على الصنم لن بيه نحاس ومن طاح العلم محّد ركض شاله.
يبقى أن يحاول القارئ اصطناع اللهجة العراقية بلفظ الكاف المعجمة والجيم بثلاث نقاط. شالَه: تخلّى عنه. الصنم: التمثال. لن: لأن…
ومن الشعر الطريف الظريف باللهجة العامية العراقية أمثلة من شعر لميعة عباس عمارة، الشاعرة المُجَليّة بالشعر الفصيح بالغ العذوبة في الغزل وبحب الوطن. لميعة لا تعترف بكلمة شعرية وأخرى غير شعرية، لأن الشاعر هو الذي يحيل الكلمة إلى شعرية بقوة موهبته. هل كلمة “بصل” يمكن أن تكون شعرية يا لميعة؟ أجابت على الفور:
وليفي من ورا الطوفة أبص له أريده ولو على خُبزه وبصلَه
نَعنتَ الله علَ بو الواشي وباصلَه فرَك روحي يَنجانَن سِويّه
وفي إحدى مؤتمرات المربد كان أحد “المعازيم” ضخم الجثة لا يتعب من تكرار الصحون المليئة. وما لبث أن استخرج من جيبه علبه سكّرين ليحلّي به كوبه الثالث من الشاي، فطلب من النادل حليب “لوفات”. لم يفهم النادل معنى الطلب. فسأل: يعني عمّي تريد حليب مال قُواطي؟ فسرعان ما انصرف “المعزوم” وبدأت لميعة تغرّد :
ترِدّ الروح ريح الحلو لو فات ومن يحجي يلوف العقل لوفات
دريع ويشرب الألبان لوفات تفدّيه الجواميس الغبيّة.
ماذا جرى للرجل بعد ذلك؟ ما ندري. أو: عيبْ ندري، بلهجة العمارة.