القاهرة-“القدس العربي”:اتخذ الصراع المصري التركي على غاز شرق المتوسط من ليبيا عنوانا، خاصة بعد إعلان حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا وتتهمها مصر بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، توقيع رئيس الوزراء الليبي فايز السراح مذكرتي تفاهم إحداهما أمنية، وأخرى تتعلق بترسيم الحدود البحرية بين البلدين، والمذكرتان اعتبرتهما مصر واليونان وقبرص غير شرعيتين وصدرت عن من لا يملك حق التوقيع.
لم تمض أيام على إعلان توقيع الاتفاق، حتى اتخذ الصراع شكلا عسكريا، حيث أعلن اللواء خليفة حفتر المدعوم من القاهرة، أن قواته التي يطلق عليها اسم الجيش الوطني الليبي، ستشن هجمات لدخول العاصمة طرابلس، في المقابل، أعلنت حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من الأمم المتحدة، موافقتها على تفعيل مذكرة تعاون عسكري وقعت مؤخرا مع تركيا، ما يفتح المجال أمام تدخل مباشر أكبر لأنقرة في ليبيا.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال، إن بلاده لن تسمح لأحد بالسيطرة على ليبيا بعد أيام من تلويح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.
وقال السيسي في تصريحات للصحف المصرية الحكومية والخاصة يوم 17 كانون الأول/ديسمبر الجاري: “لن نسمح لأحد أن يعتقد أنه يستطيع السيطرة على ليبيا والسودان ولن نسمح لأحد بالسيطرة عليها”.
وأضاف، أنه أمر في صميم الأمن القومي المصري، مشيرا إلى أن السودان وليبيا “دول جوار مباشر لمصر”.
وشدد الرئيس المصري بلهجة قاطعة، على أن بلاده لن تتخلى عن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر الرجل القوي في الشرق الليبي الذي أطلق الخميس ما أسماه “المعركة الحاسمة” للسيطرة على طرابلس معقل حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج ويعترف بها المجتمع الدولي.
وتابع السيسي “لا يمكن أن نرضى بإقامة دولة في ليبيا للميليشيات والجماعات المسلحة والإرهابية والمتطرفة”.
التدخل المباشر
وجاءت تصريحات الرئيس المصري غداة لقاء في اسطنبول بين الرئيس التركي والسراج هو الثاني بين الرجلين في غضون ثلاثة أسابيع. كما جاءت بعد أيام من تلويح رجب طيب اردوغان بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعمه.
السيسي، انتقد حكومة الوفاق الوطني في ليبيا برئاسة فايز السراج، معتبرًا أنها “لا تملك إرادة حرة” وأنها “أسيرة الميليشيات الموجودة في العاصمة طرابلس”.
وأكد في مداخلة له في إحدى جلسات منتدى شباب العالم في مدينة شرم الشيخ السياحية، الأحد الماضي، أن الأمن القومي المصري تضرر كثيرا بالموقف غير المستقر في ليبيا، على حد وصفه.
وأضاف “كان أولى بنا التدخل المباشر في ليبيا، ولدينا القدرة على ذلك، ولكننا لم نفعل، لأن الشعب الليبي لن ينسى التدخل بشكل مباشر في أمنه” حسب تعبيره.
واعتبر الرئيس المصري أن استعادة الأمن في المنطقة سواء في سوريا أو لبيبا أو العراق، يتوقف على “استعادة الجيوش الوطنية بتوجهاتها الوطنية ودورها الحقيقي”.
ووصف السيسي ليبيا بأنها “أصبحت دولة معبر لانطلاق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا”.
رئيس مجلس النواب المصري علي عبد العال، قال، إن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي ضد كل ما يهدد مصالحها، ولن تقبل أي عبث من أي دولة أجنبية على الحدود الغربية في دولة ليبيا.
جاء ذلك في تعقيبه على بيان عاجل تقدم به النائب مصطفى بكري، بشأن توقيع حكومة الوفاق الوطني الليبية والحكومة التركية، يوم الأربعاء 27 تشرين الثاني نوفمبر في مدينة اسطنبول، بحضور السراج والرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، على مذكرتين تنص أولاهما على تحديد مناطق النفوذ البحري بين الطرفين، فيما تقضي الثانية بتعزيز التعاون الأمني بينهما.
وأكد أن “مصر تقف مع البرلمان الليبي وترحب به دوما في مجلس النواب المصري، مساندين له ومساندين لجيش ليبيا الذي يخوض معارك ضد الإرهاب في ليبيا العزيزة” مشيرا إلى أن هذا الاتفاق مرفوض، وليس كل من تراوده لحظات الجنون أن يعبث أو يقترب من الحدود الجوية أو البرية أو البحرية المصرية نسمح له بذلك.
وقال بكري في بيان عاجل أمام الجلسة العامة لمجلس النواب أمس: “وقع في ليبيا اتفاق أو مذكرة تفاهم بين حكومة الوفاق وتركيا يتعلق بالحدود البحرية، ويمثل خروجا على الاتفاق الموقع في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 فالمادة الثامنة من هذا الاتفاق لا تجيز لهذه الحكومة أن توقع اتفاقا، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن توقع اتفاقية من دون موافقة البرلمان الشرعي”.
وتابع: “الاتفاق بين ليبيا وتركيا مخالف لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، اليونان أخذت موقفا قويا، وأحيي موقف الخارجية المصرية، لكن اليونان طردت السفير المعين من حكومة الوفاق، من هنا يجب على الحكومة المصرية ألا تعترف بسفير ليبيا المعين من حكومة الوفاق، وإنما تعترف بسفير الحكومة المؤقتة الذي عينه مجلس النواب الشرعي برئاسة عقيلة صالح.
النفوذ البحري
وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري أن الاتفاقين اللذين وقعتهما تركيا مع حكومة الوفاق الليبية المدعومة دوليا، يعطل العملية السياسية في البلاد.
وذكر بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أن ذلك جاء خلال اتصال هاتفي أجراه شكري الاثنين، بالمبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة بحثا خلاله التطورات الخاصة بالأزمة الليبية والجهود المبذولة نحو إنجاح “عملية برلين” لتأمين الحل السياسي لاستعادة الاستقرار على الساحة الليبية.
وشدد شكري على سبيل التحديد أن الاتفاقين اللذين وقعهما فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية المدعومة دوليا، رغم عدم امتلاكه للصلاحيات اللازمة مع تركيا، من شأنهما تعميق الخلاف بين الليبيين، ومن ثم تعطيل العملية السياسية، وأن هذا جاء في وقت بدأ يتشكل توافق دولي حول كيفية مساعدة الأخوة الليبيين على الخروج من الأزمة الحالية.
وأكد دعم مصر الكامل لسلامة في مهمته والحرص على نجاحها، مشددا على أهمية الحيلولة دون إعاقة العملية السياسية في المرحلة المقبلة بأي شكل من الأشكال من قبل أطراف على الساحة الليبية أو خارجها.
وقد اتفق الجانبان على تكثيف التواصل فيما بينهما وصولاً إلى إنهاء الأزمة الليبية تحقيقاً لمصالح الشعب الليبي. كانت مصر واليونان وقبرص قد انتقدت بشدة الاتفاقين واعتبرتهما بلا أثر قانوني.
وكانت الحكومة المصرية واليونانية والقبرصية، عارضت مذكرتي تفاهم بين تركيا وحكومة السراج في ليبيا حول النفوذ البحري في البحر المتوسط، والتعاون العسكري بين أنقرة وطرابلس.
ووصفت الخارجية المصرية الاتفاق التركي الليبي، في بيان لها قبل أيام، بـ”غير الشرعي” و”يتعارض مع القانون الدولي”.
السفارة الليبية في القاهرة، كانت أعلنت تعليق أعمالها لأجل غير مسمى لأسباب أمنية اعتباراً من الأحد، وفق مصدرين أحدهما ليبي والآخر مصري رسمي.
وقالت السفارة الليبية في بيان الأحد الماضي عبر صفحتها غير الموثقة بـ”فيسبوك” إن “سفارة دولة ليبيا بالقاهرة تعلن للمواطنين الليبيين المقيمين والجالية الليبية بمصر أنها علقت العمل بالسفارة لظروف أمنية، اعتباراً من يوم الأحد الموافق 15 ديسمبر (كانون أول) 2019 وحتى إشعار آخر”.
ولم يقدم البيان أسبابا حول ذلك، غير أنه جاء بعد أربعة أيام من نشر الصفحة ذاتها، تأكيدا من السفارة بشأن استمرارها في تقديم كافة الخدمات، نافية أي توقف، ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من القائمين عليها بشأن صحة ذلك.
ولقي هذا الاتفاق موقفا رافضا قاطعا من قبل مصر، التي تعتبر داعمة لقوات قائد اللواء خليفة حفتر، حيث دانت بشدة هذا الإجراء، معتبرة أن “لا قيمة قانونية له” وقالت إن الاتفاق “سيعمق الخلاف بين الليبيين ويعطل العملية السياسية” في موقف أيدته كذلك اليونان وقبرص في ظل خلافاتهما حول بعض مناطق شرق المتوسط مع تركيا.