تونس-“القدس العربي”:لم تكن سنة 2019 عادية في تونس على الصعيد السياسي، فقد كانت استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى بالنظر إلى أهمية الأحداث التي شهدتها الخضراء والتي أثرت لاحقا على المشهد العام برمته وأعادت تشكيل التوازنات. لقد كانت سنة مليئة بالمفاجآت، عاش خلالها التونسيون وقائع جديدة غير مألوفة لم يعرفوا لها مثيلا في تاريخهم الحديث ساهمت جميعها في مراكمة التجارب لنظام ديمقراطي وليد.
الحكومة واتحاد الشغل
عرفت السنة مع بدايتها في كانون الثاني/يناير موجة من الاحتجاجات نفذ خلالها الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابا عاما في القطاع العمومي، بعد ان وصلت المفاوضات بين الاتحاد وحكومة يوسف الشاهد إلى طريق مسدود. وجاء الاضراب في ظل تصاعد الأزمة السياسية في البلاد.
الحدث الآخر اللافت في هذا الشهر هو الإعلان عن تأسيس رئيس الحكومة يوسف الشاهد حزب “تحيا تونس” الذي عقد مؤتمره التأسيسي في 27 كانون الثاني/يناير. وضم الحزب عددا هاما من قيادات وقواعد حركة نداء تونس الحزب الأصلي ليوسف الشاهد كما ضم شخصيات من أحزاب أخرى على غرار حزب مشرع تونس الذي هو بدوره من مشتقات النداء، وأيضا حزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر والحزب الجمهوري ومستقلين.
في نيسان/ابريل عادت موجة الاحتجاجات والغضب الشعبي مجددا لتلقي ثقلها على الأوضاع في البلاد، وذلك ردا على قيام الحكومة برفع أسعار المحروقات والسلع الأخرى. وقد طالت الاحتجاجات مجالات حياتية واقتصادية مختلفة من الإضرابات الادارية إلى إضرابات سائقي سيارات الأجرة التي شلت حركة البلاد ووصلت إلى حد قيام المعتصمين بقطع الطرقات العامة، في تصعيد غير مسبوق زاد الوضع الاقتصادي تأزما في البلاد.
خيمة العرب الجامعة
يشار إلى أن تونس نظمت في شهر آذار/مارس الماضي قمة عربية استثنائية جمعت عددا من القادة العرب الذين لم يجتمعوا بهذا العدد منذ سنوات وذلك رغم عدم اتخاذ القمة لقرارات هامة وحاسمة. وباستثناء القادة الذين اعتادوا على عدم الحضور إلى هذه القمة والذين أقعدهم المرض أو من تمر بلدانهم بظروف استثنائية حضر الباقون خاصة قادة البلدان الكبرى.
وقد ساهمت شخصية الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي التوافقية في جمع هذا العدد المعتبر من القادة العرب في هذه القمة التي تحتضنها تونس للمرة الثالثة في تاريخها وهي التي احتضت لسنوات مقر جامعة الدول العربية بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد ومقاطعة العرب لها. وتحتضن تونس إلى اليوم المنظمات التابعة للجامعة على غرار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو واتحاد إذاعات الدول العربية وغيرها.
جنازة مهيبة
بدأ العام بحشر الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في الزاوية بعد تصدع كتلة حركة نداء تونس في البرلمان والتي كان من خلالها، وقبل التفكك، سيد قرطاج بامتياز والآمر والناهي في البلد. وبدأت الأزمة منذ السنة الماضية حين لم يقبل رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن تتم إزاحته بمقتضى ما عرفت بـ”وثيقة قرطاج 2″ والتي قبرت في المهد. وكانت حركة النهضة هي الداعمة للشاهد من خلال كتلتها النيابية في البرلمان التي أصبحت الأولى منذ انسلخ محسن مرزوق من حركة نداء تونس في سنة 2015 وأسس حركة مشروع تونس وسار على خطاه نواب من كتلة النداء في البرلمان.
وأعلن في شهر تموز/يوليو الماضي عن مرض مفاجئ للرئيس قايد السبسي في خميس أسود تزامن مع عمليات إرهابية في قلب العاصمة التونسية في صدفة مريبة أثارت عديد نقاط الاستفهام خاصة وأن هناك قانونا انتخابيا رفض الرئيس الراحل الإمضاء عليه كان الهدف منه إقصاء مرشحين بارزين. وتوفي السبسي في الخامس والعشرين من تموز/يوليو في المستشفى العسكري بتونس في ذكرى إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية سنة 1957 واقيمت له جنازة مهيبة لم تشهدها تونس من قبل ولم تقم جنازة مماثلة لها حتى للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
انتقال سلس للسلطة
وتسلم محمد الناصر رئيس مجلس النواب في ذلك الوقت مقاليد الحكم في قصر قرطاج رئيسا مؤقتا تطبيقا لأحكام الدستور التونسي في انتظار تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها كان الكل يعد لها في قائم حياة الرئيس الباجي الذي أعلن قبل وفاته عن عدم نيته إعادة الترشح. وأصبح محمد الناصر الرئيس السابع للجمهورية التونسية منذ الإعلان عنها في 25 تموز/يوليو سنة 1957 بعد الإطاحة بالنظام الملكي على يد بورقيبة ورفاقه من بناة دولة الاستقلال وأعضاء المجلس القومي التأسيسي.
واللافت أن تسلم الناصر لمهام الرئاسة كان بطريقة سلسة ومن دون مشاكل أو اضطرابات أو حتى خلافات سياسية أو اعتراض من هذا الفريق أو ذاك بعد أن احترم الجميع أحكام الدستور رغم غياب المحكمة الدستورية العليا التي عجز البرلمان السابق عن انتخاب أعضائها نتيجة للخلافات السياسية. وأدى محمد الناصر اليمين الدستورية في مشهد حضاري أثار إعجاب العالم بالديمقراطية الوليدة التي باتت بشهادة أطراف خارجية مرجعية الديمقراطية العربية الوحيدة غير الطائفية وغير المحروسة من مؤسسة ملكية أو عسكرية.
انتخابات رئاسية
وعرف البلد في شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر تنظيم انتخابات رئاسية وصل بمقتضاها قيس سعيد إلى سدة الحكم في قرطاج رئيسا ثامنا للجمهورية التونسية بعد أن نال ثقة ما يزيد عن السبعين في المئة من الناخبين في الدور الثاني. وتسلم سعيد السلطة من الرئيس محمد الناصر في مشهد حضاري يتكرر في تونس للمرة الثالثة ويتمثل في تسليم رئيس، حي يرزق ومن دون انقلاب، للسلطة إلى رئيس جديد منتخب وبطريقة سلمية.
وعاش التونسيون خلال هذه الانتخابات تجربة فريدة وغريبة تمثلت في قبوع أحد أبرز المرشحين لرئاسة البلاد في غياهب السجون منذ الدور الأول وهو نبيل القروي صاحب قناة “نسمة” التلفزيونية.
ووصل القروي رغم أنه سجين إلى الدور الثاني وهو ما جعل هذه الانتخابات تحظى بمتابعة إعلامية منقطعة النظير في تونس والخارج لمتابعة هذا الحدث الغريب نادر الحصول والذي رسخ مقولة “الاستثناء التونسي” مثلما كانت قرطاج في عصرها استثناء في محيطها.
وقد أطلق سراح نبيل القروي يوم 9 تشرين الأول/اكتوبر بعد أن كان موقوفا بشبهة تبييض الأموال بعد أن اشتكت منه إحدى الجمعيات. وقد مثل الإفراج عن الرجل حدثا لافتا أثار جدلا قانونيا وسياسيا في البلاد خاصة ان القروي تصدر استطلاعات الرأي خلال تلك الفترة.
النهضة في الصدارة من جديد
ونظمت أيضا انتخابات تشريعية في شهر تشرين الأول/أكتوبر فازت فيها حركة النهضة بالمرتبة الأولى وحزب “قلب تونس” الذي يرأسه نبيل القروي بالمرتبة الثانية بدون أن يحقق أي حزب أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة. ووفقا للدستور رشحت حركة النهضة الحبيب الجملي لتشكيل الحكومة وكلفه الرئيس قيس سعيد بذلك رسميا وهو يجري المشاورات من أجل تشكيلها.
وقد حصل جدل كبير داخل حركة النهضة حول ترشيح الحبيب الجملي وأدى الأمر إلى استقالة القيادي البارز، الوزير في حكومات الشاهد والحبيب الصيد، زياد العذاري. وكان الأخير مرشحا بارزا لرئاسة هذه الحكومة وطرح اسمه مرات عديدة لكن الحركة خيرت ترشيح شخصية من خارجها وحصل الاختيار على ابن القيروان أمام أسماء أخرى على غرار الوزير الأسبق المنجي مرزوق.
أحداث كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية طبعت سنة 2019 ولكن يمكن اعتبارها سنة انتخابية بامتياز لما عرفته من مواعيد انتخابية هامة، وانتقال سلس للسلطة. ويتطلع التونسيون إلى سنة 2012 على أمل أن تحمل معها انفراجة في المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.