تتعدد أسباب الهجرة لكن الضحية واحدة، هو المهاجر الذي يركب الخطر ليبحث عن حياة كريمة حرم منها في بلده.
فقدان الأمل هو السبب وراء هجرة الكثير من الشباب المنهك الذي يرحل بحثا عن مكان آخر حتى لو كلفه ذلك حياته هربا من الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية في بلدان لا يستفيد من خيراتها سوى حكامها.
عندما يحيط بالشاب الموت من كل مكان يسعى للهروب من الوطن إلى مكان أكثر أمنا ولسان حاله يقول “أنا ميت على الأقل أموت وأنا أسعى من أجل الوصول إلى مكان يحترم كرامتي أفضل من أن أبقى وأموت بغير إرادتي”.
وحسب الأمم المتحدة فأنه في أقل من عشر سنوات شهد العالم زيادة في أعداد المهاجرين تقدر بنحو 51 مليون مهاجر بين عامي 2010 و2019 اضطروا لترك أوطانهم والهجرة إلى بلدان أخرى بحثا عن حياة أفضل، هذه الزيادة رفعت الرقم الإجمالي إلى 272 مليون مهاجر.
فمتى يتوقف نزيف الهجرة غير الشرعية؟ ما هي عوامل الطرد التي تدفع الشباب إلى ركوب البحر والمجازفة بحياتهم في ضوء ما تشهده دول عربية من احتجاجات شعبية اليوم رافضة للقهر والظلم والفساد والمطالبة بإصلاحات تمنح الشباب بارقة أمل بغد أفضل في وطنهم الأم وتحميهم من شبح الموت غرقا والتفكير في الرحيل واللاعودة؟ وهل تنجح الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير اليوم في إيقاف الهجرة غير الشرعية؟
لا عدالة اجتماعية
“القدس العربي” التقت نشطاء ولاجئين تحدثوا عن أسباب الهجرة غير الشرعية ومخاطرها والعراقيل التي تواجه الشاب في وطنه والتي تجعله يختار الرحيل.
الناشط السياسي من أصل جزائري السبتي بوجابر من بروكسل قال لـ”القدس العربي”:
“تتوقف هذه الهجرة حينما تكون هناك عدالة اجتماعية حقيقية. عندما يحس المواطن أنه حر في بلده، وأنه يملك حقوقا كما أن عليه واجبات، عندما يطرق باب العدالة أمامه يجده مفتوحا، وعندما يطرق باب مسؤول يجد من ينصت إليه. أبناء الجزائر يسيرون على الذهب وهم يمدون أيديهم متسولين للغير، انه عار في جبين من حكموا الجزائر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا.
الشباب الجزائري يفر بقوارب الموت ويموت الكثير منهم في عرض البحر والأمهات الثكالى يبكين أبنائهن”.
مضيفا: “دولة تمتلك من الثروات الطبيعية ما تغني به افريقيا وما تعيش فيه نصف الكرة الأرضية، المواطن لا يحق له ان يدافع عن حقوقه أو يطالب بتغيير منظومة الفساد أو يخرج منددا بالظلم. نأمل ان تنتصر الثورة السلمية البيضاء في الجزائر وسنكون أول العائدين. التقيت ببعض الشباب وقال لي أحدهم: أنا مستعد ان تأكلني أسماك البحر على أن تأكلني الأسماك البشرية من حكامنا. الناس الذين صادروا حقنا وأكلوا قوتنا من المسؤولين هم الذين دفعوا بنا إلى الهجرة”.
الهجرة لم تكن خيارا
اللاجئ السوري داني قباني من غازي عنتاب تحدث لنا عن معاناة ومرارة الهجرة غير الشرعية حيث قال: “الهجرة بالنسبة للسوريين لم تكن خيارا على الإطلاق بل هربا من الموت والقمع والبحث عن حياة ملائمة كريمة بعيدا عن كل المآسي. عندما بدأت الثورة عاد الكثير من السوريين من الخارج للمشاركة في الثورة ودعمها، لكن عندما تم اعتقالهم وتعذيبهم صار الناس يبحثون عن مناطق آمنة وبدأوا بالنزوح الداخلي وبعدها هاجروا إلى خارج الوطن وسلكوا طرقات غير شرعية للوصول إلى أوروبا”.
وأشار إلى أنه ما زال هناك الكثير من السوريين يواصلون المحاولة للوصول إلى المكان الآمن وهم يعانون الأمرين. وقال إن اللاجئين السوريين في لبنان يعانون في الخيام وهم يفتقرون لأدنى مقومات الحياة وكذلك الحال بالنسبة للاجئين السوريين على الحدود التركية، خاصة في الشتاء تحت المطر حيث لا توجد وسائل تدفئة تقيهم البرد القارس.
وعن أوضاع اللاجئين السوريين في الدول العربية أوضح أنهم يعانون من التمييز ومن سوء الحال الاقتصادي والقانوني حيث لا يمكنهم مزاولة العمل ويتم التضييق عليهم للعودة إلى بلادهم. وهو يرى أن عودة السوريين إلى بلدهم مرتبط بعودة الاستقرار الأمني والسياسي ووقف القصف ضد المدنيين.
البحر أقرب طريق
وتحدث محمد أبو دانيال اللاجئ الفلسطيني عن معاناته التي اختزلت معاناة كل من يقطن مخيما للمهاجرين غير الشرعيين في اليونان قائلا:
“نحن نسكن في مخيم فيه لاجئون من العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وإيران واليمن. المشكلة بدأت عندما وصلنا إلى تركيا ومن ثم ركبنا البحر في زوارق بسيطة وصلنا إلى اليونان. كنت مقيما في دولة عربية وخرجت منها بسبب الاضطهاد حيث اعتقلت وعذبت وانتهكت كرامتي فلجأت ولم أخرج بسبب حرب ولا بسبب وضع اقتصادي صعب. لجأت إلى كل السفارات الأوروبية كي أدخل إلى أوروبا من بابها لكنها رفضت أن تعطيني فيزا فدخلت من النافذة وأقرب طريق كان البحر فلم يكن أمامي خيار آخر.
معاناتنا هنا في المخيم واحدة. هناك مماطلة من الحكومة اليونانية في اعطائنا أوراقا رسمية نتحرك بها.
منذ ثمانية أشهر لم أحصل إلا على كارت طعام فقط لم يستدعوني لأي مقابلة.
المخيم الذي أسكن فيه يستوعب 700 شخص فقط لكن حاليا فيه قرابة 4000 شخص”.
ويتابع: “قبل ان أجد مكانا داخل المخيم عملت بيتا لي من الكارتون والقش لأسكن فيه قرابة أربعة شهور.
الأكيد أن الأطفال هم الضحية الأولى للهجرة، فالبرد قارس ولا يوجد علاج، هذه المعاناة رفعت معدل حالات الانتحار داخل المخيم واللجوء للمسكرات والمخدرات وساعدت على نمو تجار البشر داخل المخيم، فهناك مهربون والمكان بيئة خصبة للفساد. شخصيا لا أشعر بالأمان فأنا أفقد إنسانيتي لكن لا تجاوب من قبل الجهات المسؤولة ومكتب المفوضية يسجل الشكاوى لكن لا يفعل شيئا. المكان مكتظ ومليء بالحشرات ولا يصلح للاستخدام الآدمي. نقضي حاجاتنا في الغابة وسط الخوف من الأمراض وفقدان العلاج. نعتذر لليونان لأننا دخلنا بطريقة غير شرعية لكننا نريد حلولا. هم يهددونا بالعودة القسرية ويمارسون علينا الضغط حتى نعود طوعيا.
لا أريد إقامة بل ورقة تسمح لي بمغادرة اليونان”.
ينهي كلامه وهو يجهش بالبكاء من شدة الألم والوجع والإهانة التي يشعر بها.