القاهرة ـ «القدس العربي»: بدأ مسيحيو مصر، أمس الأربعاء، احتفالات عيد الميلاد، وسط إجراءات أمنية مشددة في مختلف أنحاء البلاد، خوفا من تكرار حوادث استهداف الكنائس في الأعياد.
وترأس تواضروس الثاني بابا الكنيسة الأرثوذكسية، قداسا في كاتدرائية الإسكندرية (شمال) في بداية الاحتفال مع الساعات الأولى من صباح أول أيام العام 2020 وسط مشاركة كبيرة، وفق بيان المتحدث باسم الكنيسة بولس حليم. والثلاثاء الماضي، قال المتحدث باسم الجيش المصري العقيد تامر الرفاعي، إن «عناصر من القوات المسلحة بدأت بالانتشار لمعاونة الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية على حماية المنشآت والمرافق العامة ودور العبادة، وتأمين الطرق والمحاور المرورية الرئيسية في المحافظات».
وأشار، في بيان، إلى أن «الاستنفار العسكري يأتي في إطار احتفالات الشعب المصري بالعام الميلادي الجديد وعيد الميلاد».
تداعيات جريمة قتل
وفي سنوات ماضية تكررت حوادث الاعتداء على الكنائس بالتزامن مع احتفالات أعياد مسيحية.
وكان أكبر تلك الحوادث من حيث عدد الضحايا، استهداف كنيسة مجاورة لكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في حي العباسية شرقي القاهرة، في ديسمبر/ كانون الأول 2016، ما أسفر عن سقوط 29 قتيلا، بينهم منفذ العملية، بخلاف عشرات الإصابات.
ويبلغ عدد المسيحيين في مصر، حسب تقديرات كنسية، نحو 15 مليونا، أكثرهم من الطائفة الأرثوذكسية، من أصل عدد السكان الذي يتجاوز 105 ملايين نسمة.
ويعد «عيد الميلاد» ثاني أهم الاحتفالات لدى المسيحيين بعد عيد القيامة، فيما يتميز عن الأخير بمسحة بهجة مضاعفة، نظرا لارتباطه ببداية العالم الجديد الذي تتنوع فيه الاحتفالات بين التنزه في الأماكن العامة، وشراء شجرة عيد الميلاد، وتبادل الهدايا واستقبال بابا نويل.
وعادةً ما يحتفل الغرب وطوائف مسيحية، بينها الكاثوليكية بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، يوم 25 ديسمبر/ كانون الأول، فيما تحتفل به ليلة 7 يناير/كانون الثاني طوائف أخرى بينها الأرثوذكسية (القبطية)، وهي أكبر طائفة في مصر، والتي لها وجود في 60 دولة في العالم.
وعلى الرغم من أن العام الماضي مر دون وقوع هجمات على الكنائس، كما في الأعوام السابقة، التي شهدت عددا من الهجمات استهدفت احتفالات الأقباط في أعياد الميلاد، وأخرى طالت رحلات كانت تتجه إلى أديرة، إلا أن الخلافات داخل الكنيسة والطوائف المسيحية المصرية، كانت السمة الرئيسية لعام 2019.
تداعيات جريمة قتل
وبدأ العام الماضي بتداعيات جريمة حدثت داخل أسوار الكنيسة وشكلت صدمة للجميع، وهي قتل رهبان لرئيس دير أبو مقار الأنبا أبيفانيوس في نهاية عام 2018.
ورغم أن المحكمة أسدلت الستار على الحادث بإعدام الرهبان المتهمين في هذه الواقعة، إلا أن تداعياتها ما زالت موجودة وستستمر طويلاوأدت إلى انقسام المسيحيين إلى فريقين، فريق ينادى ببراءة الرهبان المتهمين بقتل الأسقف، وفريق آخر يؤكد ويدلل على ضلوع هؤلاء الرهبان فى الجريمة.
وتخطى الخلاف في القضية حدود الجريمة ليصل إلى الخلاف الفكري في الكنيسة بين فكر الأب الراحل متى المسكين، وفكر البابا الراحل شنودة الثالث.
حصاد الكنيسة المصرية في 2019… تداعيات مقتل راهب وزيارة الأقباط للقدس
والمعروف أن الخلاف بين الطرفين استمر طويلاخلال حياتهما واستمر إلى ما بعد وفاتهما. ومدرسة شنودة من كهنة ورهبان وأساقفة تترصد فكريًا لمدرسة المسكين التي يساندها البابا تواضروس الثاني.
كذلك مثلت قضية الوحدة بين الطوائف المسيحية، التي يسعى إليها البابا تواضروس كثيرًا ليحدث توافق وتقارب بينها، أحد أهم القضايا التي شغلت مسيحيي مصر خلال عام 2019.
وفشل البابا تواضروس في تحقيق هدفه، نتيجة اعتراض بعض الأساقفة والكهنة على إتمام هذه الوحدة، لأنهم يرون أن هناك اختلافًا في بعض الأمور الدينية بين كل طائفة ولا بد من تنفيذ تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية على جميع الطوائف.
هذه القضية هي التي أشعلت خلافات جديدة في الكنيسة، فظهر فريق يرفض التقارب غير المدروس، وفريق يوافق على كل خطوات البابا في هذا الأمر. ووصل الصراع إلى المجمع المقدس الذي انقسم أيضًا إلى فريقين، فريق من المجددين الذين يرون ضرورة الإسراع في إتمام الوحدة بين الطوائف ومباركة خطوات تواضروس ويمثله الأنبا دانيال أسقف المعادي وسكرتير المجمع المقدس، وفريق آخر من المحافظين يرفضون الإسراع في الأمر وضرورة الدراسة المتأنية، ويمثلهم الأنبا موسى أسقف الشباب.
زيارة القدس
عام 2019 شهد أيضاً زيارة أكبر عدد من مسيحيي مصر إلى القدس في شهر إبريل/ نيسان الماضي، وهو الأمر الذي جاء مخالفا لمواقف باباوات الكنيسة تجاه القضية الفلسطينية.
وكان البابا كيرلس السادس البطريرك 116 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أول من رفض زيارة القدس، حيث أعلن ذلك في أعقاب هزيمة 1967 وبعد وقوع القدس في يد الاحتلال الإسرائيلي، وظل الأمر كذلك حتى جاء العام 1980 حين قرر المجمع المقدس للكنيسة القبطية وهو أعلى سلطة في الكنيسة، منع الأقباط من زيارة القدس، وذلك في أعقاب الشقاق بين البابا شنودة والرئيس الراحل أنور السادات.
ونص قرار المجمع المقدس بشأن القدس في جلسة الأربعاء 26 مارس/ أذار 1980 على: «عدم التصريح لرعايا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالسفر إلى القدس هذا العام، في موسم الزيارة أثناء «البصخة المقدسة» وعيد القيامة، لحين استعادة الكنيسة رسمياً لدير السلطان، ويسري هذا القرار تلقائياً ما دام الدير لم تتم استعادته، أو لم يصدر قرار من المجمع بخلاف ذلك».
واستمر العمل بقرار المجمع المقدس طوال عهد البابا شنودة الثالث الذي قال مقولته الشهيرة «لن ندخل القدس إلا مع إخوتنا المسلمين»، حتى أن البابا الراحل كان يعاقب الأقباط الذين يزورون القدس بالحرمان الكنسي، أي الحرمان من سر التناول، وهو أحد الأسرار المقدسة السبعة للكنيسة الأرثوذكسية.
لكن البابا تواضروس الثاني لم يعارض من يريد الذهاب إلى القدس، ولم يعد الذهاب إلى الأماكن المقدسة يوصل صاحبه إلى الحرمان من الكنيسة وممارسة الأسرار المقدسة.
ومثل عام 2019 نهاية الحديث عن ابتعاد المسيحيين عن حملات الاعتقال المستمرة طول السنوات الماضية، حيث ألقت قوات الأمن القبض على الناشط القبطي رامي كامل على خلفية زيارات بصحبة مقررة الأمم المتحدة للحق في السكن ليلاني فرحة، إلى مناطق في المنيا تشهد خلافات طائفية.
وقالت منظمات حقوقية محلية، إن «رامي كامل كغيره من النشطاء الحقوقيين المحبوسين حاليا، يدفع ثمن ممارسة حقه في التعبير عن الرأي وفضحة للانتهاكات المرتكبة بحق المصريين بمن في ذلك الأقباط، وتعاونه مع الأمم المتحدة وآلياتها لحماية حقوق الإنسان باعتبار مصر دولة عضو في الأمم المتحدة ملزمة بعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الضامنة لحقوق الإنسان».
وأثارت تصريحات رهبان مؤيدين للرئيس عبد الفتاح لسيسي جدلا واسعا في مصر، وكان آخرها في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ما جاء على لسان القس مكاري يونان الذي زعم أنّ السيسي»منزل من السماء»، معتبراً أن «المتظاهرين ضده مصيرهم جهنم».
جاء ذلك في المحاضرة الأسبوعية للقس يونان من أمام هيكل الكنيسة المرقصية، حيث بين أن «من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله».
ووجه حديثه لمسيحيي مصر قائلاً: «نحن لسنا من دعاة المظاهرات أو إطلاق شعارات إرحل، نحن نرفض ذلك حتى نضمن حياتنا الأبديّة».