الزمن لحظة، حين نكتب يصبح تاريخاً.
أتذكر اليوم، لحظاتٍ من زمن مضى، أحكي حكاياته، علَّه يصبح تاريخاً.
الهاتف يرنّ، يفاجئني صوتُ جمانة حدّاد تطلب موافقتي على اختياري رئيسة لجنة تحكيم لجائزة البوكر.
كان ذلك في العام 2008/ 2009.
في الطائرة إلى لندن التقيتُ الأستاذ رياض الريّس، كان مدعواً للحضور بصفته مديراً لـ”دار رياض الريس للنشر” وليس كعضو في لجنة التحكيم. أخبرته عن خشيتي بأن لا أجد أحدا في انتظاري، لمرافقتي إلى الفندق. كنتُ أخشى الشعورَ بالمتاهة الذي يراود مناماتي، فطمأنني بأنَّه سيهتمّ بإيصالي.
لدى وصولي، كلُّ شيء بدا لي غريبا، يشعرني بالصقيع: قاعة الاستقبال في الفندق، الغرفة الضيّقة التي شعرتُ بأني سأختنق لو نمت فيها، العشاء الذي فوجئت بأنَّ عليَّ أن أدفع فاتورته، اللغة التي لا أعرف منها إلاّ القليل… القليل الذي فاض لساني به ذاك المساء، ورحت، غاضبةً، أقول للمسؤولة عن توزيع الغرف، كيف تختارون لي هذه الغرفة التي تشبه غرف العاملات في الفندق.
تسمع صوتي جمانة حدّاد، فتسرع وتطلب إعطائي غرفة بديلة تليق، كما قالت، برئيسة لجنة التحكيم.
في ذلك المساء، تذكرتُ استقبال معظم البلدان العربيّة التي كنتٌ أُدعى إليها، وكرم ضيافتهم. تونس، المغرب، القاهرة، الجزائر، عُمان، صنعاء، الكويت، أبو ظبي، الشارقة… إنه إرثنا العربي الذي علينا أنْ نفخر به، قلت لنفسي، وليس الثراء. فاليمن مثلا، ليس بلداً ثريّاً ومع هذا كان أهله كرماء في استقبالهم وضيافتهم، وكذلك أهل القاهرة وتونس والجزائر والمغرب…
وكي أهدأ، رحتُ أقول لنفسي: نحن هنا لغرضٍ ثقافي يستحق أن نتحمّل من أجله بعض ما يضايقنا. إنها الجائزة التي تُعطى لرواية عربيّة، فتُنقَل إلى أكثر من لغة، وهو ما يعرِّف الآخر بثقافتنا، ويكسبها شهرة، ممّا يفسح مجالاً لأدبنا في الحضور في الأوساط الثقافيّة العالميّة.
كنّا بصدد اختيار الروايات التي تستحقّ الوصول إلى اللائحة القصيرة، وذلك بعد اتفاقنا على روايات اللائحة الطويلة. كانت عمليّة الاختيار هذه أكثر صعوبة بسبب اختلافنا الذي استغرق الكثير من النقاش.
وقد استوقفني في ذلك النقاش اعتراضُ أحد أعضاء اللجنة على رواية محمد البساطي “جوع”، فهي في نظره، لا تستحق أن تعتبر رواية.. إنها، وحسب عدد صفحاتها، مجرّد قصّة طويلة. عندها قلت: إنَّ عدد صفحات رواية “الجميلات النائمات” للروائي الياباني ياسوناري كواباتا لا يفوق عدد صفحات رواية “جوع”، ومع هذا قال الروائي الشهير ماركيز، بعد أن قرأها، إن رواية “الجميلات النائمات” هي الرواية الوحيدة التي تمنيتُ أن أكون كاتبها.
سببان دفعاني لتأييد ترشيح رواية “جوع” للائحة القصيرة:
الأول هو المرجع المعيش الحي الذي تحيلنا عليه قراءة رواية “جوع”، أي هؤلاء الناس البسطاء الذين يعرف البساطي كيف يضع نفسه مكانهم، ويقدِّم صورة لها ملمحها الفنّي الخاصّ، المعبِّر بصدق عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه. ما يعني أن هذه الرواية ومثيلاتها تحكي، حكاية المعيش، وتبدع خصائص فنيّة تميّز بنيتَه الروائيّة، وهذا ما يدحض رأي بعض النقاد العرب الذين يقولون بأنَّ الرواية العربيّة تحاكي الرواية الغربيّة.
وقد عارضتُ هذا القول مستندة إلى مفهوم “المرجع الحي” الذي أبرزتُه في دراستي لأكثر من رواية عربيّة.
عن هذا المفهوم عبَّر بعضُ الروائيين العرب، في محاولتهم بناء عالم رواياتهم المعيش بناءً فنيّاً. فصنع الله إبراهيم مثلا يسأل: “كيف أعبِّرُ عن الواقع، كيف أكتب؟”. وعبد الرحمن منيف يقول: “هويّتي هي أن أكون روائيّاً يحكي ما عشنا ونعيش، ويفسح للناس العاديّين مكاناً هو لهم في هذه الحياة، ويعطيهم الفرصة لأن يقولوا همومهم، وأحلامهم لأنّهم، في نظري، هم الأجدر باهتمام الرواية، وهم الذين يجب أن يلتفت إليهم كاتبُها”.
إلى هذا المفهوم للرواية كان ينتمي محمد البساطي.
السبب الثاني هو اللغة/ الكلام، باعتباره قول هؤلاء الناس البسطاء الذين يأتي بهم الكاتب إلى السرد الروائي ليتميز بخصوصيّته الفنيّة. وكان البساطي يعرف كيف يضع نفسه مكان الناس البسطاء، ناس القرية. فالقرية، كما يقول في حوار صحافي معه: “طفولتي وصباي، والطفولة والصّبا زمنان يترسّخان في العقل والوجدان، حتى عندما تكبر وتشيب يظلاّن فاعلين. وعندما كتبتُ لم أغادر القرية في كتاباتي، هي المحيط الذي عرفته وفهمته كلاًّ وجزءً…”
في الطريق من مطار أبو ظبي، وعلى طول خمسة كيلومترات وقبل وصولنا إلى الفندق، لفتتني هذه الخضرة الفائقة الجمال التي تحجب الصحراء وراءها، فلا نعود نرى سوى الأشجار الباسقة، والعشب الأخضر الذي يفترش أرض رصيفيْن عريضيْن، يشكّل كلٌّ منهما منتزهاً مجانيّاً بمقاعد، وطاولات فوقها مظلاّت تقي من الشمس.
ماذا لو نفد البترول! تساءلتُ في سرّي، هل ستعود رمال الربع الخالي وتكتسح هذا العشب الأخضر الغريب؟
هل ستتهاوى هذه البنايات العملاقة التي تشبه ناطحات السحاب في شيكاغو؟
هل ستذوي هذه الحضارة المستوردة؟
كان الفندق الذي ضعتُ بين صالاته وأدراجه، وموظّفي الاستقبال، والضيوف… يشعرني بالمتاهة.
ولكن، سرعان ما أعادتني اللغة إلى نفسي، فاجتمعنا لاختيار الرواية التي تستحق الفوز بالجائزة الأولى. فاخترنا، بالإجماع، على ما أذكر، رواية “عزازيل” ليوسف زيدان.
بعد الاحتفال، وفي صالة الفندق الكبيرة، التقيتُ الروائي المصري محمد البساطي. بدا هادئا عندما تقدّمتُ منه وهنأته بفوز روايته “جوع” في اللائحة القصيرة. لعلَّه كان يتوقّع فوزها بالجائزة الأولى.. ولم لا.. قلت في سرّي، أليس الفوز بالجائزة الأولى هو ما يتوقّعه ويأمل به الروائي حين يرشِّح روايته لها؟
كان قد وصله ما جرى من اختلاف حول روايته ومسألة قصرها. فبادرتُ إلى الكلام عن تباين الآراء الذي هو بسبب اختلاف المنظور النقدي، أو الذوق الأدبي… ثم أضفت، مبتسمة، ربما هو الانحياز بدافع الصداقة.
لم يعلّق، بل بادر إلى إهدائي روايته “فردوس” (2002)، معبّراً عن حبّه لهذه الرواية، عن الصمت، بما هو لغة الغياب.
إنه صمت الأنثى، قلت له.
بل صمْتُ زوجها أيضاً، وصمتُ أناس القرية، إنه حالة اجتماعيّة، كما سترين عند قراءتك للرواية.
الصمت هو لغة الغياب. قلت.
ولمّا لم يجب، أضفت: هو مظهر من مظاهر انفتاح النصّ على التأويل، وانتقاله من وظيفته التعليميّة إلى وظيفته الجماليّة، كما يقول أمبرتو إيكو.
ابتسم وقال: آمل أن نلتقي في القاهرة.. بعد أن تكوني قد قرأت رواية “فردوس”.
لم ألتق بعد ذلك بالبساطي.
في العام 2011 على ما أذكر، وصلني، صدفة، خبر مرضه بداء السرطان، وأنّه يتعالج على حسابه ولم يطلب، ولم يبادر إلى الإخبار بمرضه حتى لأعزّ أصدقائه.
تذكرت رواية “فردوس” وكنتُ قد قرأتها وكتبت عنها. فرحت أردد: كم يشبهه عالم هذه الرواية المتسم بالهدوء والصمت… الصمت وكلمات قليلة تقولها فردوس لنفسها يوم عزمتْ على ترك بيتها الزوجي، وراحتْ تفكِّر بما ستأخذه معها:
“… ثلاثة جلاليب.. والشباشب.. لن تترك فردة واحدة…والصابون؟ أربع قطع رائحتها الحلوة تفوح من الدرْج، من عمْر زواجها. والسّكر؟ والشاي؟ ستترك الرز والبيض، ينكسر في الطريق، تأخذه مسلوقاً… والعنزة ستسحبها وراءها…”
رحل البساطي وبقيتْ “فردوس”… وشهادة في اختيار رواية جوع للائحة القصيرة تقول: “يعرف البساطي كيف يضع نفسه مكان الناس البسطاء، وكيف يركِّز بصره على أفكارهم، وعلى قضاياهم الوجوديّة، وعلى تهديدات التحقير الاجتماعي المستمرة، فكوَّن بذلك صورةً أصيلة للمجتمع.. لها ملمحها الخاّص”.
ـ محمد إبراهيم الدسوقي البساطي، مواليد بلدة الجماليّة بمحافظة الدقهلية، 1937 ــ 2012.
ـ حصل على بكالوريوس التجارة عام 1960 عمل مديراً عاماً بالجهاز المركزي في القاهرة، ورئيساً لتحرير سلسلة “أصوات” الأدبيّة التي تصدر في القاهرة عن الهيئة العامّة لقصور الثقافة.
ـ كتب القصة القصيرة والرواية.
ـ من أعماله الروائيّة: “التاجر والنقاش”، “المقهى الزجاجي”، “الأيام الصعبة”، “بيوت وراء الاشجار”، “صخب البحيرة”، “أصوات الليل”، “ويأتي القطار” “ويأتي القطار”، “ليال أخرى”، و”الخالدية”.
ـ وفي القصة القصيرة: “الكبار والصغار”، “حديث من الطابق الثالث”، “أحلام رجال قصار العمر”، “هذا ما كان”، “منحنى النهر”، “ضوء ضعيف لا يكشف شيئاً”، و”ساعة مغرب”.
ـ نال جائزة سلطان العويس في الرواية والقصّة لعام 2001، وجائزة الدولة التقديريّة في الأدب 2012.