تونس-“القدس العربي”:بعد ولادة عسيرة وطول انتظار، أعلن رئيس الحكومة التونسية المكلف الحبيب الجملي عن تركيبة حكومته التي صرح قبل الإعلان عنها بأنها ستكون حكومة كفاءات ومستقلة عن الأحزاب السياسية. إلا أن الأسماء المعلن عنها تضمنت المستقل وغير المستقل سواء أكان منتميا مباشرة إلى حزب سياسي أو مقربا منه يتبنى توجهاته ورؤاه.
وتضمنت التركيبة الحكومية التي ستعرض على البرلمان لمنحها الثقة فردا فردا، وزراء لديهم تجارب سابقة في العمل الحكومي على غرار وزير التعاون الدولي والاستثمار الخارجي فاضل عبد الكافي ووزير الشباب والرياضة طارق ذياب. وتضمنت التركيبة الحكومية وزراء جددا يخوضون تجربة العمل الحكومي للمرة الأولى منهم وزير الداخلية سفيان السليطي وخالد السهيلي وزير الشؤون الخارجية ووزير الثقافة فتحي الهداوي.
حقائب عديدة
وإضافة إلى غياب الاستقلالية لدى بعض أعضائها فإن من أهم الانتقادات التي وجهت إلى هذه التركيبة الحكومية هي كثرة أعضائها من وزراء وكتاب دولة، حيث ضمت 28 وزيرا و13 كاتب دولة في وقت كان فيه البعض يتوقع أن يتم دمج وزارات ببعضها البعض وعدم تسمية هذا العدد الكبير من كتاب الدولة. ومن بين الوزارات التي كان يتوقع أن تدمج ببعضها وزارة الخارجية ووزارة التعاون الدولي والاستثمار الخارجي، كما كان بالإمكان دمج الوزارات الاقتصادية لتكون قطاعات مثل الصناعة والتجارة والطاقة صلب وزارة واحدة ناهيك عن التربية والتعليم العالي وغيرها من الوزارات التي يمكن دمجها.
ويفسر البعض هذا العدد المرتفع نسبيا من أعضاء الحكومة بطبيعة النظام السياسي التونسي الذي يقوم على المحاصصة الحزبية وضرورة البحث عن التوافقات لضمان التصويت على الحكومة في البرلمان حيث تحتاج إلى ما يزيد على 109 من الأصوات وهو ما لا يستطيع أي حزب منفردا أن يوفره. وبذلك يجد الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة نفسه مضطرا، في هذا النظام السياسي، لإرضاء أكبر قدر من الأحزاب السياسية بالحقائب الوزارية حتى يضمن نيل حكومته لثقة مجلس نواب الشعب.
نصاب مضمون
ولعل السؤال الذي يطرح الآن هو ذلك المتعلق بمدى قدرة حكومة الحبيب الجملي في أن تنال ثقة البرلمان من عدمها، وهي الحكومة المستقلة عن الأحزاب السياسية والمتضمنة لكفاءات حسب تعبير رئيسها. إن ما هو أكيد أن الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسى لن يصوت لهذه الحكومة وكذا حركة الشعب التي أعربت عن ذلك صراحة مبررة رفضها بأن هذه الحكومة ليبرالية ولا تستجيب للتوجه الاجتماعي للدولة. كما أعلن التيار الديمقراطي الذي أسسه محمد عبو عن رفضه منح الثقة لهذه الحكومة وكذا حزب تحيا تونس الذي يرأسه رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد والذي يبدو أن وجود “غريمه” نبيل القروي في الائتلاف الحكومي هو ما يزعجه في الأساس.
وبالتالي فإن الأحزاب التي ستمنح الثقة لحكومة الحبيب الجملي هي أساسا حركة النهضة (53 نائبا) التي رشحت الحبيب الجملي لتشكيل الحكومة وحزب قلب تونس (38 نائبا) الذي حل ثانيا في الانتخابات التشريعية والذي يرأسه نبيل القروي وأيضا ائتلاف الكرامة القريب من حركة النهضة والذي لا يتصور أن يصوت ضد حكومة تدعمها الحركة. كما يتوقع أن يصوت بعض النواب من المنتمين إلى كتل أخرى ومن النواب المستقلين لمنح الثقة لهذه الحكومة، وبالتالي ستنال النصاب القانوني الذي يجعلها تمر وتصبح حكومة شرعية بتزكية من البرلمان الذي من المنتظر أن يعقد جلسة التصويت خلال الأيام القليلة المقبلة ومن المرجح أن تكون الجلسة بداية الأسبوع المقبل.
عراقيل وصعوبات
ويتفق جل الخبراء والمحللين على أن هذه الحكومة التونسية ستجد أمامها عراقيل وصعوبات عديدة لعل أهمها مواجهة الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات التي من المتوقع أن تزداد وتيرتها خلال الفترة المقبلة في ظل انسداد الآفاق أمام أبناء المناطق المهمشة والفقيرة. وستجد نفسها عاجزة عن تلبية حاجيات المطالبين بالتشغيل والكرامة على الأقل خلال السنة الأولى باعتبار أن ميزانية سنة 2020 التي أعدتها حكومة يوسف الشاهد لا ترصد سوى 8 مليارات دولار للتنمية وهو مبلغ زهيد جدا ولا يمكن بعث مشاريع كبرى من خلاله ولا يمكن تحسين الأوضاع المعيشية في المناطق المهمشة.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن تتم المحافظة على نسبة النمو المسجلة في 2019 وهي نسبة لا تخلق الثروة ولا تحقق التنمية ولا تمكن من خلق مواطن الشغل للحد من البطالة التي ستزداد تناسبا مع ازدياد خريجي التعليم العالي ونسبة الشباب الناشطين، وسيزداد الفقر لارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بالنسبة للطبقة الوسطى التي يتم القضاء عليها تدريجيا. ويعتبر البعض أن الامتحان العسير لحكومة الجملي سيكون خلال سنتها الأولى فإن صمدت فبإمكانها أن تستمر وإن عصفت بها رياح المشاكل الاجتماعية فإن البلد سيعيش أزمة سياسية غير مسبوقة.