شريطة المعرفة الدقيقة بلغة وتاريخ ما ينقل منه وما ينقل إليه: الترجمة طريق آدابنا إلى العالم

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

بديهية، ليس بها حاجة إلى تفسير أو تأويل. إنها الترجمة، أو النقل، بلغة جدّنا الجاحظ (ت 255ه -868م) الذي كان يفضّلها على كلمة الترجمة المصرية الفرعونية، ولوأن جذرها الأقدم يعود إلى السومرية/الأكدية. ونقل العلوم الإنسانية من آداب وفنون أسهل من نقل العلوم الصرفة، لما في هذه من مصطلحات لم يتيسّر نقلها إلى العربية، بَعدُ، بشكل يجعل تداولها سائغاً.

وقد نقل أجدادنا منذ أيام “بيت الحكمة” في عصر المأمون العباسي كثيراً من آداب وفلسفات الأقوام غير العربية، وقليلاً من العلوم الصرفة، لكنه كان بداية طيّبة. وكلّ هذا معروف لدى غالبية المتأدّبين العرب.

وفي عقود ماضية قريبة، نشطت حركة النقل من اللغات الأوروبية إلى اللغة العربية، كان أغلبها بجهود فردية، ولم يتيسّر لها دعمٌ رسمي أو حكومي الاّ في وقت متأخّر، مما جعل الجهود الفردية عرضة لما قد ينال منها.

وغنيّ عن القول إن الناقل يجب أن تتوفر فيه معرفة دقيقة بلغة وتاريخ ما ينقل منه وما ينقل إليه. وأنا أتحدّث عن النقل بين العربية والإنكَليزية، مما شغلني خلال العقود الخمسة الماضية. وأحسب أن ما واجَهَني لا يختلف كثيرا عن ما يواجه الناقل من وإلى الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية، وكان المُعين في عَون المتعامل باللغة الروسية ولا أقول الصينية! معرفة الناقل من العربية يجب أن تكون دقيقة، نحواً وصرفاً ومصطلحاً وتاريخاً. وهذه بديهية أخرى ليس بها حاجة إلى تفسير. ففي أثناء أبحاثي عن دور الموشّح والزجل في تطوير الشعر الأوروبي الوليد، وجدتُ أغلب الأبحاث بالإسبانية، وكان الباحثون الذين رجعتُ إلى أعمالهم على مستوى عالٍ من معرفة الإسبانية، لغتهم الأصل، وبالعربية كذلك. لكني وجدتُ الحرصَ الشديد على الدقّة في نقل الكلمة العربية قد وقع في حرفيّة المُعجم. فكلمة “فُتُوّة” مثلاً لها مدلولها الثقافي الخاص بالعربية ولكنها ترجمت حرفيا إلى juventud  أي فترة الفتى الزمنية، من joven   الإسبانيّة أي شاب، أو فتى، وهو غير المعنى في النص، مثل “فتى الفتيان في حَلَبِ” في وصف المتنبي لممدوحه سيف الدولة. وثمة مثال طريف لباحث بالانكَليزية استحلى موشحاً فيه بيت يقول: “عاشقان اعتنقا/ ربّ لا يفترقا” وهذا ليس من أفضل الموشحات لكن الباحث استشار “عارفاً بالعربية” يعمل بتدريس العربية في جامعة أمريكية محترمة. فجاءت الترجمة:Two lovers embraced  /  perhaps they will not separate

وتبين أن ذلك: “العارف بالعربية” فهم “ربِّ” أنها تعني “ربّما”. وحكماً على اسم ذلك الناصح، فهو من أهالي القرى في ظاهر الموصل، عَرَبيته: سريانية!

وهذا مثال طريف، بل خطير ثقافياً، آخر. متأدب إنكَليزي جاء إلى بغداد في أواخر الأربعينات، لتدريس الانكَليزية في أحد المعاهد العالية، ولكي يحسّن معرفته بالعربية. وكانت بغداد يومها تشهد حركة ناشطة في تطور الشعر الحديث، ممثلاً بأسماء لامعة مثل نازك الملائكة، بدر شاكرالسيّاب، عبد الوهاب البيّاتي، لميعة عباس عمارة، وبلند الحيدري. راح هذا المتأدّب الإنكَليزي يتقرّب من هؤلاء الشعراء ومن أدباء غيرهم، وبخاصة من الموجّه الأكبر للحداثة في الآداب والفنون في بغداد الخمسينات، جبرا إبراهيم جبرا. وأحسّ صاحبُنا أن عربيته قد بلغت من الاكتمال حدّاً يشجّعه على ترجمة الشعر. وبعد فترة “وقَعَ” صاحبنا على قصيدة البيّاتي “بكائية إلى شمس حزيران”. أعجبه أن يتجاوز بيتين من أوّلها، ليتني أعرف لماذا! وأعجبه قول البيّاتي “نحن لم نقتل بعيراً أو قطاة”. البعير معروف… لارتفاعه! ولكن “القطاة” المسكينة ترجمها صاحبنا إلى crow أي “غراب”. تُرى ماذا تمثل القطاة في التراث العربي الثقافي، وماذا يمثل الغراب؟ ما الذي يحدث للبيت أو القصيدة برمّتها بسبب هذا التشوية؟ ثم “حاملين الوطن المصلوب في كفّ وفي الأخرى التراب” ترجم “المصلوب” إلى murdered  أي مقتول، وهو غير المصلوب. لماذا؟ “في كفٍّ” أصبحت in one fist أي “في قبضة” وأحسَبُ أن “القبضة” غير “الكفّ”. فما الذي يبقى من المصلوب ليُقبَض عليه “بقبضة”؟ ولا أدري أية روائع أتحفنا بها هذا المحروس “في خدمة الأدب العربي” حتى استحق جائزة كبرى من بلد خليجي يُعنى بالثقافة العربية! أم تُراها عقدة الخواجا؟ مثال أخير على ضرورة أن يكون الناقل من العربية واعياً للمعاني وظلالها ودقّة ما تؤدّيه. في مؤتمر أدبي دُعيت إليه في القاهرة قبل سنوات، جاءتني أستاذة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة تزهو بترجمة رواية لكاتب “من بلادكم!” وكانت رواية التكرلي بعنوان “الرَّجع البعيد” صار العنوان في الترجمة The Long Way Back. لماذا ليس The Distant Echo؟ كيف صار صدى الصوت الراجع “طريقا طويلا إلى الوراء؟”.

والأخطر من هذه جميعاً ترجمة عبدالله يوسف علي، الهندي المسلم، بعنوان “معاني القُرآن الكريم” 1948 وتكرّرت طبعاته، مع “مراجعة خبراء” فاتهم “ويسألونك عن الروح” يجب أن تترجمsoul  وليس spirit و”من أمر الله” كلمة أمر لا تفيد order  كمن  يأمرك أن تقول أو تفعل شيئاً بل تعني “شأن من شؤون الله” و”الصدقات للفقراء… وذوي الأرحام”. الأرحام هنا ليست جمع “رَحم المرأة” لان السورة هي “سورة النساء”!!! فلماذا أيها الحريص عملتَ وَحدَك ولم تعرض عملك على عربي لغةً؟

قد يسألني سائل حريص: أنت تستعرض هفوات الآخرين، فماذا عملتَ أنت في ترجمة الآداب الأجنبية إلى لغتنا العربية؟ وماذا نقلت من تراثنا الأدبي إلى الإنكَليزية التي تفرّغتَ لها دراسة وتدريسا؟

لا أريد أن يكون جوابي “منفَخَة” فأنا قد عملتُ جهدي خلال العقود الخمسة الماضية التي أنجزتُ فيها أكثر من أربعين كتابا من الترجمة من العربية وإليها. وأنا لا أدّعي للحظة أن ترجماتي تخلو من هفوات بل أتوقّع من يشيرني إليها لأصلحها. كان جميع من يقابلني في المؤتمرات الأدبية يمدح ترجماتي “موسوعة المصطلح النقدي” ولماذا توقفتُ عند الجزء السادس عشر من أصل أكثر من سبعين… تنتظر الدعم الذي كانت تقدّمه وزارة الثقافة ببغداد؟ و”الأرض اليباب” قصيدة إليوت الكبرى، لماذا توقفتَ بالطبعة الثالثة؟ اسألوا الناشر. الطريف أن متأدّبا لبنانياً لا أستطيع الحكم إن كان رجلاً أو امرأة، لأن “ديزيريه” بالحرف العربي وليس اللاتيني لا يُعين في تحديد الاسم. هذا السيد/السيدة نشر كتاباً بعنوان “الأرض الخراب” متجاهلاً تفسيري أن الأرض يباب لانحباس المطر عنها، والدار خراب لانهدامها أو قِدَمها.

ويقول صراحة/ تقول إنه/إنها… اعتمد ترجمتي لقصيدة إليوت مشيراً إلى “غلطة” في البيت “سوف أُريكَ الموت في حفنة من تراب” الأصل –”dust” أي “غبار”. يريد هذا الفاضل أن أترجم في “حفنة من غبار” من التراب إلى التراب نعود!

ولنعد إلى الجدّ. بعد ستين سنة من التدريس وبعضها في سبع جامعات، كنتُ أنتظر نعمة التقاعد التي بلغتُها عام 2012 فقرّرنا الإقامة في كمبرج والتفرّغ لترجمة مختارات من أدبنا العربي إلى الإنكَليزية. وبعد جهود مع الناشرين، في لندن وأمريكا، استطعتُ إنتاج 12 كتابا من الترجمة، أبرزها مختارات من شعر سميح القاسم، عبد الرزاق عبد الواحد، مظفّر النوّاب، بدر شاكر السيّاب. ولم يكن سهلاً إقناع الناشر اللندني بنشر شعر عربي عراقي بترجمتي إلى الإنكَليزية من دون أن أتحمّل جزءاً من تكاليف النشر. فوافقتُ “مُرغماً” ودفعتُ من راتبي التقاعدي الضئيل و”بالتقسيط” كمن يشتري غسّالة ملابس! الآن ثقُلت المصاريف “فغازلتُ” جامعات أمريكية، لا تطالبني بمساهمة من تقاعدي الضئيل. وها هي ثلاث جامعات كبرى في أمريكا تنظر في ترجماتي مختارات من نازك الملائكة، عبد الوهاب البيّاتي، بلند الحيدري.

وكان من نتائج عملي المتواصل ليل نهار والجلوس إلى المكتب، دون حركة أن أصابني ضعف شديد في المفاصل “آرثرايتس” أقعدني عن الحركة الطبيعية. تصلني تعليقات إيجابية جداً على هذه الكتب الاثني عشر، ولكن يُسعدني أن أرى انتقادات وتصويبات وتوجيهات، مما يخفف عني هموم “الدفعات” ويشغلني قليلاً عن مصاعب الخطوات، والمشي “على ثلاثة، كمشية العرنجلي”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية