الليبيون يترقبون مؤتمر برلين وتفاؤل حذر بإنهاء القتال 

روعة قاسم
حجم الخط
0

وقف إطلاق النار في حرب طرابلس بين جماعة خليفة حفتر المدعوم من البرلمان في طبرق، والقوى الموالية لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، والعودة إلى المسار التفاوضي من خلال مؤتمر برلين الذي ينعقد اليوم، هو أهم ما يشغل الشارع الليبي اليوم على المستوى السياسي. هذا بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة التي تسبب فيها عدم الاستقرار السياسي طيلة السنوات الماضية في بلد مترامي الأطراف من حيث المساحة وغني بالنفط والغاز وحتى الماء وعدد سكانه محدود، أي كان من المفروض أن يعيش هذا الشعب في أعلى درجات الرفاه.

عودة الحياة تدريجيا

عادت الحياة إلى طرابلس بصورة طبيعية نتيجة لوقف إطلاق النار وشملت العودة تلاميذ المدارس الذين عادوا إلى مقاعدهم خصوصا في حي الأندلس حيث توقفت الدراسة لأكثر من عشرة أيام لازم فيها التلاميذ بيوتهم خوفا من تبادل إطلاق النار بين طرفي الصراع. وحسب مصادر ليبية فإن نسبة الإقبال على الدراسة فاقت السبعين في المئة في منطقة حي الأندلس فيما تم الحديث عن عودة الدراسة في عين زارة وتاجوراء وسوق الجمعة وطرابلس المركز منذ بداية الأسبوع.

ومن ناحية أخرى ووسط هذه الأجواء المستبشرة صدر تصريح صادم عن المبعوث الخاص للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لمنطقة البحر الأبيض المتوسط التابعة للأمم المتحدة مفاده أن طرفي النزاع في ليبيا يستخدمان المهاجرين كمقاتلين. وحسب المبعوث فإن هناك روايات لمهاجرين تم احتجازهم في مراكز وطلب منهم الاختيار ما بين البقاء هناك لفترة غير محددة من الزمن أو القتال على الخطوط الأمامية في هذه الحرب التي تدار من قبل أطراف خارجية بوكلاء داخليين.

 ويبدو وحسب الأنباء الآتية من طرابلس أن السودانيين هم المستهدفون في الأساس لعوامل عديدة من أهمها اتقانهم للغة العربية وتمرسهم على القتال طيلة السنوات والعقود الماضية سواء في دارفور أو في الجنوب. كما أن هناك جنسيات أخرى افريقية في الأساس من تشاد والنيجر ومالي تم استخدامهم جميعا للقتال وفي الصفوف الأمامية في حرب شرسة لا تبقي ولا تذر.

مؤتمر برلين

ويتوقع جل الخبراء والمحللين ورغم أجواء التفاؤل الحذر أن يفشل مؤتمر برلين حول ليبيا كما مؤتمرات روما وباليرمو وباريس ومفاوضات الصخيرات، وذلك بالنظر إلى التشابه بين هذه المؤتمرات في عدم دعوة كل الأطراف الليبية الفاعلة على الميدان. وسيدرك الألمان بعد فوات الأوان ضرورة الاستنجاد بالأطراف المقصية وستتم العودة إليها حين يدرك من قام بتنظيم هذه اللقاءات الفاشلة حقيقة التاريخ والجغرافيا وطبيعة الأمور.

فحل الأزمات الدولية لا يتم حسب المزاج ولا يمكن معاقبة طرف فاعل داخليا وخارجيا من أجل موقف سياسي ما أو انتماء ما. فالولايات المتحدة على سبيل المثال فاوضت حركة طالبان عندما اقتضت الضرورة، والألمان رغم نجاحهم الاقتصادي ما زال بينهم وبين فن إدارة الملفات السياسية الخارجية بون شاسع مثلهم مثل بلدان تتصور أنها قوى إقليمية لكنها لا تتحكم حتى في منابع مياهها.

في الأثناء رحبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بتعهد اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، بالالتزام بوقف إطلاق النار، وأكدت على أن مؤتمر برلين سيركز على حظر الأسلحة على أطراف الصراع. وحسب مصادر ألمانية فإن حفتر لم يمانع في الحضور إلى مؤتمر برلين رغم دعوة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج ودول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا والصين وتركيا وإيطاليا والإمارات ومصر والجزائر والكونغو، فيما لم تتم دعوة تونس التي تتحمل من دون سواها أعباء إيواء اللاجئين في الحروب الليبية والأكثر ترابطا مع ليبيا من النواحي التاريخية والاجتماعية والثقافية والقبلية وغيرها.

 ترحيب وانتقادات

وعبّر البعض من أعضاء مجلس الدولة الليبي عن مساندته ووقوفه مع أي مبادرة سلام تحقن الدماء وتلم الشمل ومن ذلك مؤتمر برلين الذي على غاية من الأهمية ويختلف عن سابقاته من المؤتمرات وذلك بالنظر إلى حضور دول كبرى في هذا المؤتمر وإلى تصريح وزير الخارجية الروسي أن توصيات برلين ستعتمد من قبل مجلس الأمن. وفي المقابل أعرب البعض عن عدم قناعته بمؤتمر برلين مع عدم معارضة أي جهد يراعي المصلحة الليبية والاتفاق السياسي السابق مع مراعاة الثوابت ومن دون وجود تدخل إملائي كما تحاول بعض الدول القيام به. في هذا السياق يقول الناشط الحقوقي الليبي جمال الورفلي لـ”القدس العربي” إن المواطن الليبي العادي ينظر هذه الأيام بقلق شديد لمؤتمر برلين الذي ينعقد اليوم ويعتبره امتدادا لما سبقه من مؤتمرات واجتماعات وينظر إليه بعين الريبة والشعور بالقلق من نتائجه المتوقعة والتي تذهب المؤشرات إلى أن عدم دعوة عديد الأطراف الليبية وتغييبها وكذلك تغييب بعض دول الجوار مثل تونس وأمام صراع الأجندات الخارجية على أرض ليبيا من دون تحرك من المجتمع الدولي لإيقاف هذه التهديدات، لا يبشر بنتائج إيجابية وسط خشية من أن يلقى مؤتمر برلين مصير المؤتمرات التي سبقته”. ويضيف محدثنا: “المواطن الليبي الذي يعاني من أزمات عديدة اقتصادية وأمنية واجتماعية غير مطمئن لهذه المؤتمرات ورغم ذلك فإن وقف إطلاق النار وعودة الحياة تدريجيا إلى العاصمة الليبية ووقف القتال في بعض الأحياء، كل ذلك يعتبر أمرا إيجابيا. والمهم أن تتصرف الأطراف الليبية بوطنية وأن تجعل مصالح بلادها فوق أي مصالح خارجية حقنا لدماء الأبرياء التي أزهقت طيلة الأعوام الماضية”.

 ومنذ بدء هجوم حفتر ووصول المعارك على أبواب طرابلس شلت الحياة في البلاد وعاش الليبيون على وقع أزمات عديدة عطلت حياتهم اليومية لعل أهمها أزمة التزود بالوقود، حيث ازدحمت المحطات أيام المعارك فيما انقطع التزويد عن مدن الجنوب بسبب سوء الإدارة وتهريب النفط إلى دول الجوار على الحدود الجنوبية قبل وصوله إلى مدن سبها والكفرة وغيرها. وقد وصل سعر لتر البنزين في مناطق في جنوب ليبيا حوالي 2.15 دينار ليبي أي ما يعادل 0.55 دولار في حين أن سعره الحقيقي هو 0.15 في العملة المحلية باعتبار الدعم للمواطنين من قبل الدولة.

وفي خضم كل هذه الأزمات والمشاكل الداخلية التي تؤرق مضاجع الليبيين وتعكر صفو حياتهم اليومية، إلى جانب تصاعد خطر آلة الحرب التي قتلت الأرواح وأزهقت دماء الليبيين بلا هوادة، تسود حالة من الترقب الحذر الشارع الليبي في انتظار ما سيؤول إليه مؤتمر برلين وما سينجر عنه اليوم من تفاهمات قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني من جديد إما نحو هدنة وتسوية سياسية أو عودة الحرب من جديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية