بغداد ـ «القدس العربي»: تنتهي فجر اليوم، المهلة (7 أيام) التي منحها المحتجون في محافظة ذي قار، وسرعان ما انضمت لها العاصمة العراقية بغداد ومحافظات الوسط والجنوب الأخرى، لتشكيل حكومة جديدة.
وبدأ المتظاهرون المستمرون بحراكهم الاحتجاجي منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019.
وقبل ساعات من انتهاء المهلة، بدأ المحتجون بخطواتهم التصعيدية التي حذّروا الحكومة «المستقيلة» بزعامة عبد المهدي، وأحزاب السلطة، بانتهاجها بسبب «التسويف» في تنفيذ مطالب المتظاهرين المتمثلة باختيار رئيس وزراء «مؤقت» يتولى تشكيل حكومة انتقالية تتولى مهمة الكشف عن «قتلة» المتظاهرين، والإعداد لانتخابات مبكّرة.
الإجراءات التصعيدية شملت جميع مدن الوسط والجنوب العراقي، لكن أشدّها كانت في العاصمة بغداد ومدينة النجف المقدّسة لدى الشيعة.
وصباح أمس الأحد، تجمّع مئات المحتجون في ساحة الطيران القريبة على ساحة التحرير من جهة الشرق، والمُطلّة على الطريق السريع الحيوي (محمد القاسم)، وأقدموا على غلقه باستخدام الإطارات المُحترقة.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر متطابقة (صحافية وشهود)، أن المتظاهرين قطعوا جميع الطرق المؤدية إلى تقاطع قرطبة وساحة الطيران وسط بغداد، الأمر الذي أدى إلى زحام مروري خانق.
إصابات بالاختناق
ووفق المصادر، فإن قوات الأمن استخدمت الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الغاضبين، الأمر الذي أدى إلى إصابة 14 شخصاً بالاختناق.
وحاولت القوات الأمنية (مكافحة الشغب) بتفريق المحتجين، الذين يواصلون إغلاق الطريق السريع أمام حركة المرور، باستثناء الحالات الحرجة كسيارات الاسعاف.
يأتي ذلك وسط استمرار الاشتباكات بين المتظاهرين وقوى الأمن، في منطقة جسر السنّك، إثر هجوم مباغت للأخيرة على المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، في محاولة لإبعادهم عن الجسر الذي يتمركز فيه المتظاهرون منذ نحو 100 يوم، ما أعاد مشهد الاشتباكات في هذه المنطقة إلى الواجهة من جديد، بعد الهدوء النسبي الذي كانت تعيشه في الأسابيع الماضية.
وعلى ضوء تلك الأحداث، أصدر «شباب انتفاضة تشرين»، بياناً صحافياً جاء فيه: «تخلت القيادات السياسية الفاسدة عن مسؤولية دم شباب انتفاضة تشرين، ولم تكف عن الصاق مختلف التهم الباطلة بحقهم، وحملت المسؤولية لطرف ثالث، ولم نر أي تقرير يدين أي جهة محددة في تنفيذ حفلة الإعدامات التي بدأت في 1 تشرين/ أكتوبر 2019 وصولاً الى يومنا الحالي مع حملات التغييب والاختطاف».
وأضاف البيان: «مع إصرار الشباب وهم بالتأكيد أبناؤكم، أقاربكم، جيرانكم، أبناء بلدكم، على مواصلة نضالهم من أجل تحقيق التغيير المطلوب نرى أنكم مسؤولون أيضاً، كما الآخرون في تصفيتهم فيما لو استمر بقاؤكم صامتين»، مشيراً إلى أن «خلاف ذلك ننتظر من القيادات الأمنية بمختلف الصنوف والرتب موقفاً واضحاً للحد من حالات القتل والخطف والتغييب».
وختم البيان: «إلى أبناء جيشنا الغيور وشرطتنا البسلاء ننتظر وقوفكم إلى جانبنا».
ضبط النفس
لكن قيادة عمليات العاصمة بغداد، أعلنت أن مجاميع تقوم باستهداف القوات الأمنية في السنك وساحة الوثبة بالمولوتوف والحصى والوسائل الجارحة لليوم الثاني على التوالي.
وقالت القيادة في بيان إن «القوات الأمنية المكلفة بحماية المتظاهرين في منطقة جسر السنك والخلاني وساحة الوثبة والمناطق المحيطة بها مازالت تلتزم بواجباتها في التعامل الإنساني وحماية الجمهور المتواجد هناك وضبط النفس العالي تحت ضغط الأفعال العنفية».
وأضافت: «للأسف فهناك مجاميع تقترب من الحاجز الفاصل بين المتظاهرين والقوات الأمنية في السنك وساحة الوثبة لليوم الثاني على التوالي وتمارس رمي الصوتيات والمولوتوف والحصى والوسائل الجارحة على قواتنا الأمنية»، داعية «جميع المتظاهرين السلميين إلى التعاون لمنع المجاميع العنفية من ممارسة العنف الذي يستوجب ردًا وفق القانون».
وطالبت، «جميع المتظاهرين السلميين والمحتجين بالانتباه إلى ذلك»، مقدمة شكرها لـ«جميع المتعاونين معها لتأمين ساحات التظاهر وحماية المتظاهرين».
إلى ذلك، عاد التصعيد في محافظة النجف (161 كم جنوب غرب بغداد)، إذ قطع المحتجون، بواسطة الإطارات المحترقة الشارع الجنوبي لطريق المطار، بالإضافة إلى طريق الكوفة – النجف، وطريق الكوفة – كربلاء، وشارع مجسر الصدرين وشارع الجنسية.
وكذلك، تم قطع الطرق في مناطق المعهد الفني ومجسر الرضوي وقرب مشفى ابن بلال، في خطوة تأتي بهدف الضغط على الحكومة من أجل تلبية مطالب المتظاهرين، وتسبب ذلك بـ«شللٍ تام» في المدينة.
المتظاهرون في النجف لم يكتفوا بتلك الخطوات للتعبير عن التصعيد، بل أقدموا أيضاً على حرق مقر «حركة الوفاء» في الكوفة التابعة للنائب عدنان الزرفي، محافظ النجف السابق. كما قامت مجموعة أخرى بحرق صورة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، في مدينة النجف، حسب مقطع فيديو، فضلاً عن إضرام النار في مقر تابع لـ«كتائب حزب الله العراقية» ليلة السبت.
عزل المحافظات وإغلاق المؤسسات الحكومية والأهلية أولى الخطوات
وفي تلك الليلة، أظهر مقطع فيديو عناصر مجموعة «مُلثمة» وهم يقومون بإغلاق مؤسسات حكومية في محافظة النجف، مستخدمين «آلة لحام الحديد» لغلق الأبواب الرئيسة لتلك الدوائر، في خطوة تأتي لمنع الموظفين من الدوام.
على إثر ذلك، عقدت القيادات الأمنية في مديرية شرطة محافظة النجف، اجتماعاً موسعاً لمناقشة الوضع الذي تشهده المحافظة، وسبل توفير الحماية للمتظاهرين.
وقالت المديرية في بيان: « تم عقد الاجتماع بحضور قائد الشرطة العميد فائق فليح الفتلاوي، وقائد عمليات الفرات الأوسط اللواء الركن علي غازي الهاشمي، والمحافظ لؤي الياسري، بالإضافة الى مدراء الاجهزة الامنية».
وحسب المديرية، «تم مناقشة آخر المستجدات في الوضع الأمني وسبل تطوير الخطط الأمنية، وتوفير الحماية للمتظاهرين والمواطنين، وتطبيق القانون».
اتفاق
واستمر التصعيد في النجف بضع ساعات، قبل أن تتوصل القوات الأمنية والمحتجون إلى اتفاق يقضي بالسماح لدخول فرق الدفاع المدني لإخماد الحرائق.
وبالفعل، باشرت فرق الدفاع المدني بعد التفاوض باخماد النيران في شارع السلام قرب مدينة الالعاب.
وفي بابل، خرج المئات من المتظاهرين، وأغلبهم من الطلبة، في مسيرات احتجاجية أقدموا خلالها على إغلاق الشوارع الرئيسية في المدينة، وقطع عددٍ من التقاطعات، من بينها تقاطع باب الحسين الذي تتمركز بالقرب منه غالبية الدوائر الحكومية، إضافة الى مجسر الثورة ومجسر الطهمازية ومجسر نادر وسط الحلة.
التصعيد في بابل يأتي تلبية لدعوة قدمها ناشطون للمحتجين، تتمثل بالخروج أمس الأحد، إلى الشوارع وقطع (جسر بته، ومجسر الثورة، وتقاطع باب الحسين، وتقاطع شارع 40، وتقاطع الداخل والخارج من جهة المحكمة صورة الامام علي (قيد التصويت)، ومجسر نادر، وشارع الجمعية تقاطع المستشفى التركي، وشارع 80).
وفي منشور تناقله نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، فإن التصعيد يأتي: «للمماطلة والتسويف بمطالبنا المشروعة من قبل المحافظ ومن قبل الحكومة».
وحسب المنشور المُذيّل باسم «ثوار بابل»، فإن قطع الجسور والمناطق المشار إليها يبدأ «من الساعة 5 فجرا إلى الساعة الـ11صباحاً»، حاثا أهالي المحافظة إلى التعاون معهم.
وفي محافظة البصرة، أقصى جنوب العراق، نظم طلبة كليات باب الزبير تظاهرة صباح أمس، داخل الحرم الجامعي، مؤكدين استمرارهم في الاعتصام والإضراب عن الدوام لحين الاستجابة لمطالب المتظاهرين، رافعين شعار «نحن بدأنا الثورة وبيدنا قرار إنهائها».
كما أقدم طلبة محتجون على إغلاق البوابة الرئيسية لمبنى تربية البصرة، ومنعوا دخول وخروج المراجعين والموظفين.
ومن البصرة إلى ذي قار، امتد التصعيد ليشمل قطع طريق ذي قار ـ بغداد، بعد أن أقدم محتجون من قضاء الشطرة على غلق الطريق بالإطارات المشتعلة. على إثر التصعيد في عموم المحافظات العراقية، دخلت جميع القطعات العسكرية والأمنية في محافظة الديوانية، أمس، بحالة الإنذار القصوى (ج).
وذكرت مواقع إخبارية محلّية، أن هذه التوجيهات أوعزت بها قيادة عمليات الفرات الأوسط، مشيرة إلى أن القوات الأمنية انتشرت بمناطق متفرقة من المحافظة وقرب المؤسسات الحكومية تحسباً لأي طارئ.
وأكد محافظ الديوانية زهير الشعلان أن الانتشار الأمني في مناطق المحافظة يأتي لحماية التظاهرات وإبعاد غير المنضبطين منها تحسباً لخروج التظاهرات عن سلميتها. واستبعد العشلان في تصريح صحافي حصول أي تصعيد في الديوانية حال انقضاء المهلة المحددة لتحقيق المطالب.
كما وصف انتشار القوات الأمنية في الديوانية بالطبيعي لسد الثغرات التي قد يستغلها غير المنضبطين.
وفي المثنى، نفّذ طلبة الجامعات في المدينة اعتصاماً طلابياً موحّداً، واغلقوا البوابة الرئيسية لجامعة المثنى.
كما أقدم المحتجون على إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة والمباني الحكومية.
وكذلك الحال في واسط، حيث قطع عدد من المحتجين طريق (كوت – ناصرية)، في خطوة وصفوها أنها «أولى خطوات التصعيد».
وأيّد متظاهرو واسط، في بيان صحافي، المهلة التي منحها متظاهرو الناصرية للحكومة لتنفيذ مطالبهم والتي انتهت اليوم، وفي حالة عدم تحقيق ذلك هددوا باللجوء الى التصعيد السلمي.
في الأثناء، نظم الطلبة الجامعيون من مختلف الكليات (الحكومية، الاهلية) في محافظة كربلاء، أمس، اعتصاما موحدا تضامنا مع التظاهرات الاحتجاجية التي تشهدها بغداد وعدد من المحافظات.
وجاب الطلبة المعتصمون شوارع وساحات المدينة بمسيرات حاشدة، رافعين شعارات تطالب بتنفيذ مطالب المحتجين في «المحافظات المنتفضة».
في الموازاة، أكد عضو مفوضية حقوق الإنسان (رسمية تابعة للبرلمان)، علي البياتي، عجز الحكومة عن معالجة المشاكل التي يعاني منها المواطن العراقي، مبينا أنها تحاول أن تشوه الممارسة الديمقراطية التي قرر الشعب اللجوء اليها. وقال البياتي، في «تغريدة» على «تويتر»، إن «الحكومة تتأرجح منذ 100 يوم بين مسميات عديدة ومتعددة ولا تستطيع ان تشخص من يعبث بأمن البلد والمواطن».
وأضاف أن «الحكومة تحاول ان تشوه الممارسة الديمقراطية التي قرر المواطن العراقي المسالم القيام بها لتصحيح المسار بعد أن فشلت القوى السياسية عن ذلك، فكيف نرجو منهم العلاج».
ومن المنتظر أن تشمل الإجراءات التصعيدية إغلاق جميع الطرق والمؤسسات الحكومية والأهلية بما فيها الجامعات والمدارس، باستثناء الدوائر الخدمية والصحية.